1- سيرة ذاتيّة:
د. علي البوجديديّ: أستاذ جامعيّ بالمعهد العالي للعلوم الإنسانيّة بمدنين من جامعة قابس، الجمهوريّة التّونسيّة. يدرّس الأدبيّ العربيّ والكوديكولوجيا وعلوم المخطوط، والتّرجمة، وسيميائيّات المرئيّ. متحصّل على الإجازة في اللّغة والآداب العربيّة من كليّة الآداب بمنّوبة سنة 1994. وعلى شهادة الماجستير في الأدب الحديث من كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس سنة 2008، بملاحظة حسن جدّا، مع توصية بنشر العمل. وعنوانها: السّخرية في أدب علي الدّوعاجيّ: تجلّياتها ووظائفها. وحائز على شهادة الدّكتوراه في الأدب العربيّ القديم من كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس سنة 2017 بملاحظة مشرّف جدّا، وعنوانها: السّخرية في أدب الجاحظ.
ناشط بالجمعيّات الثّقافيّة. أدار ملتقيات علميّة مختلفة، وشارك بندوات دوليّة عديدة، ونشر كتبا ومقالات من أهمّها كتاب: السّخرية في أدب علي الدّوعاجيّ: تجلّياتها ووظائفها ضمن سلسلة عيون عن الأطلسيّة للنّشر، تونس، 2010. [306 ص]، وكتاب: المحاكاة السّاخرة (ترجمة) عن مركز النّشر الجامعيّ، تونس، 2016. [140 ص] وكتاب: السّخرية في أدب الجاحظ عن دار كنوز، عمّان، 2018. [550ص]، وكتاب: دراسات في بلاغة الخطاب السّاخر عن دار كنوز المعرفة، عمّان، 2020. [272 ص]. كما صدر له مؤخّرا كتاب: في بلاغة الأشكال الوجيزة، تنسيق: علي البوجديديّ (جامعة قابس بتونس)، محمّد مشبال (جامعة تطوان السّعديّ بالمغرب)، عن دار كنوز، عمّان، 2020. [344 ص].
وهو حاليّا يعدّ مشروعا بحثيّا عن مدينة المركز مدينة الهامش أو في بلاغة المقموعين.
2- لماذا نقرأ؟
لمَ نقرأ؟ لم ننزوِي في عُتمة ليل، وفي غابة من السّكون الكثيف ونهرب من عالم الودع والفوضى، عالم المدن الصّاخبة الضّاجة، إلى عالم الكتب والأوراق؟ ما السرّ الباتع الذي يجذبنا للكتاب، ويشدّنا إليه شدّا ويأسرنا إلى عالم من الصّحف المصفرّة المتربة أسرًا؟
بالقراءة يحيا الإنسان، بها يزيد في حياته حيوات أخرى، يوسّع دائرة المجهول، ويكشف لحظات المعنى في وجوده، بها وحدها يعطي لوجوده المعنى.. كلّ المعنى. بالقراءة نحقّق مدنيّتنا، وننخرط في الحياة، وقد صدق طه حسين حين قال: «وما نعرف شيئًا يُحقِّق للإنسان تفكيره وتعبيره ومدنيّته كالقراءة، فهي تُصوِّر التّفكير على أنَّه أصلٌ لكلّ ما يقرأ».
أمّا عندي، فقد صارت القراءة متعة اكتشاف وكشف، ورحلة سفر وتيه في مضارب الفكر وذرى الإبداع، ومع كلّ كتاب جديد راق، أرتقي مدارج الصّفاء وأدرك بعضا من بهجة الوجود، فكلّ عوالم الكون المحجّبة، تصير واضحة أكثر، وتغدو بحجم الحلم والأمل في غد أفضل، رغم مآسي الكون وعبثيّة الواقع الذي نحياه. فالكتاب كما قرّر الجاحظ بكثير من الدقّة والإتقان: «نعمَ الذُّخرُ والعقدة هوُ، ونعمَ الجليس والعُدَّة، ونعم النّشرة والنّزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفةُ ببلاد الغربة، ونعم القرين والدّخِيل، ونعم الوزير والنَّزيل. والكتاب وعاءٌ مُلِئَ علمًا، وظَرْفٌ حُشِي ظَرْفا، وإناءٌ شُحِنَ مُزَاحًا وجِدًّا.. وإنْ شِئتَ ضحِكْتَ من نوادِرِه، وإنْ شئتَ عجِبتَ من غرائبِ فَرائِده، وإنْ شئتَ ألهتْكَ طرائِفُه، وإنْ شئتَ أشجَتكَ مواعِظُه».
