التلفظ والسرد )الجزء الأول(
مقاطع من بلاغة جاك شيراك
للكاتب: جان-ميشيل آدم
ترجمة: عبدالواحد التهامي العلمي
Référence : Argumentation et narration, édité par Emmanuelle Danblon, Emmanuelle de Jonge, Ekatrina Kissina et Loic Nicolas, Edition de l’université de Bruxelles, 2008, pp.19-28.
يصف المثال على نحو خاص فعلا نموذجيا يمكنه أن يُستخْدَمَ حجة لأجل اتخاذ قرار: يبطل هذا الفعل (…) التعارضَ بين العام والخاص عندما يمنح الانتقال المباشر إلى العام بواسطة الخاص. (دانبلون Danblon 2002، ص.196)
في يوم الأحد 27 من شهر أكتوبر 1985، وقبل خمسة أشهر من فوز اليمين في الانتخابات التشريعية، وقبل أول “تعايش” بين الرئيس فرانسوا ميتيران François Mittérand والوزير الأول جاك شيراك Jacques Chirac في الجمهورية الخامسة، عقدت مناظرة تلفزية، واجهت لوران فابيوس Laurent Fabius الوزير الأول الاشتراكي في تلك الحقبة برئيس صف المعارضة، رئيس حزب التجمع من أجل الجمهورية وعمدة باريس. هذه المواجهة التي بثت على القناة الفرنسية الأولى (TF1) في الساعة الأكثر استقطابا للمشاهدين (بين السابعة والنصف والتاسعة ليلا) انتهت بإخفاق نسبي في تواصل فابيوس الذي بدا أكثر عنفا مقارنة مع شيراك الذي، حسب استطلاع الرأي الذي أنجزته “الشركة الفرنسية لاستطلاعات الرأي” SOFRES-EUROPE1 مباشرة بعد انتهاء البرنامج، حصد 44 في المائة من الآراء المؤيدة لشيراك ضد 24 في المائة للوران فابيوس. أما بالنسبة لـ28 في المائة من الأشخاص المستجوبين، فإن أيا منهما لم يحقق الفوز. إن وتيرة كلام جاك شيراك (167 كلمة في الدقيقة ضد 180 كلمة في الدقيقة بالنسبة إلى فابيوس)، يرجع سببها إلى مقاطعة الوزير الأول كلام خصمه 91 مرة، في حين أن عمدة باريس لم يفعل ذلك إلا 25 مرة؛ هما شهادتان كميتان على الهدوء االكبير الذي ظهر به الفائز مستقبلا في الانتخابات.
تسعى هذه الدراسة إلى فحص استعمال المثال السردي أو البراديجما الذي يشكل خاصية النوع الاستشاري السياسي من خلال التفاصيل النصية لمقتطف قصير.
من منظوري الخاص للتحليل النصي للخطابات، يتطابق المثال والقياس المضمر- وهما الحجتان اللتان اعتبرهما أرسطو من الحجج المشتركة في أنواع الخطاب الثلاثة- مع الحجاج والسرد بوصفهما صيغتين كبيرتين من صيغ التشكيل النصي لسلسلة من الملفوظات. وعلى الرغم من أن أرسطو يتحدث، في الكتاب الثالث[1] من “فن الخطابة” عن صعوبة إدراج السرد في النوع الاستشاري، لكنه يشير في الكتاب الثاني[2] إلى فائدة الحجاج بالوقائع التاريخية ويعرض لمكانة الأمثلة:
عندما لا نتوفر على قياسات مضمرة، يجب استخدام الأمثلة بوصفها استدلالا (لأنها تؤدي إلى التيقن [ conviction]؛ وإذا توفرنا على قياسات مضمرة، يجب استخدام الأمثلة بوصفها شواهد نذيل بها القياسات المضمرة. وإذا ما وضعناها في التمهيد، فإنها تصبح شبيهة باستقراء. والحال أن الاستقراء لا يكون ملائما للبلاغة، ما عدا في بعض الحالات؛ في الخاتمة، تكون الأمثلة شبيهة بالاستشهادات؛ والحال أن ثمة تلازما بين الشاهد والتيقن conviction. وهو ما يجعل أنه، إذا وضعنا الأمثلة في المقدمة، فإنه يلزم بالضرورة إنتاج عدة شواهد. أما في الخاتمة، فيمكن الاكتفاء بمثال واحد لأن الشاهد الصادق مهما يكن مفردا، فهو ناجع.[3]
مقطع مواجهة متلفزة
لم أستطع أن أحلل بكل تفصيل إلا جزءا من التسجيل المرئي والصوتي لهذه المواجهة، ولهذا أمزج، أسفله، بين النقل المكتوب المنشور في جريدة لوموند le Monde بتاريخ 29 من شهر أكتوبر 1985 وبين نقل جزئي الذي يراعي الوقفات (خطوط مائلة تنطلق من وقفة النَّفَس/ إلى الوقفة الطويلة جدا///)، والنبرات (حروف صغيرة) والتنغيمات في الصوت (تسطير). وقد أشرت إلى الحركات الملموسة في الشاشة بواسطة (الخط المائل). إن المحكي، الذي لم يستغرق أكثر من ثماني وثلاثين ثانية، حلَّ في نهاية تدخل شيراك الذي قوطع خلاله في مناسبتين اثنتين، دون أن يفقد مع ذلك مجرى حجاجه.
