“إن الفكرة يجب ألا تنقصها حرارة الرغبة، كما أن الرغبة يجب ألا ينقصها ضوء الفكرة”. سبينوزا
كان للخطاب التاريخي الذي بشر فيه ملك المغرب الراحل محمد الخامس ببزوغ عهد جديد، عهد الاستقلال ونهاية الحماية، وقع كبير على نفوس المغاربة، غير أن هذه الفرحة لم يكتب لها أن تستمر طويلا بالنظر إلى الصراعات السياسية الداخلية والخارجية، التي اندلعت مباشرة إثر تشكيل الحكومة الأولى للمغرب المستقل، وهي الصراعات التي أسفرت عن تراجع حضور ووهج الحركة الوطنية أمام اتساع هيمنة سلطة المخزن، التي باتت تمثلها أحزاب سياسية جديدة ضمن حسابات أفرزتها تطورات المرحلة المتلاحقة. وقد كان من بين مطامح هذه التحولات الكبرى إقامة توازن بين الاتجاه العروبي والأمازيغي والحداثي الاشتراكي أو المعاصر. لكن السؤال الذي ظل مطروحا هو: ماذا بعد الاستقلال؟ وما العمل بعد التشكيل الحكومي الجديد؟
مباشرة بعد وفاة محمد الخامس، سيشهد المغرب بداية تقزيم أدوار الأحزاب السياسية التي تنتمي إلى الحركة الوطنية، في مقابل تعاظم الحضور المكثف لسلطة الجهاز العسكري، الذي اتسمت تدخلاته، في بعض الأحداث الاجتماعية، بكثير من الهمجية والشراسة، حيث سيكون تدخله لإخماد تظاهرة 23 مارس 1965 التلاميذية في مدينة الدار البيضاء، أكبر مؤشر على هذا الجو المكهرب وسوء الفهم الكبير.
ولعل هذا الاكتساح العسكري للساحة السياسية هو ما سيقود، لاحقا، إلى المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين على الملك، واللتين قام بالتخطيط لهما مساعده ويده اليمنى الجنرال الدموي محمد أفقير، مما جعل الحسن الثاني يتنبه إلى هذه المطامع، ويبعد الجهاز العسكري عن المجال السياسي بعد استرجاع الأراضي الجنوبية، لتستعيد الأحزاب السياسية بعض أدوارها الطبيعية، وتعيد حساباتها واستراتيجياتها، إلا أن ذلك لم يمنع، مع ذلك، من استمرار فقدان الثقة وازدياد هامش الحذر الشديد بين أحزاب اليسار والقصر. هذا الواقع ستخف حدته بتنصيب حكومة التناوب التوافقي التي قادها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، أحد قادة اليسار المغربي التاريخي. وعلى الرغم من ذلك، ظل سؤال مآل التنمية في مغرب ما بعد الاستقلال وانخراطه، حقيقة، في الألفية الثالثة مطروحا إلى اليوم، سواء في الممارسة السياسية أو في مجال الكتابة الأدبية الإبداعية.
هذا الإمعان في طرح وإعادة تجديد صياغة مثل هذه الأسئلة هو ما سعت أعمال روائية مغربية كثيرة إلى مواصلة طرحه، حيث كانت جميعها تبدو مثقلة بأوجاع مغرب ما بعد الاستقلال، المغرب الحديث، بما أثارته وتثيره من أسئلة عميقة ركزت على ثنائيات من قبيل الذات/الآخر، الحياة/الموت، الحداثة/التقليد، الشرق/الغرب، الحرية/العبودية، وغيرها.
وها هي رواية رسائل من امرأة مختفية للروائي والناقد والمترجم المغربي محمد برادة، جاءت لتحمل نفس هذه الهموم القديمة / المتجددة، حيث يستأنف من خلالها الكاتب نبشه في تاريخ المغرب المعاصر. إنها رواية تأتي لتشكل تتمة لمشروع روايات هذا المبدع السابقة، بنفس الحرفية اللغوية والأسلوبية، وبنفس البناء السردي المجدد ومغايرة الحبكة، ودهاء التخييل. إنها رواية يواصل فيها برادة طرحه لأسئلة عميقة تطرق لها في “حيوات متجاورة” 2009، من خلال شخصية نعيمة التي لم تعثر على حرية داخلية إلا داخل أسوار السجن، وفي رواية “بعيدا عن الضوضاء قريبا من السكات” 2014، حيث يطرح الكاتب أسئلة الهوية والتطلع إلى مجتمع العدالة والتحرر من سلطة المخزن، وأيضا في رواية “موت مختلف” 2016، التي تقوم على استحضار الذاكرة التاريخية السياسية المتشظية وسؤال الهوية، بما يجسده هذا المسار السردي الغني من انفتاح الكاتب على الأدب والفلسفة والترجمة، وهو الذي يحسب له إسهامه المعتبر في تشكيل المشهدين الثقافي المغربي والعربي المعاصرين.
