يقال أن “رصيد الديمقراطية الحقيقي ليس في صناديق الانتخابات فحسب، بل في وعي الناس”، هذا الوعي الذي يشكل سلوكا انتخابيا معينا، يمكن معه أن يتم تحديد التيارات السياسية،ودون شك يؤثر على الاختيارات الاستراتيجية،ويدفع بالقائمين على السلطة إلىتبني أنماط انتخابية معينة، كما أنه يساعد الباحثين على التكهن ولو نسبيا بالخطوة السياسية المقبلة، ولهذا السبب ذهب Siegfried في تعبيره البسيط والسطحي حسب منتقديه، حد وصف السلوك الانتخابي بفرنسا بالمقولة التالية « le granite vote à droite, le calcaire vote à gauche »غير أن هذا التقسيم الجيولوجي السياسي تتداخل فيه عوامل أخرى يمكن أن تربك هذا التصنيف البسيط.
إن مقاربة السوسيولوجية الانتخابية عادة ما تنطلق من معطيين أساسيين، الأول يرتكز على المتغيرات في تحليل الاختيارات الانتخابية، وبالتالي ينظر من خلاله إلى الناخب على أساس سلوكه الانتخابي والتصويتي، باعتبار هذا السلوك مرتبط بوضعية موضوعية، أما عن المرتكز الثاني؛ فينطلق من فكرة مفادها أن التصويت هو رد فعل الناخب (المواطن) على الوضعية القائمة، وهو بذلك طريقة للتعبير عن رضا أو عدم رضا الناخبين/ المواطنين على الأداء الحكومي والسياسي بشكل عام، وبالتالي يكون صوت الناخب بمثابة تعبير عن استنتاجاته وتقييماته للعمل الحكومي وللظروف السياسية. لكن هل يمكن تنزيل أحد هذين المتركزين أو هما معا على الوضعية المغربية التي دائما ما نتحجج بخصوصيتها؟ وهل يمكن لمقاربات السوسيولوجيا الانتخابية أن تشرح، توضح، وتفسر الوضع الانتخابي بالمغرب؟ علما بأن هذا الوضع هو مرتبط جدليا بالوضع السياسي العام، لكونهما يمثلان وجهان لعملة واحدة.
ويبدوا أن العوامل المتحكمة في السلوك الانتخابي، لا تشمل البيئة السياسية والاقتصاديةوالثقافية والاجتماعية فقط، بل تتعداها إلى البنية القانونية التي تشكل أيضا إحدى المؤثرات على السلوك الانتخابي، بل إن المحدد القانوني يؤثر في هذا السلوك، فيكون إما عامل جذب أو دفع، ذلك أن النظام الانتخابي كمجموعة من القواعد التي تحكم مختلف أوجه العملية الانتخابية بدء بتقسيم الدوائر الانتخابية، واعتماد نمط اقتراع معين، وتحديد من له حق التصويتوالترشح، وفرز الأصوات واحتسابها وتوزيع المقاعد(…)، يؤدي إلى بروز بنية سياسية معينة.
كما يمكن الجزم وليس التكهن فقط أن من يختار ويقرر اعتماد نظام انتخابي ما، هو من يتحكم دواليب السلطة ويضع قواعد ممارستها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، معلوم ان اعتماد نظام الاقتراع الفردي الاسمي الذي اعتمده المغرب سابقا منذ أول انتخابات إلى حدود 2007 وظل يعتمده في الانتخابات الجماعية بالدوائر القرويةإلى اليوم، يكرس مفهوم الولاء للشخص ويقوي الأحزاب الصغيرة بينما يضعف الأحزاب الكبرى، وأن اعتماد الاقتراع باللائحة يقوي هذه الأخيرة، وأن اعتمادهما مع من طرف النظام المغربي كان الهدف منه وضع التوزان ومحاولة الحفاظ على قوة بعض الأحزاب التي لها امتداد في المجال القروي علما أن نسبة التصويت في هذا المجال تفوت بكثير نظيرتها في المجال الحضري، كما أن اعتماد العتبة يؤدي غالبا إلى تهميش الأحزاب الصغيرة، ومنعها من دخول المجالس المنتخبة خاصة البرلمان. من جانب آخر يظل التقطيع الانتخابي وهو أحد مرتكزات النظام الانتخابي، كعصى سحرية، تمكن المتحكم بها من رسم الخريطة السياسية والتأثير في مخرجات العملية الانتخابية، ما يجعل استئثار الإدارة به ومنعه عن أي مؤسسة أخرى من قبيل البرلمان، هو بمثابة تحكمالخريطة الانتخابية.
إن هذه المحددات المرتبطة بالنظام الانتخابي لها تأثير بنيوي على السوسيولوجيا الانتخابية بالمغرب وعلى السلوك الانتخابي للمواطن/ الفرد المغربي،ففي ظل نسق سوسيو سياسي عام فريد من نوعه، تم الاعتماد على آليات الانتخابية، وترسانة قانونية تدعم هذا التفرد، لكنها في المقابل تعمق من أزمة المشاركة في الحياة السياسية، وترفع من نسبة العزوف السياسي ليس فقط العزوف عن المؤسسات الممارسة للسياسة على رأسها الأحزاب، بل وصل الأمر إلى الامتناع عن ممارسة حق وواجب التصويت. فليس بخفي على الجميع أن الأزمة السياسية وسخط المواطن على الاختيارات العمومية، والتي تعود لزمن ليس بالقريب، هي نتيجة لاختيارات وممارسات الفاعلين السياسيين ولتراكمات ماضوية، منها ما يرتبط بالتنشئة السياسية (المعطوبة)، والتأطير السياسي (المتحكم فيه)، والعمل الحزبي (المشخصن)، والترسانة القانونية (الممنهجة) والممارسة البرلمانية (الهجينة) والتدبير الحكومي (المرتبك)، والفعل الرقابي (المحتشم)، وغيرها كثير من الفصوص التي شكلت فسيفساء الأزمة السياسية المغربية، التي معها فقد الفرد/المواطن المغربي بويصلته السياسية.
إن معشر المصوتين المفترضين اليوم فئتين (نتحدث هنا عن أولئك الذين أعطاهم القانون الانتخابي حق التصويت): الأولى وهي عشيرة المصوتين، لها اتصال مباشر بالسياسة، بالانتخابات وبالتالي بالتصويت، معظمها ينتمي إلى شريحة معينة، تنقسم بدورها إلى من يصوت لحزب بذاته، وشريحة أخرى تتأرجح بين عدة أحزاب مختلفة، وفئة ثانية هي بعيدة عن المجال السياسي والانتخابي أو يمكن القول أنها عشيرة المشاهدين الممتنعين عن التصويت، لا تقوم بهذا الفعل، لكن لها تأثير كبير على العمل السياسي الرسمي، ما دام أن فعل الامتناع في السياسة هو فعل موجب وليس بفعل سالب.
وفي ظل تفشي ظاهرة فقدان الثقة في العمل السياسي (وهي بالمناسبة ظاهرة عالمية لا تقتصر على المغرب فقط)، ستستمر الأزمة السياسية، وما يترتب عنها من امتناع عن التصويت كفعل أضحى عادة عند الشريحة العظمى، وإن كان يؤثر على تراكم المعرفة الضرورية للتأسيس لسوسيولوجيا انتخابية بالمغرب، فإنه ممكن أن يعتبر محفزا لهذه الأخيرة وللباحثين في ثناياها، للنبش في الامتناع عن التصويت كظاهرة اجتماعية لها ما لها من زخم اجتماعي وسياسي وثقافي أيضا.
دة.بشرى المرابطين









































































PDF 2025