[ش1] جاك شيراك
ماذا يجب فعله لأجل التقليل من البطالة؟ يجب أولا التوفر على مقاولات أكثر حرية، أي مقاولات يقل عبئها فيما يخص الضرائب، والرسوم في كل المجالات. وهو ما يفترض تخفيضا كبيرا في النفقات العمومية غير المفيدة؛ أي هذه النفقات التي كثيرا ما عملتم على تضخيمها عندما كنتم وزيرا للميزانية. يجب التقليل من الإكراهات الإدارية ، ويجب فتح المجال لحرية أكثر. وإذن العودة، إلى حرية الأسعار، وإلى حرية التبادل، وإلى مرونة أكثر في التشغيل. يجب حذف عدد معين من الآثار الجانبية المعطلة، خاصة بالنسبة إلى المقاولات الصغرى والمتوسطة، مع الحفاظ على المكتسب الاجتماعي، وكل ذلك في إطار سياسة تعاقدية ومتفق عليها، بالطبع، مع التنظيمات النقابية. يجب إلغاء الإذن الإداري بالعزل الممنوح إلى أجل مسمى الذي ينتج عنه، خلال هذا الوقت، جسامة الأعباء التي توصل المقاولات إلى الإفلاس، وأنه من الناحية النفسية، يمنع عددا كبيرا من المقاولين الصغار أو المتوسطين الذين يخافون، في الحالة التي لا يمنحون فيها ذلك، الذين يخافون من توظيف الأطر، والذين لا يوظِّفون. هذا الإلغاء، سيتيح الرفع بشكل ملموس من مناصب الشغل (…)
إنه لمن العبث/ أن نفوض إلى موظفين، ليست لهم مسؤوليات أو لا يتوفرون على كفاءات في هذا المجال/ عناية الحكم والتقويم: هل يتحتم الطرد أو العزل أم لا؟// فهذا يشل الشغل/ وهذا يعني أننا نتوفر على بطالة متنامية/ (…)
[فا1] لوران فابيوس [مقاطعا]
أنت تجيبني…
[ش2] جاك شيراك [في الوقت نفسه]
وسأذهب…
[فا] لوران فابيوس
بالتحديد//
[ش3] جاك شيراك
إنه السبب الذي من أجله، أنا مع إلغاء الإذن/ المسبق للطرد كلما لم تقم السلطات العمومية بتقديم مساعدة مالية لمقاولة ما/ وهي الحالة التي يكون لهم من العادي// بالطبع/ شيء يقولونه على المستوى الاجتماعي// و[سأعمل] حتى أختم/ على أن أقدم لكم/ {الأصبع مُركَّز على فابيوس} مثالا،/// {حركة نحو يساره، خارج الحقل الحواري}. كنت أنصت// منذ بضعة أيام/ إلى المذياع/// {حركة اليد اليمنى على الطاولة} والذي كان يحكي القصة/ {حركة مطابقة لليد اليمنى على الطاولة} منذ ثلاثة أو أربعة أيام/ والذي كان يحكي القصة/ الشخص الذي يسمى السيد فيساك/ Monsieur Vissac، والذي لا أعرفه/// وهو الذي سبق له/ القيام بأعمال مشينة/ فقد تسبب في طرد خمسة وعشرين عاملا/// {حركة باليدين معا} واأسفاه/// ثم بعد مدة وجيزة// وقَّع هذا السيد/ عدة عقود {حركة باليدين معا}، التي عملت على تحسين/ مخططه في التكاليف بشكل ملموس// {حركة باليدين معا}، و/ وظف أربعا وعشرين {حركة باليد اليمنى} أو ستة وعشرين/ عاملا جديدا/// وحين اكتشفت مفتشية الشغل ذلك// قدمت ضده محضرا// وحكم عليه بأربع/ عقوبات/ قاسية/// بالطبع، استأنف الحكم منذ مدة وجيزة/ i ولكن/// أليس هذا// قمة العبث// أنتم[4] تريدون تقنين كل شيء/ وتريدون مراقبة كل شيء/ أنتم تحلمون بفرنسا […
[فا3] لوران فابيوس [مقاطعا]
أنتم الاختصاصي/ في القانون إنه في عهدكم كانت قد انتشرت ال…
[ش4] جاك شيراك [في الوقت نفسه] أنت تح-/ أنت تح-/
[فا 4] لوران فابيوس [يتابع]
…مراقبة الأسعار/ كانت في عهدكم /…
[ش5] جاك شيراك [مقاطعا]