تقع رواية “رسائل من امرأة مختفية” في 200 صفحة من القطع المتوسط، يخضع بناؤها إلى هيكلة تضم عشر وقفات سردية، تتصدرها عناوين خاصة، جاءت الوقفة الأولى تحمل عتبة نصية عبارة عن مقولة للشاعر الفرنسي ملارميه، فيما باقي الوقفات تحمل على التوالي العناوين التالية: جاذبية وهيمان ـ رسائل ـ مثل صنارة في عين مفتوحة ـ اختفاء جاذبية، البحث عن جاذبية ـ هيمان يجرب الزواج ـ بعد الفاصل ـ نجاة تتكلم ـ زيدان يقول ـ هاديا تتخيل ـ هيمان يتأمل ويحلم. بالإضافة إلى افتتاحية جعلها الكاتب على سبيل التوضيح وإثارة شهوة القراءة، وصرح فيها بدافع الكتابة.
1 –
يتركز الحكي في “رسائل من امرأة مختفية” على جاذبية عبد العزيز، ثم على هيمان السبتي، أما باقي شخوص الرواية مثل هاديا وأم وأخت جاذبية، وأيضا زوج جاذبية الأول والثاني والثالث، وغيرها من الشخوص الثانوية، فلم تقدم إلا من خلال شخصية جاذبية ومواقفها وتصوراتها وسلوكاتها، وهي تدخل في علاقات عرضية مع شخصية جاذبية وهيمان أيضا.
تنطلق أحداث الرواية من خلال وصف ذاتي يقدمه هيمان على شكل مونولوج يشكي حالته النفسية الحزينة، وما يحسه من وحدة وعزلته بعدما كان يعيش امتلاء ذاتيا وعاطفيا، وضياع نتيجة فقدانه لمحبوبته جاذبية التي رحلت في ظروف غامضة دون أن تكشف عن مكانها، وانقطعت أخبارها بشكل نهائي، وهو يتذكر ويستعيد مسار علاقتهما، محددا بداياتها حين كان يتابع بشغف ما تكتبه كصحفية ذات قلم متحرر ومشاغب، بروح عالية تتراوح بين الجد والفكاهية، وجرأة في اختيار الموضوعات، وهو الذي كان رجل اقتصاد، له اهتمام بقراءة الأدب باللغتين العربية والفرنسية.
هذه التقنية السردية يترك فيها السارد الشخصية تعبر بنفسها عن نفسها، لتقترب من القارئ أكثر فأكثر، تبوح وتصرح بشكل جريء عن مشاعرها ومواقفها وأخطائها وانتكاساتها، فهي لا تحتاج إلى سارد ينوب عنها في الكلام.
