شاعر و قصيدة : مالك بن الريب
جريدة الشمال – بقلم: عبد القادر الغزاوي ( شاعر )
الإثنين 18 ينــاير 2018 – 11:31:05
شـاعـر الـــواحدة … رَثَى نفسه وهو حي
(21 ـ 58 هـ )
هو مالك بن الريب بن حوط بن قُرط بن ربيعة المازني التميمي ، عاش في أوائل العصر الأموي، وهو شاعر من الظرفاء الأدباء ينتمي إلى الشعراء الصعاليك الذين تمردوا على مجتمعهم ،ومارسوا الصعلكة واللصوصية وقطع الطريق، وصورا حياة التشرد والتمرد التي يعيشونها ومغامراتهم وبطولاتهم في قصائد شعرية جميلة ورائعة. وتشير كتب الأدب والتاريخ أن مالك بن الريب مر عليه في أحد الأيام سعيد بن عثمان بن عفان لما كان متوجها إلى خراسان لإخماد تمرد، فدعاه إلى مرافقته من أجل الجهاد في سبيل الله، وعدم الاستمرار في حياة الصعلكة وقطع الطريق واللصوصية، فقبل الدعوة ورافقه، وشارك في الجهاد مشاركة قوية وفَّّــالـة، وبعـد الانتهـــاء من المعركة وفي الطريق أثناء عودته وخلال فترة الراحة في القيلولة، لسعته أفعى و جرى السم في جسمه فأحس بالموت فرثى نفسه بقصيدة شعرية تعتبر من غرر الشعر، ومن أروع قصائد الرثاء. قال أبو الفرج الأصفهاني : ( مرض مالك بن الريب عند قفول سعيد بن عثمان من خراسان في طريقه، فلما أشرف على الموت تخلف معه مرة الكاتب ورجل آخر، من قومه من بني تميم .. ومات في منزله ذلك ، فدفناه. وقال قبل موته قصيدته هذه يرثي بها نفسه ). وجاء في كتاب الأعلام وكتاب معجم الشعراء : ( وأوردها البغدادي كاملة، وذكر ما زعمه بعض الناس وهو أن الجن وضعت الصحيفة التي فيها القصيدة تحت رأسه بعد موته ). ومالك بن الريب يعد من الشعراء الذين عرفوا واشتهروا بقصيدة واحدة ويسمون ب ” شعراء الواحدة ” .
قصيدة يرثي بها نفسه : تعتبر هذه القصيدة التي رثى مالك بن الريب بها نفسه من أشهر وأجمل قصائد الرثاء ، حيث رثى الشاعر مالك نفسه وهو لا زال على قيد الحياة ، وهي قصيدة طويلة . فقد نالت شهرة وانتشارا. وقد كانت موضوع دراسات وشروحات، وقيل فيها أقوال تتعلق بنسبتها إلى الشاعر مالك بن الريب وما نسج حولها من أساطير وأخبار .
يقول في مطلعها :
أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَـــــــــــةً = بِجَنبِ الغَضا أُزجي القَلاصَ النَواجِيا
فَلَيتَ الغَضا لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضــه = وَلَيتَ الغَضا ماشى الرِّكابَ لَيالِيـــا
وَلَيتَ الغَضا يَومَ اِرتَحلنا تَقاصَــــرَت = بِطولِ الغَضا حَتّى أَرى مَن وَرائِيــــا
لَقَد كانَ في أَهلِ الغَضا لَو دَنا الغَضا = مَزارٌ وَلَكِنَّ الغَضا لَيسَ دانِيــــــا