ينبغي أن أقول إنكم لم تلغوه إذا لم أكن مبالغا في ذلك/فالمثال الذي قدمته لكم منذ قليل أيها السيد فابيوس نموذجي// إن نظامكم عبثي/ معطل/ ولهذا السبب يجب إصلاحه [نظرة ختامية في اتجاه الكاميرا]
لا يظهر المحكي بالمصادفة في ختام هذا المدح للبرالية، وهذا الطعن في قانون الإذن الإداري بالطرد الذي يسعى إلى النضال ضد الطرد التعسفي للعمال. إن بنية هذا المقطع من المناظرة يمكن تلخيصها في جدول يسلط الضوء على كون شيراك يواصل هدفه الخِطابي من الحوار الجاري (الحوار1)، على الرغم من مقاطعة فابيوس له مرتين في مقطعين من الحوار (الحوار2 والحوار 3). وقدنجح شيراك في إنهاء الحوارات المتقطعة (الحوار 2 والحوار3) متمكنا هكذا على نحو جيد من إنجاز مشروعه الحجاجي. حول هذه النقطة، لم تعمل وضعية التبادل الحواري الشفوي سوى على التهويش الضعيف على مشروع خِطابي يشبه كثيرا الخِطابات السياسية المونولوجية.
_____________________________________
الحوار المتبادل1 تدخل شيراك-1
_____________________________________
المقاطعة الأولى
الحوار المتبادل2 تدخل فابيوس-1
[متابعة الحوار المتبادل1 – تدخل شيراك-2]
الحوار المتبادل 2 تدخل فابيوس-2
الحوار المتبادل 2 بداية تدخل شيراك-3
___________________________________
استئناف الحوار المتبادل1 تدخل شيراك-3 (تابع)
___________________________________
المقاطعة الثانية
الحوار المتبادل 3 تدخل فابيوس-3
[متابعة الحوار المتبادل1 تدخل شيراك-4]
الحوار المتبادل3 تدخل فابيوس- 4
الحوار المتبادل3 تدخل شيراك- 5 (البداية)
_________________________________
نهاية الحوار المتبادل 1- تدخل شيراك -5 (تتمة ونهاية)
_________________________________
ويُستأنف تدخل شيراك-2 “وسأعمل على…”. عندما يعود شيراك-3 إلى مستوى الحوار المتبادل1 “و[سأعمل] حتى أختم على أن أقدم لكم/مثالا”. وهذا يؤكد أنه كان يتوقع من قَبْل مقدمة محكيه، وأن المقاطعات لا تعيقه. ويجيب على طلب فابيوس (ف1 وف2)، ويربط بواسطة العودة إلى القول المقتطع (شيراك2).وحول هذه النقطة، فإن تدخلات شيراك-2 وشيراك-5 تقدم البنية نفسها: فهناك في البداية رد موجز على المقاطعة، ثم استئناف القول المندرج في الحوار المتبادل 1. وهذا التحكم في استمرارية القول يوضح جيدا أن تدخلات فابيوس لم تدرك بشكل واضح من لدن أغلبية مشاهدي التلفزة الفرنسيين؛ أي إنها فشلت في مجابهة خطاب أعد على نحو جيد، ولم يظهر سوى باعتباره حوارا بين طرفين. في بداية المناظرة، على سبيل المثال، وفي الوقت الذي أجاب فيه فابيوس حقا عن السؤال الأول للصحافيين، كان شيراك قد بدأ بقول ما كان قد توقع أن يضعه في المقدمة: “إذا سمحتم، أود في البداية”. وفي ختام البرنامج، يسلك الطريقة نفسها بقراءة خاتمة مهيأة من قبل.
[1]– 1417 ب، 1991، ص.257.
[2]– 1394أ، 1991، ص.164.
[3] الخطابة، الكتاب الثاني، 1394أ، 1991، ص. 164.
[4] يستعمل ضمير المخاطب بصيغة الجمع في اللغة الفرنسية عند مخاطبة شخص محترم أو شخص لا يعرفه المتكلم. (المترجم)
د. عبد الواحد التهامي العلمي









































































PDF 2025