لقد عاش هيمان وجاذبية مغامرة عاطفية وجنسية بكل حماس واندفاع، واحتفلا بجسديهما وبشهوتيهما بكل لذة وتحرر، وآمنا بمشروعية الرغبات والجهر بالنزوات، غير أن زواج هيمان واختفاء جاذبية في ظروف غامضة سيغير مجرى الحكي، وسيشرك شخصيات أخرى في السرد كانت لها علاقات قرابة مع جاذبية، كنجاة، وزوجها حميد زيدان المضطرب عقليا، وهاديا صديقتها. هذه الشخصيات العرضية سنجدها في الوقفات السردية التي تأتي بعد الفاصل، وفيها تتناوب على السرد كاشفة لهيمان السبتي عن جهلها بالدافع وراء اختفاء جاذبية وما كانت تخطط له قبيل سفرها. وفي نفس الآن تستغل هذه الشخصيات المناسبة للتعبير عن نفسها وميولاتها ومواقفها تجاه وضع اجتماعي وسياسي منهك ومضطرب…
لقد تزامن اختفاء جاذبية عبد العزيز مع إقدام هيمان على الاقتران بالدكتورة نعمت الصرداوي، مديرة شركة أدوية المنار بالدار البيضاء، بعدما أصبح ممثلا لوزارة الاقتصاد، وقضى أكثر من سنتين مجاورا صفوة من الشخصيات المخملية، وهو الذي لطالما راوغ للإفلات من الزواج، وتشبت برغبته في أن يقضي حياته متحررا من كل القيود، غارقا في معانقة الشبق الأيروسي. إلا أن حلاوة العيش الرغيد لم تستمر طويلا، حيث أبدت الدكتورة رغبتها في الانفصال، مقترحة الحفاظ على صداقتهما بعد فسخ عقد الزواج، بالإضافة إلى استعادة هيمان غفوته في الرجوع إلى حياته السابقة من حيث تركها والعودة إلى أحضان حبيبته جاذبية.
استأنف هيمان بحثه عن جاذبية وهو يلوم نفسه عن ابتعاده عنها، وانغماسه في الزواج والعيش الرغيد، ليشرع في لقاء أقربائها باحثا عن خيط رفيع يوصله إلى مكانها. حيث يقوم بزيارة نجاة أخت جاذبية، التي كانت بمثابة صديقة حميمة لها تجمع بينهما علاقة تنطوي على التواطؤ والرغبة الجامحة في التمرد على الحواجز، حيث أخبرته أن جاذبية قررت السفر إلى مراكش والصويرة لزيارة خالتها وبعض الأقارب، وبعد غياب طويل واتصال بالأقارب تبين لهم أنها لم تزر أحدا.
بعدها سيقصد هيمان زوج جاذبية الثالث حميد زيدان، الكاتب العصابي الذي كان يتردد على مستشفى الأمراض العقلية في مدينة سلا، حيث أكد له عدم تلقيه أية مكالمة منها بعد سفرها، وهو الذي كان يشجعها على السفر للتخلص من كآبتها التي كانت تحاصرها خصوصا بعد موت زوجها الثاني. ليختم بحثه بالسفر إلى هاديا التي قرأت له بعض رسائل جاذبية بعدما أخبرته عن إقامتها بباريس، ليكتشف أن الرسائل لم تكن حقيقية ولم تكن بخط جاذبية عبد العزيز. بعد هذا البحث المضني وغير المجدي، سيقرر العودة إلى بيته بحي حسان بعد خيبة أمل في العثور على حبيبته، يتحسر على عدم الإفصاح لها عن حبه ومدى تعلقه بها قبل رحيلها، ليدخل في دوامة من الأحلام والتأمل.
قد يذهب بنا الفهم على اعتبار “رسائل من امرأة مختفية” رواية سيكولوجية بامتياز، بغض النظر عن الخلفيات والمرجعيات التاريخية والسياسية والاجتماعية التي تؤطرها، والتي كانت حاضرة في تشكيل بؤرة الحكي. إلا أن استدعاء كل هذا الخلفيات والمرجعيات جاء في سياق الكشف عن حجم وعي الشخصيات الرئيسة في الحكي، بفكرة التغيير والتحرر والديمقراطية والتحديث، هذه القيم جميعها التي تم الالتهاء والاستغناء عنها على الرغم من أنها تشكل مطالب إنسانية كونية.
انشغل الكاتب بالاهتمام بالتطور الفكري الفردي لشخصيتي البطلة جاذبية والبطل هيمان، كما كشف عن دوافع داخلية كانت تحرك اختياراتهما وتطلعاتهما، وتمزق نفسي عانيا منه نتيجة اختياراتهما غير المدروسة. هذا الأمر جعلنا ندرك كيفية تشكل واتساع وعي كل واحد منهما، بالواقع الذي يعيشانه في ظل أوضاع سيئة ومُذِلة، وهو الوعي الذي تجاوز الواقع المعيش.
