هذا الكتاب النادرالذي طبعت منه ثلاثمائة نسخة في حلة ورقية راقية بالمطبعة الرسمية بالرباط سنة1935 برعاية من السلطان المغفورله محمد بن يوسف.. والمدعم بصورلشخصيات عربية وعجمية عليها أثر النعمة بادية ..وصور لبقع مقدسة ومعالم أثرية لها الوفود زائرة..كان والدي ـ رحمه الله ـ يحتفظ بنسخة منه في صندوق ذخيرة من مخلفات “حرب الرمال” جلبه تذكارا من “حاسي بيضا” إلى مقرسكنانا بقشلة “جانكير”بالدار البيضاء وكان يحيطه بعناية خاصة ويتفقده بين الفينة والأخرى.
وكنت ـ أنا الطفل الفضولي الصغيرـ أتحين الفرص للاطلاع على مكنون ذاك الكتاب الكبير، وكلما استفردت به تصفحته وتهجيت حروفه وأمعنت النظر في مجمل صوره ..وكانت تروادني فكرة استعمال المقص للا حتفاظ ببعضها ،لكنني خشيت أن “يسلخني” والدي ب”السمطة”..مما جعلني أحسب للعاقبة ألف حساب و أكتفي بنسخ ما راق لي من صور مستعينا بورق الكاربون”الخراج”.
ظل هذا الكتاب بين أحضان أسرتي في الحفظ والصون وظل رفيقا لها في حلها وترحالها بين الحواضر ولما هجرت الأهل والأحباب لطلب العلم بمدينة فاس حملته معي في وطابي وزودت به خزانتي لكن دوام الحال من المحال فأنيسي في غربتي قد اختفى في غامض الظروف والأحوال .
ومما لم يخطرعلى بال، أنه بعد عقود من اختفاء هذا الكتاب الميمون،جاءتني بشارة من صديقي الحميم ،الأستاذ الجليل الدكتورعبد اللطيف شهبون الذي أخبرني ذات عشية من العشرالأواخرفي رمضان، بأنه قد عثر في سوق الغرسة الكبيرة بتطوان على كتاب معنون ب:”دليل الحج والسياحة” وقد لفت انتباهه تذييل بخط اليد في الصفحة الموالية لوجه الغلاف يشيرإلى كون “هذا الكتاب في ملكية مبارك وطاش بالدارالبيضاء”.
وأفادني صديقي اللطيف شهبون بأن هذا الكتاب قد وضعه رهن إشارة طالب قام بتخريجه وأنجز بحثا وصفيا لمحتوياته فنال شهادة الماستربموجبه .
فهذا الخبراليقين الذي أدهشني وأبهجني في الوقت ذاته قد أكد لي بمالايدع مجالا للشك بأن ذاك الكتاب الذي اقتناه الأستاذ شهبون من سوق الغرسة الكبيرة بتطوان وقام بتخريجه تحت إشرافه الطالب رضوان لمبارك هوالكتاب عينه الذي أخرجته من صندوق ذخيرة والدي وعززت به خزانة كتبي مذ كنت تلميذا في الإعدادي برباط الخير”أهرمومو”إلى أن أصبحت طالبا بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس في مستهل الثمانينيات، حيث كنت أكتري بيتا لإيواء الطلبة بدوارالعسكر تحت سقيفة أسرة متقاعد من أصول شمالية.
لست أدري على يد من انتقل هذا الكتاب “المفقود” من فاس إلى تطوان..لكنني على يقين بأن الله سبحان وتعا لى قد هيأ له الأسباب ليخرج من ظلمات النسيان إلى نور العرفان .إنها في الحقيقة من الصدف الغريبة المحيرة للأذهان ..
واحتفاء بهذا العائد المسعود الذي اختفى منذ عقود ارتأيت أن أفرش له بساطا من الورود في رحاب هذا العمود..