أَلَم تَرَني بِعتُ الضَلالَةَ بِالهُــــــــــدى = وَأَصبَحتُ في جَيشِ اِبنِ عَفّانَ غازِيا
وَأَصبَحتُ في أَرضِ الأَعاديِّ بَعدَمـــا = أرانِيَ عَن أَرضِ الأَعادِيِّ نائِيــــــــــا
دَعاني الهَوى مِن أَهلِ أَودَ وَصُحبَتي = بِذي الطَّبَسَينِ فَالتَفَتُّ وَرائِيـــــــا
أَجَبتُ الهَوى لَمّا دَعاني بِزَفـــــــــرَةٍ = تَقَنَّعتُ مِنها أَن أُلامَ رِدائِيـــــــــــــــــا
أَقولُ وَقَد حالَت قُرى الكُردِ بَينَنـــــــا = جَزى اللَّهُ عُمَراً خَيرَ ما كانَ جازِيـــا
إِن اللَّهَ يُرجِعني مِنَ الغَزوِ لا أَكُــــــن = وَإِن قَلَّ مالي طالِباً ما وَرائِيـــــــــــا
تَقولُ اِبنَتي لَمّا رَأَت وَشكَ رحلَتــــــي = سفارُكَ هَذا تارِكي لا أَبالِيـــــــــــــا
لَعَمرِي لَئِن غالَت خُراسانُ هامَتـــــي = لَقَد كُنتُ عَن بابَي خُراسانَ نائِيــــا
فَإِن أَنجُ مِن بابَي خُراسانَ لا أَعُـــــــد = إِلَيها وَإِن مَنَّيتُموني الأَمانِيــــــــــــا
فَللَّهِ درِّي يَومَ أتركُ طائِعــــــــــــــــــاً = بَنِيَّ بِأَعلى الرَقمَتَينِ وَمالِيـــــــــــــا
مختارات من شعره :
1) ( لما خرج مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان ، تعلقت ابنته بثوبه وبكت
وقالت له : أخشى أن يطول سفرك ، أو يحول الموت بيننا فلا نلتقي .
فبكى وأنشأ يقول ) :
وَلَقَدْ قُلْتُ لاِبْنَتِي وَهْيَ تَبْكِي
بِدَخِيلِ الْهُمُومِ قَلْبًا كَئِيبَا
وَهْيَ تُذْرِي مِنَ الدُّمُوعِ عَلَى الْخَدينْ
مِنْ لَوْعَةِ الفِرَاقِ غُرُوبَا
عَبَرَاتٌ يَكَدْنَ يَجْرَحْنَ مَا جُزْ
نَ بِهِ أَوْ يَدَعْنَ فِيهِ نُدُوبَا
حَذَرَ الْحَتْفِ أَنْ يُصِيبَ أَبَاهَا
وَيُلاَقِي فِي غَيْرِ أَهْلٍ شَعُوبَا
اسْكُتِي قَدْ حَزَزْتِ بِالدَّمْعِ قَلْبِي
طَالَمَا حَزَّ دَمْعُكُنَّ القُلُوبَا
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يُدَفِّعَ عَنِّي
رَيْبَ مَا تَحْذَرِينَ حَتَّى أَؤُوبَا
لَيْس شَيْءٌ يَشُاؤُهُ ذُو الْمَعَالِي
بِعَزِيزٍ عَلَيْهِ فَادْعِي الْمُجِيبَا
وَدَعِي أَنْ تُقَطِّعِي الآنَ قَلْبِي
أَوْ تُرِينِي فِي رِحْلَتِي تَعْذِيبَا
أَنَا فِي قَبْضَةِ الإِلَهِ إِذَا كُنْ
تُ بَعِيدًا أَوْ كُنْتُ مِنْكِ قَرِيبَا
كَمْ رَأَيْنَا امْرَأً أَتَى مِنْ بَعِيدٍ
وَمُقِيمًا عَلَى الفِرَاشِ أُصِيبَا
فَدَعِينِي مِنَ انْتِحَابِكِ إِنِّي
لاَ أُبَالِي إِذَا اعْتَزَمْتُ النَّحِيبَا
حَسْبِيَ اللهُ ثُمَّ قَرَّبْتُ لِلسَّيـْ
رِ علاَةً أنَجِبْ بِهَا مَرْكُوبًا
×××
2 ) قصيدة أذئبَ الغضا قد صرت للنـاس ضحكـة .