لقد حظيت جاذبية بشخصية ينجذب إليها كل من تعرف إليها؛ روح مرحة مشاغبة، امرأة جسورة تبتعد عن بؤس القيود وتسعى إلى تحرير جسدها وروحها من كل الطابوهات البالية، ومن التقاليد المتحجرة والموروث المعطوب الذي ينزع عن المرأة حريتها ويجعلها خاضعة للسلطة الذكورية، كما أنها ظلت متشبعة بروح النضال، من خلال مواكبتها للأوضاع السياسية لمغرب ما بعد الاستقلال، والصراع الذي بقي دائرا بين المعارضة والمخزن…
3 –
تظل جاذبية بمثابة التماعه، إنها فكرة تعيش في الهامش، ثم تصير في المركز كلما وجدت طريقها إلى أذهان الناس عبر الانفتاح والمعرفة وحب التغيير والقراءة. وهي، إلى ذلك، تجسد فكرة التحرر، والتطلع إلى غد مشرق، إنها فكرة التأمل في وضع ظل كما هو، أو قد تقهقر فساء أكثر من ذي قبل، يتعلق الأمر بمغرب ما بعد الاستقلال. مغرب يقع في مطب ثنائية الحداثة واللاحداثة.
وفي تقديرنا، ترمز جاذبية إلى وعي شقي انبثق قبيل الاستقلال من أحياء مغربية فقيرة، غنية بتاريخ وثقافات منصهرة متنوعة، وراهن على مغرب جديد يؤمن بروح التحرر، والثورة على التقاليد البالية، والتطلع إلى فكر يعلي من قدر الإنسان المغربي المقهور، ويحفظ ما تبقى من إنسانيته التي استغلت أبشع استغلال؛ فكر كانت له وعود تستشرف المستقبل إلا أنها سرعان ما وئدت بعد الاستقلال واختفت كاختفاء جاذبية دون آثر.
يظهر، مما سبق، أن هناك تماهٍ مطلق بين شخصية جاذبية وفكرة التحرر، ويبدو ذلك جليا، عندما يأتي الكاتب على الحديث عن بعض جوانب شخصية جاذبية المتحدية بطبيعتها، والمدمنة على الاكتشاف والإصرار وعدم الاستسلام والموت البطيء. ومن ذلك حديثه على لسان هيمان عن رؤيته جاذبية، حين يقول: “رأيتها بين غفوة ويقظة، محلقة في سماء صافية الأديم، مجنحة، باسمة وذراعاها البضتان تشقان طبقات الهواء، وهي متجهة نحو أصقاع أجهلها، وتتخايل لي غائمة القسمات، هل كانت تحلق صوب الجنوب نحو أقطار إفريقيا حيث الأدغال والغابات والأنهار والمستنقعات والجحور والمناجم ومجلدات تاريخ العبودية والاستعمار مكدسة طبقات طبقات، والشمس صامدة لا تغيب ليل نهار، تصهر في صهدها الجهنمي صكوك المذلة والخيانات والميز العنصري…؟ كيف ستجد جاذبية موقعا لها في ذلك الجنوب الملتهب الفتاك؟”[1]
أسئلة عميقة يطرحها هيمان بعدما تراءت له جاذبية أو طيف الحرية محلقا في السماء، وهي أسئلة لا تخلو من نزعة تشكيكية تستبعد إمكانية استقرار فكرة الحرية في أرض عقيم جرداء، أرض لا تصلح تربتها ولا لهيب شمسها الحارق لاستنباتها. يضيق عليها المكان فتبرحه، قبل أن يواصل هيمان حديثه: ” كأنما آثرت، وقد يئست جراء استفحال الأسيجة وعبادة الماضي، الاختفاء لتبحث عن فضاء بكر، تجرب فيه ابتداع حرية الفعل والصداقة والتضامن والمحبة والانتماء…“[2]
لعل الكاتب يرمي من وراء ذلك، إلى استحضار فكرة الحرية بمعناها المادي في موطنها الخصب، الذي يمثل فضاء رحبا لإحداث التغيير المنشود، والذي تغذى وارتوى من روح فكر منفتح ومتنور، تزعمه مفكرون وشعراء وروائيون، واستطاع أن يتحدى السلطة والقادة، ونستحضر هنا ما حدث في ثورة الطلاب ماي باريس 1968، والتي انطلقت بعد الثورة التلاميذية بالدار البيضاء سنة 1965.