3- كيف نقرأ؟
سُئل الفيلسوف الفرنسيّ فولتير مرّة عمّن سيقود العالم، فأجاب قائلا: «الذين يعرفون كيف يقرؤون». إنّ سؤال كيف نقرأ؟ سؤال مشرع على متاهة التّجربة، تجربة القراءة ومعاناتها. ولن نجد جوابا مفردا على مثل هذه الحيرة، لأنّ كيف نقرأ تستدعي بالضّرورة استنفار طاقات الإنسان الكامنة وتحفّز فيه ملكاته المخفيّة المحجّبة. فهل نقرأ بوداعة ليل ساكن وفي خدر الفراش وثير، وبين ونعسة الأجفان وصفاء الأذهان؟ أم نقرأ وقد أوقدنا كلّ حواسنا وأحيينا كلّ جوارحنا، وأشعلنا مصابيح الفكر وأوقدنا منارات العقل؟
حين نقرأ نحتاج مزيدًا من العمق، نحتاج أن نقف فيما نقرأ على فرادة الأفكار ولطافة الأبنية وجماليّة البلاغة. وحين نشرع في المغامرة نلج مسارّة من عالم مغلّف سريّ، وندرك حقّا ما خفي من المعاني، وما تسرّب من الجواهر المكنونة.. علينا أن نجعل من قراءتنا لحظة إنشاء، تتجاوز ظاهر اللّفظ إلى عمق المعنى.. تخرج من سلبيّ الدّلالة ومائع المعنى إلى لبّه وأصله إلى غير المفكّر فيه، إلى المسكوت عنه والمنسيّ في زحم الواضح الجليّ.
فعلى القارئ الأريب إذنْ أن يقرأ متفاعلا مع ما يقرأ، مميّزا بين منازل الكلام ومراتب المعاني، وأن يكون متأنّيا صبورا في قراءته، كي يظفر من الكتاب بجواهره المركوزة، وينال من شهدها الذكيّ الذي لا يُؤتي حلاوته إلاّ للصّابرين السفّار في أرض المعرفة، القابضين على نار الفكر وجمراته بروح صابرة.
4- ماذا نقرأ؟
كلّ الكتب غذاءٌ.. كلّ ما تحويه رؤى تزيد من العقل، وإنْ كان بعضها لا نفع منه حشو زائد وسموم قاتلة، يخشاها الغفل غير المجرّب في عالم القراءة والكتابة..
كنتُ في حداثة سنّي أقرأ كلّ ما تقع عليه يداي.. كنت ألتهم ما يعترضني من أشعار وقصص وروايات.. كانت تلك الغابة كثيفة وكتبها كثيرة، وكنت أحبّ أن أعبّ منها سريعا وأرتوي من ماء بحرها الواسع.. كنتُ أجاهد النّفس لكي أردم جهلي وأهدم هوّة ما تعرفه نفسي من نقص ونسيان..
ولكنّ سنوات الجامعة والبحث والتّدريس صرفتني عن ألوان من الكتب أحببتها، ودعتني إلى أنواع أخرى لم أعرفها، ولم أتذوّق حلاوتها، فصرت لها معشارا بعد أن سَلوت عنها زمنا، وأقبلت عليها أتذوّق طعمها الجديد وأستشفّ منها رحيقا لم أعهده.. واستبدلت خلاّ بخلٍّ وأصحابا قدامى بأصحاب وأتراب جدد، ولكنّ نهر العلم وروافده تصبّ في مياه واحدة، وما سلوت عنه بحكم العمل وجدت له معوّضا ورفيقا في غيره من أفنان المعرفة الجديدة.
انصرفت عن الرّواية والقصص إلى كتب الأدب العربيّ القديم، شعره ونثره ونقده، وتأمّلت زمنا في كتب البلاغة واللّسانيّات وعلوم اللّغة والفكر، وانغمست بالكليّة في عالم الجاحظ والمعتزلة والأدب السّاخر عموما، فنصوص هؤلاء كانت لي رفيقا طويلا في رحلة الباحث يُعدّ دكتوراه في الأدب العربيّ القديم، ولا يجد من مهرب له إلاّ بالإقبال على هذا اللّون الضّاحك بجدّ، الطّريف ظاهرا، الوعر المرتقى والمسلك. وسحت من أجل تحقيق تلك الغاية في النّقد الغربيّ، فقرأت باللّغات الأجنبيّة كي أزيد من عالمي اتّساعا ومن موضوعي جلاء، وكي أقف على كنه هذا الأدب، وأعرف البعض من أسراره. هل كنت أشعر بندم لأنّي خسرت قراءاتي القديمة وضيّعت بعض شغفي بالشّعر والقصص الحديث؟ ربّما.. ولكنّي مثل ألبرتو مانغويل أقول بهدوء: «ليس لديَّ شعور بالذَّنب بشأن الكتب التي لم أقرأها، فأنا أعرف بأنّ كتبي لديها صبر، وسوف تظلّ تنتظرني حتّى نهاية العمر».
وعلى هذا السّمت صارت قراءاتي موجّهة بوتيرة المغامرات البحثيّة، محكومة بفتوحات المشاريع التي تُعرض لي أو أُقبل عليها، في إطار التّدريس أو المشاركات العلميّة. صرت أتنقّل بين زهور بستان المعرفة، وأغوص مع كلّ زهرة في شذى عطرها.. ومع كلّ وردة في أسرار رحيقها.
