أسرة اللّوه:
يرجع أصل عائلة اللّوه إلى قبيلة الرّيف بشمال المغرب، وقد اشتهر من أفرادها، والد المترجم، السيّد الحاج علي اللّوه، أحد أعيان قبيلة (بقّيوة) بمدينة الحسيمة، والمتوفى بها سنة 1927م. وقد انتقل منها إلى مدينة تطوان، ولداه: السّيّد عبد الكريم اللّوه، والد الدكتورة أمينة اللّوه، وأخواتها المثقفات. وأخوه الأصغر: العلاّمة الأصولي، سيدي العربي اللّوه المتَرجَم، رحمه الله.
ويعتبر العلامة العربي اللّوه، أحد أبرز أعلام الأسرة، وقد أحسن –رحمه الله- صنعاً حينما ترجم لنفسه، متحدّثاً عن أطوار حياته المختلفة، في آخر كتابه القيّم: (المنهال، في كفاح أبطال الشّمال)، والتي تعتبر المادة الأولية لمن كتب عنه، وعليها اعتمدنا في هذه الحلقة في حديثنا عنه.
اسمه ونسبه وولادته:
هو العلامة الفقيه، الأصولي الشّهير، والوزير الكبير، المدرّس النّفّاعة، أحد أبناء الرّيف بشمال المغرب الأقصى، العربي بن الحاج علي بن عمر بن زيان بن حَمُّو العمارتي، الشهير باللُّوه.
رأى سيدي العربي اللّوه نور الوجود سنة 1323 هـ الموافق ل 1905م، بقرية تيغنمين من قبيلة بقيوة إحدى قبائل الرّيف الوسط، والممتدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بين جزيرتي الحسيمة شرقاَ، وبادس غرباً.
دراسته الأولية:
تربى العلامة العربي اللّوه، وسط أسرة محافظة، تحوطه رعاية والديه، وقد تشرّب التديّن الصّميم من أبويه، ونشأ على ذلك منذ نعومة أظافره، وقد أهّله هذا الجو المحافظ، المبني على القرآن الكريم، أن يلتحق بكُتّاب قريته على العادة المتّبعة عند الطّلبة، وبالكُتّاب تمكن من تعلّم مبادئ الكتابة والقراءة وحفظ القرآن الكريم، والمتون العلمية المختلفة، المصاحبة لمرحلة الحفظ. ولما آنس من نفسه القدرة على الاستزادة ينابيع العلوم المختلفة، رحل إلى مختلف القبائل الجبلية وهي المرحلة المعروفة لدى الطّلبة بـ (التّخْنيش)، قصد قبيلة بني خالد بغمارة، وبها أخذ عن الشيخ السي بلحاج مدة سبعة أشهر، مبادئ العلوم الدينية والعربية وبعض علوم القراءات، ثم يمم وجهه شطر قرية الشوبية بقبيلة وادراس بمنطقة جبالة، فلازم هناك لمدة سنتين الشيخ الفقيه محمد بوتفاح، الذي أخذ عنه علوم العقائد والفقه والفرائض والنحو والصرف، وبعد ذلك انتقل إلى قرية الجبيلة الواقعة بجبل حبيب من نواحي طنجة، فلازم بها الشيخ النّابغة، سيدي محمد الأندلسي، إلى أن توقفت الدراسة بسبب اندلاع حرب الريف التحريرية بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وامتداد شرارة هذه الثورة الوطنية إلى القبائل الجبلية.