أما اختفاء جاذبية فيرمز، من بين ما يرمز إليه، إلى شيخوخة الفكرة، فكرة التحرر وإقبارها. فالفكرة عندما لا تجد حرارة الاستقبال فهي لا تستقر، وتميل إلى الهرب والعبور عبر الزمان والمكان، وإن لم تجد تربة خصبة تنبت فيها تهرب بنفسها مخافة أن تشوه أو تصاب بالتآكل، توثر الرحيل دون سابق إنذار كرحيل جاذبية المفاجئ. فكرة الحرية والتغيير ورفض الموروث تحتاج إلى روح مشاغبة كروح جاذبية، وإلى صوت جريء وإصرار إيمان كبيرين.
على أن حضور شخصية هيمان يمكن أن تكون نموذجا للمثقف المغربي الذي آمن بأفكار حداثية، لكنه لم يدافع عنها باستماتة وجرأة زائدتين، وعوضا عن ذلك، انساق، ضمن معترك الحياة، مع تيار أول إغراء يضمن له العيش الرغيد، فتخلي عن حلمه وطموحه ومبادئه وقيمه. لقد آثر هيمان الحياة المرفهة الهانئة على حساب طمس شخصيته وتزييف همومه، قبل أن يستفيق من غيبوبته لينخرط في زوبعة من اللوم وفي طقس من جلد الذات، ومن ثم عودته من جديد إلى اتخاذ موقعه الأصلي الذي يتواءم وقناعاته. إنها عودة المنكسر الخائب إلى روتينه اليومي المرير، يتظاهر باستئناف حياته بشكل عاد، ويعيش على ذكرى الفكرة والأحلام الوردية المحطمة، بعدما أصبح مثقلا، هذه المرة، بوجع الخذلان والخيانة؛ خيانة أفكاره التي لطالما تباهى بها، بل خيانة جاذبية التي لم يكن لها لتنتظر كثيرا من لم يؤمن بها كفاية، لتفضل الرحيل.
هذا الاختفاء وسع المسافة بين الذات وموضوعها المبحوث عنه، وأصبح كل منهما ينتمي إلى زمن مختلف عن زمن الآخر، فبرغم استشراف فكرة التحرر في وقت مبكر، إلا أن الإيمان بجدواها لم يكن حقيقيا، وبالتالي ظلت مجردة ومتعالية، وضلت طريقها.
ذلك ما حدث مع هيمان عندما قبل بعرض الزواج الذي قدم له من طرف الدكتورة نعمت الصرداوي، سليلة إحدى العائلات الكبيرة والدسمة في مراكش، وما تمثله هذه العلاقة المصلحية من انتحار طبقي. فانصرف للعيش معها في فيلاتها بحي كاليفورنيا في الدار البيضاء، يقضي نهاية الأسبوع في “لابالميري” في مراكش، ولم يعد يتردد على شقته في الرباط إلا لظرف طارئ. لقد وجد في شخصية الدكتورة نعمت بوابة يلج من خلالها إلى رحاب تلك الطبقة الاجتماعية المخملية والميسورة التي كثيرا ما انجذب إليها عبر نماذج بشرية تسعى في سلوكها وخطابها إلى أن تحقق انسجاما بين الحداثة والأصالة، من خلال توازن يقيها من الانسياق مع تيار المستفيدين من الريع وفتات العولمة، والتستر وراء شعار الحفاظ على قيم الأجداد.[3]
غير أن هذا الوضع الجديد، وهذه الحياة المغرية التي كان قد تطلع إليها هيمان في لحظة من لحظات الطموح الزائد، اكتشف معها أنه لم يكن سوى زوج قيد التدريب والترويض، يخضع لنظام الدكتورة، فلم يعد يتحمل أن يظل كشيء من أشيائها الخاصة، وانتماؤه إلى الفئات التي تمتهن أغلبية المواطنين لضمان نعيمها. فبدأ يتزايد لديه الشعور بالقلق والتوتر وعدم الارتياح عندما كانت تعصف به ذاكرته إلى أيام الطفولة ومجاورته أناسا طيبين يعيشون على الكفاف والقناعة، يحس ألمهم، وينشغل بهمومهم ومكابدتهم. آنذاك ستحضره جاذبية عبد العزيز التي كانت تقاسمه نفس القلق وتحمل نفس الوجع عن أوضاع المجتمع، فيقرر البحث عنها، وهو مدرك، على ضوء تجربته الأخيرة، أن القيم والقوانين والمواضعات تهرأت، وأن المناطق التي كانت تتخايل له منطوية على ما يستجيب لتطلعاته قد تكشفت عن سراب، وأن لا مناص من الحرص دوما على تصحيح المسار[4].