5- أين نقرأ ومتى؟
كان الشّعراء القدامى يتخيّرون مواضع الحقول الغنّاء والجداول الرّقراقة وقد يميلون إلى الخلاء القفر ويخرجون إلى الطّبيعة الهادئة، ويعنون باقتناص أزمنة الهدوء والصّحو فيبكّرون فجرا أو يطيلون السّهر ليلا كي تكون لهم فضاء للتأمّل وأزمنة للإلهام ومهمازا للقول الشّعريّ. ويبدو أنّننا بحاجة إلى أماكن الهدوء للقراءة.. وشخصيّا أفضل أن أقرأ في مكتبي أو في المكتبات العامّة شريطة أن تكون فضاء هادئا ومكانا تتوفّر به المصادر الأساسيّة كي أعمل برويّة متيقّظ الذّهن طلق الفكر. وأفضّل من الأوقات أوّل النّهار على أن أتفرّغ لشؤون الحياة الأخرى بعد ذلك.
ففي أوّل النّهار أتزوّد بحاجاتي المعرفيّة، أجد في ذلك الموعد الأثيل مساحة مع الفكر ومجالا الخصبا للتأمّل بعيدا عن متاعب الحياة، أنغمس في عالم الكتاب والكتابة، وأُفرغ فيه طاقاتي وأسكب من خلاله رؤيتي التي تكوّنت بعد قراءات متعدّدة وأفرزتها مماحكات طويلة مع الموضوع المدروس.
6- لمن نقرأ؟
لمن نقرأ؟ نقرأ للآخرين؟ أم نقرأ لنتجدّد.. نقرأ لسدّ حاجاتنا الذّاتيّة ورغباتنا المعرفيّة؟ أم نقرأ لنردم هوّة المجول التي تكتنفنا؟
نقرأ لنا ولغيرنا.. نقرأ حتّى نكسر بمعاولنا الجليد المتراكم عن أرواحنا أو كما قال كافكا صادقا: «الكتب هي فأس للجليد يكسر التجمّدات حول أرواحنا». نقرأ بهذا المعنى لنزداد فكرا ونرتوي علما.. نقرأ لنعي وجودنا الإنسانيّ.. بالقراءة نحيا، وبها نكون.
7- لمَ نكتب؟ لمن نكتب؟
سؤال لم نكتب مرتبط بسؤال لمن نكتب؟
نكتبُ كي نعبّر عن ذواتنا، عن ثرائنا، عن عالم الخواء والقلق داخلنا.. نكتب لهذا القارئ المجهول المعلوم كي ننير دربه في عتمة ليل بهيم.. كي نزيد في حياته ونرفع عنه بعضا من حيراته وقلقه الوجوديّ.. ألم يقل بنيامين فرانكلين ذات مرّة: «إمّا أن تكتب شيئا يستحقّ القراءة، أو أن تفعل شيئا يستحقّ الكتابة». وعلى هذا النّحو كانت الكتابة عندي كتابة ضدّ الوجع، كتابة للحياة والحريّة.. أكتب لأتنفّس، لتشرق شمس جديدة.. أكتب من أجل فجر آخر يأتي.. إنّ سؤال الكتابة سؤال أعمق من سؤال القراءة.. أن تتحوّل من شرنقة القارئ إلى شرنقة الكاتب فذاك جهد آخر ومرتقى صعب لا أزال أتهيّبه.. ولا أدّعيه..
كلّ ما كتبته شعرا أو دراسات نقديّة كان فعل تأكيد وجود، وسيرا على أطراس أحلام الفتي القديم الذي يسكنني ويهدي خطاي.. أكتب مدفوعا بطموح وألق مستمرّين.. أكتب لأسهم في بناء هذا الكون الذي أحياه وأتنفّس رياحه، أخربش على وجه الزّمن بعضا من حيراتي ومن فكري.. أكتب بعد معاناة البحث وطول التأمّل في المسائل التي أطرحها على طلبتي، وأستنفر همّتهم في تأمّلها والنّظر فيها.. من كيمياء الدّرس والتّأطير والإشراف تتولّد مشاريع الكتابة ويربو روحها.. فأنا كائن بين قراءة وكتابة، تسلمني هذه لتلك، وتتقاسمني مزقا.. فإن كنتُ بالقراءة أحيا، فبالكتابة أكون، أنهض وأثبت أنّي كيان حرّ في زمن الفوضى والودع والمدن الهالكة.. رجل لا أفقه من الحياة غير قراءة وكتابة.. كائن اقرأ.. لتحيا وتكتب.









































































PDF 2025