دراسته الثانية بجامع الزيتونة بتونس:
بعد انهاء الرّحلة الأولى لطلب العلم بالقبائل الجبلية، أراد أن يلتحق بجامع القرويين العامر، حيث كبار العلماء، والتعليم الديني العالي، ولكن حالت بينه ظروف الحرب، بفعل الحصار البري والبحري المضروب على المنطقة من قبل الاستعماريْن الفرنسي والإسباني، والمنع الذي أصدره ابن عبد الكريم للريفيين بعدم الهجرة تفاديا لإفراغ المنطقة من رجالها وحماتها، بيد أنّ رغبته الجامحة، وتطلّعه الكبير، جعله يشقّ لنفسه طريقاً آخر، فقد إفريقية (تونس)، في رحلة شاقة ومتعبة، والتي تكبّد فيها عناء السّفر برّاً، فدخل الجزائر عبر وجدة، رفقة مجموعة من العمال الريفيين الذين كانوا يشتغلون بضيعات المحتلّين الفرنسيين، مغيراً اسمه إلى محمد بدر الدين بن عبد الله المغربي من مدينة طنجة، ومن هناك أكمل طريقه إلى تونس العاصمة (بدون هوية)، فوصلها سنة 1342 هـ 1923م، وانخرط حينها مباشرة ـ بعد قبوله في الامتحان من قبل النظارة العلمية ـ بجامع الزيتونة الشهير، الذي كان علماؤه يعقدون مجالسهم العلمية بالجامع الأعظم بالعاصمة في علوم شتى، منها: علوم العقائد، والفرائض، والمنطق، والنحو، والبلاغة، والتاريخ، والجغرافية، وكذا مبادئ الهندسة والحساب وأدب البحث والمناظرة وغيرها من العلوم.
وبجامع الزيتونة الأعظم، أخذ على جلة العلماء وكبار الشيوخ، ومن أبرزهم:
- محمد الطاهر ابن عاشور.
- محمد الصادق النيفر.
- السيد صالح المالقي.
- محمد مناشو.
- محمد بن القاضي.
- محمد الشاذلي الجزيري.
- عثمان ابن الخوجة.
- بلحسن بن محمد النجار.
- محمد الزغواني.
- الطيب سيالة.
- عبد السلام التونسي.
- أحمد العياري.
- محمد الشادلي بن ضيف.
- الهادي الشّطّي، وغيرهم من كبار علماء الزيتونة.
وهكذا ظلّ ينهل من معين جامع الزيتونة، إلى أن وقد تخرج منها سنة 1348 هـ 1929م بحصوله على شهادة العالمية (التطويع)؛ ممهورة بإمضاء الشيوخ:
- أحمد بيرم.
- محمد الطاهر ابن عاشور.
- محمد رضوان وصالح المالقي.
كما أجازه في الحديث النّبوي الشيف، الشيخان: بلحسن النجار، والبشير النيفر، غير أنه بعد حصوله على شهادة العالمية، مكث هناك سنة إضافية للاستزادة من أنوار المعرفة وحضور مجالس مشايخ الزيتونة ونبغائها، إلى أن التحقت به والدته الحاجة عائشة بنت محمد التّسولي سنة: 1349هـ/1930م، قادمة من الديار المقدسة بعد أدائها فريضة الحج فعادا معاً إلى المغرب.
وظائفه:
بعد رجوع الشيخ الفقيه العالم، سيدي العربي اللُّوه من سفره العلمي الطويل، إلى الريف شرع في ممارسة التطبيقات الفقهية والنوازل القضائية، بإشراف وتوجيه من العالم الكبير في فقه النوازل المرحوم علي الخمليشي. ثمّ تقلّد مناصب عدّة، كان أحق بها وأهلها، وممّا تقلّده من الوظائف:
- القضاء بقبيلة بيني يدر الجبلية في 15 يونيو1931م.
- نائبا لمدير الأحباس بالناظور في 10 دجنبر1932.
- مستشاراً شرعياً بنيابة الأمور الوطنية بمدينة تطوان سنة: 1935م.
- رئيسا لكتابة الصدارة العظمى في نفس السنة (1935م) تحت إشراف الفقيه الصّدر، سيدي أحمد الغنمية رحمه الله.
- كاتبا عاماللصدارة بتاريخ 23 غشت 1952م.
- وزيرا للأحباس بالحكومة الخليفية بمنطقة الشمال في 28دجنبر 1954م، في تشكيلتها الأخيرة، خلفاً للشاعر الوزير سيدي محمد بن عبد القادر ابن موسى.
- مدير شؤون مكتب رئيس المحكمة العليا العدلية المخزنية بتطوان.
هذا فيما يتعلّق بالوظائف المخزنية، أما المناصب العلمية التي تبوأها العربي اللوه في سلك التربية والتعليم، فنشير إلى تعيينه مدرسا بالمعهد الديني الثانوي منذ سنة 1935م، ثم أستاذا بالمعهد الديني العالي في 10 فبراير 1945م فأستاذاً جامعيا بكلية أصول الدين التابعة لجامعة القرويين، فضلا عن مزاولته لمهنة الفتوى بالريف (الحسيمة والناظور) وتطوان، كما انتخب نائباً في مجلس النّواب في أوّل برلمان وطني تأسّس في المغرب.