أما هاديا التي كانت صديقة لجاذبية منذ أيام المدرسة الإعدادية، وغادرت الدار البيضاء صوب تافراوت بعد زواج فاشل انتهى بالطلاق، وتوقُف محاولاتها في الكتابة الأدبية، فإنها تمثل تلك الفئة من المثقفين الذين كانوا يحاولون بث الأمل في النفوس عبر الكتابة، حتى لو كان أملا زائفا يقدمونه للآخرين كي لا يفقدوا الأمل في العودة وتحقيق الحرية والحياة الكريمة، ولكي يواصلوا انتظارهم وتطلعاتهم نحو مستقبل واعد.
لقد كانت هاديا تحرص على كتابة رسائل تنسبها إلى جاذبية، وتقدمها إلى أمها وأختها وزوجها حميد زيدان، كي لا يفقدوا الأمل في عودتها مرة أخرى على الرغم من أن تلك الرسائل كانت مجرد كذبة. هذه الحقيقة سيكتشفها هيمان لدى زيارته لهاديا في تافراوت بحثا عن قشة يتمسك بها توصله إلى مكان جاذبية، حيث راوده الشك وهو يستمع إلى فحوى الرسائل.[5]
4 –
في افتتاحية خصها محمد برادة للرواية عنونها ب “على سبيل التوضيح وإثارة شهوة القراءة”، يوضح الدافع من وراء كتابة هذا العمل السردي، مبرزا أنه يستند على قصة حقيقة، وأن الرسائل هي الأخرى حقيقية أضاف إليها من نسج خياله بعد موافقة هيمان على نشرها. إلا أن هذه التوطئة التوضيحية، التي تقع خارج الحكي، لا تعدو أن تكون حيلة سردية اعتمدها عدد كبير من الكتاب الروائيين وغير الروائيين، الذين يبررون من خلالها الحافز والدافع وراء الكتابة، والتي غالبا تكون تحت طلب معين من صديق أو قريب أو غير ذلك. ومن ذلك نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، رواية “جيرترود” لحسن نجمي. وهي مجرد صيغة كانت معروفة عند قدماء الساردين العرب، ويقف الباحث عبد الفتاح كيليطو عند هذه “الخدعة السردية” في مقالة له بعنوان “الزمخشري والأدب“، ممثلا لذلك بكتاب المستظهري للغزالي، البخلاء للجاحظ، ومقامات الزمخشري.[6] وهي تقنية تدخل ضمن العملية التخييلية أيضا.
وعلى الرغم من تأكيد الكاتب على حقيقة القصة، وعلما كذلك بأن كل الأعمال الإبداعية تنطلق من الواقع لتجد لها عالما متخيلا رحبا وواسعا يضفي عليها طابعا وسمة خاصتين، إلا أن هناك قصدا معلوما من وراء هذه الحبكة الرفيعة، والأسلوب السلس في التعبير الذي اعتدناه في كتابات برادة، وهي مقصدية قد نكون وفقنا في التوصل إلى بعض ملامحها، أو أضفنا إليها هامشا إضافيا للفهم، ولربما نكون قد أخفقنا في بلوغ ذلك. إلا أن هذا المسعى يبقى، مع ذلك وفي تقديرنا، أساس العملية التأويلية بالشكل الذي كرسها وطورها الدرس النقدي إن في الزمن الحديث أو المعاصر.
[1] ـ الرواية، صص 179 ـ 180
[2] ـ نفسه، صص 180 ـ 181
[3] ـ الرواية، ص 123
[4] ـ نفسه، صص 131ـ 132
[5] ـ الرواية، ص 177
[6] ـ عبد الفتاح كيليطو، الأدب والغرابة، دراسات بنيوية في الأدب العربي، دار توبقال للنشر، ط 2، الدار البيضاء 1998، ص 88
دة. خديجة البوعزاوي









































































PDF 2025