أَذِئبَ الغَضا قَد صِرتَ لِلنـاسِ ضِحكَـة تغادى بِها الرُكبانُ شَرقـاً إِلـى غَـربِ
فَأَنـتَ وَإِن كُنـتَ الجَـريءَ جَنـانُــــــــهُ مُنيتَ بِضِرغـامٍ مِـن الأسـدِ الغُلــــبِ
بِمَـن لا يَـنـامُ اللـيـلَ إِلا وَسَيـفُــــــــهُ رَهينَـةُ أَقـوامٍ سِـراعٍ إِلـى الشَّغـــــبِ
أَلَم تَرَني يـا ذِئـبُ إِذ جِئـتَ طارِقـــاً تُخاتِلُنـي أَنّـي اِمـرؤٌ وافِـرُ الـلُّـــــــبِّ
زَجَرتُـكَ مَــرّاتٍ فَلَـمّـا غَلَبتَـنــــــــي وَلَم تَنزَجِر نَهنَهـتُ غَربَـكَ بِالضَـربِ
فَصِرتَ لُقىً لمـا عَـلاكَ اِبـنُ حُـــرَّةٍ بِأَبيَـضَ قَطّـاعٍ يُنَجّـي مِـنَ الكـــــَـربِ
أَلا رُبَّ يَوم ريـبَ لَـو كُنـتَ شاهِـداً لَهالَكَ ذِكـري عِنـدَ مَعمَعَـةِ الحَــــربِ
وَلَسـتَ تَــرى إِلا كَمِـيّـاً مُـجَـــــدَّلاً يَـداهُ جَميعـاً تَثبُتـانِ مِـنَ الـتُّـــــــــربِ
وَآخَـرَ يَهـوي طائِـرَ القَلـبِ هارِبـاً وَكُنتُ اِمرأً في الهَيـجِ مُجتَمـع القَلـــبِ
أصولُ بِذي الزرَّيـنِ أَمشـي عِرضنَـةً إِلى المَوتِ وَالأَقـرانُ كَالإِبِـلِ الجُــــربِ
أَرى المَوتَ لا أَنحـاشُ عَنـهُ تَكَرُّمـاً وَلَو شِئتُ لَم أَركَب عَلى المَركَبِ الصَعبِ
وَلَكِـن أَبَـت نَفسـي وَكانَـت أَبِـيَّـةً تَقاعَسُ أَو يَنصاعُ قَـومٌ مِـنَ الرُعـــــبِ
×××
3 ) قال في قصيدة له :
إني لأستحي الفوارس أن أُرى
بأرض العدا بو المخلض الروائم
وإني لأستحي إذا الحرب شمرت
أن أرخى وقت الحرب ثوب المسالم
وَمَا أَنَا بِالثاني الْحَفِيظَةِ فِي الوَغَى
وَلاَ الْمُتَّقِي فِي السِّلْمِ جَرَّ الْجَرَائِمِ
وَلاَ الْمُتَأَزِّي لِلْعَوَاقِبِ فِي الَّذِي
أَهُمُّ بِهِ مِنْ فَاتِكَاتِ الْعَزَائِـــــمِ
وَلَكِنَّنِي مَاضِي العَزِيمَةِ مُقْدِمٌ
عَلَى غَمَرَاتِ الْحَادِثِ الْمُتَقَادِمِ
قَلِيلُ اخْتِلاَجِ الرَّأْيِ فِي الْجِدِّ وَالْهَوَى
جَمِيعُ الفُؤَادِ عِنْدَ وَقْعِ العَظَائِمِ
×××
المراجع :
ـ ديوان مالك بن الريب
ـ أبو الفراج الأصفهاني كتاب الأغاني هذبه ابن واصل الحموي الجزء 6 ص 2245
ـ خير الدين الزركلي كتاب الأعلام الجزء 5 ص 221
ـ حسن فتح الباب كتاب رؤية جديدة لشعرنا القديم الطبعة 1 السنة 1984 ص 53
ـ كامل سليمان الجبوري كتاب معجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002 المجلد الخامس الطبعة 1. 2002
ـ حسين عطوان . كتاب الشعراء الصعاليك في العصر الأموي السنة 1970
ـ مجدي سيد عبد العزيز : كتاب أحلى عشرين قصيدة رثاء في الشعر العربي . الطبعة 1 السنة 1997 ص 45 ..









































































PDF 2025