وخلال فترة تدريسه، استفاد منه مآت الطّلبة ممن تخرّجوا على يده، فقد كان العالم المتخصص في المعقوليات، التي يعرف خباياها، ويجلّي أسرارها، وكثيراً ما كان يدرّس أصول الفقه بجمع الجوامع بحاشية العطّار، التي كان ينصح طلبته بها، ويعدّها من أنفع الحواشي الشارحة لكتاب جمع الجوامع.
وللعالم الكبير سيدي العربي اللّوه، جوانب تذكر فتشكر، ولازال طلبته ومحبّوه يثنون عليه، ويذكرون فضله عليهم، ويشهدون له بمواقفه الجهادية ضدّ المستعمر، وحنكته السّياسية في الحكومة الخليفة، إضافة إلى تواضع كبير، وتنازل محمود، شأن العلماء الربانيين، الذين يمتازون بلين الجانب، وحب النّاس، والبعد عن المظاهر الزائفة، وهو الوزير الملحوظ بعين العناية والرّعاية، ومع ذلك لم يؤثّر فيه المنصب، بل كان كثيراً ما يرفض سيارة الوزارة، ويركب سيارته الشخصية المتواضعة، ومن تواضع لله رفعه.
تآليفه:
ترك الشيخ العلامة سيدي العربي اللّوه مجموعة تآليف تدلّ على نبوغه وتمكّنه من علوم الآلة، لاسيما المعقوليات، بيد أنّه لم يكن مكثراً من التأليف، لانشغاله بأعباء الوظيفة، التي لا تترك الفراغ للتأليف، فقد أصدر أول كتبه وهو في السبعين من عمره، وما تركه من مؤلفات لا تتجاوز أربعة، وهي:
1 ـ (أصول الفقه) وهو كتاب في فلسفة وأصول التشريع الإسلامي انتهى من تأليفه سنة 1968، وقد طبع طبعته الأولى في حياة مؤلفه بتطوان سنة: 1970م. ، والثانية بتطوان كذلك عن مطابع الشويخ ديسبريس سنة 1984، بينما الثالثة كانت سنة 2007 عن مطبعة الخليج العربي بتطوان.
2 ـ (الرائد في علم العقائد) وهو كتاب في علم العقائد الإسلامية، طبع لأول مرة بتطوان سنة 1973، والطبعة الثانية كانت عن مطبعة النور بتطوان سنة 1983، في حين صدرت الطبعة الثالثة سنة 1996 عن مطبعة (الهداية) بتطوان.
3 ـ (المنطق التطبيقي) وهو كتاب في علم الميزان، صدرت طبعته الأولى سنة 1975عن مطابع ديسبريس بتطوان، وطبعت الطبعة الثالثة من الكتاب إلى سنة 2008 عن مطبعة الخليج العربي بتطوان.
4 ـ (المنهال في كفاح أبطال الشمال) وهو كتاب تاريخي صدرت طبعته الأولى بتطوان سنة 1982 عن مطبعة الشويخ ديسبريس، وثق فيه للأعمال البطولية التي قام بها المقاومون بالشمال ضد الاحتلالين الإسباني والفرنسي، وما قدموه من تضحيات جسيمة في سبيل وحدة الوطن وتحريره، وصدرت طبعته الثانية سنة 2009 عن مطبعة الخليج العربي بتطوان.
وفاته ومقبره:
بعد عمر عامر، وحياة مليئة بالكفاح العلمي، انتقل الشيخ العلامة الوزير، إلى جوار بّه راضياً مرضياً، وذلك يوم الخميس 22 ذي القعدة 1408هـ الموافق لسنة 1988م، وصلى عليه صديقه العلامة القاضي المدرّس سيدي أحمد بن تاويت، ودفن بعدها بمقبرة سيدي المنظري من المقبرة العمومية بتطوان، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وتقبله في الصالحين من عباده.
يونس السباح









































































PDF 2025