قراءة وصفية لرحلة الهواري الحجية
1- رعاية متعددة لرحلة الهواري

يفيد نص رحلة الهواري الحجية، حصول تحول نوعي بشأن أداء مناسك الحج خلال عهد الحماية، إذ وجب على الموظف الساعي إلى الحج توفره على إذن مسبق من السلطات الحكومية «خوف ضياع راتبه أو نقصانه»(ص10)، وقد أورد الهواري وثيقة الترخيص للموظفين لأداء فريضة الحج موقعة من قبل المقيم العام الفرنسي هنري بونسو (Henri Ponsot) والصدر الأعظم محمد المقري، حاملا تاريخ 8 مارس 1934(ص13-14). وبالنظر إلى مكانة الهواري بحسبانه شخصية مرموقة وموظفا ساميا، فإنه استأذن السلطان محمد بن يوسف، عبر الصدر الأعظم، للذهاب إلى الحج (ص32). و الحالة هاته، فإن الهواري، أهدى كتابه للسلطان، موردا النص الكامل لكلملة الإهداء(ص 10-11). كما أدرج قبلها نص الظهير السلطاني جوابا عن الإهداء (ص 2).
وباعتباره شخصية مرموقة، و بحكم الصلات التي جمعته بعدد من المسؤولين الفرنسيين، مكنه المقيم العام بونسوت (Ponsot)، لتسهيل حجته، من رسالة استوصاء به لدى قناصل فرنسا في عدد من المدن والعواصم شرقا وغربا، أورد الهواري نصها كاملا باللغة الفرنسية (ص12). و حصل كذلك على توصية به من هنري كايار (Gaillard Henri ) سفير فرنسا وقتذاك في القاهرة[9]، إذ أوصى به خيْرًا، قنصلية فرنسا في مدينة السويس المصرية، حيث كانت تجري عادة مراقبة جوازات السفر والخضوع لتدابير مكتب الصحة هناك قبل التوجه إلى الحجاز (ص106). وكان الهواري قد زار كايار في القاهرة، وهو الذي جمعته به «علائق ودية قديمة »( ص 84)، كما استفاد صاحب الرحلة من تدخل صديقه الفرنسي لورجو، قنصل فرنسا في القاهرة، والذي عمل في وقت سابق في الإدارة العامة للحكومة الشريفة بالرباط، ففي هذه القنصلية.
واللافت للانتباه في الصفحات الأولى من «دليل الحج و السياحة»، إيراد الهواري نص تقريظ العلامة محمد الرافعي لهذه الرحلة (ص 16-23) قبل شروعه في تدوين مشاهداته و انطباعاته، علما بأن التقاريظ وردت، كما هي العادة في كل المؤلفات، في آخر الرحلة، مما يعني الأهمية القصوى التي أولاها الهواري للتقريظ الصادر عن الرافعي!!.
سافر الهواري إلى الشرق، عبر الباخرة الانجليزية الضخمة «سطراطنافر»، وعاد من الحجاز على متن قطار الشرق السريع، مارًّا بالشام، تركيا، البلقان وأقطار أوربية أخرى، وهو ما لم يتح لغيره من الرحالين، مما جعل مشاهداته وملاحظاته أكثر تنوعا وتفصيلا. وبالنظر إلى عنوان الرحلة «دليل الحج والسياحة»، فإن الهواري لم يكتف بالوصف وإبداء ملاحظات، بل قدم إرشادات للحجاج وعموم السائحين عن شركات النقل البحري، مزايا السفر عبر البواخر أو على متن القطارات، أسعار التذاكر والخدمات الفندقية ونفقات السفر عموما، إضافة إلى الأماكن التي يسهل فيها طبع الجوازات أو الخضوع للفحص الطبي وغير ذلك… (ص 27-31).
2- نهضة مصر وإشعاعها
وصف الهواري بإعجاب ما عاينه في مصر من مرافق ومؤسسات وتجهيزات، إذ ولج العديد منها في القاهرة وضاحيتها: الأزهر و دار الكتب و المعهد الموسيقي، و الجامعة العلمية، و القناطر الخيرية، وحديقة الحيوانات، ومحكمة جنايات مصر، و مقر مجلس النواب والشيوخ، ومؤسسات صحافية كبرى (الأهرام، الهلال…)، و الأهرامات (أبو الهول…). و لم تخل الصفحات المكرَّسة لمصر في هذه الرحلة من مقارنات بين مصر والمغرب، مال في بعضها إلى تفضيل ما في المغرب، من ذلك عقده مقارنة مقتضبة بين القطار في البلدين «القطار في القطر المصري لا يسير إلا بالفحم وهو في المغرب أحسن منه بكثير في مصر من حيث جودة العربات والسير بالكهرباء وهيأة المحطات»(ص 58). ثم لمس الاختلاف في حلقات الدرس في القطرين، فقد استرعى انتباهه في مصر ما لم يكن مألوفا في المغرب «إلقاء الأسئلة من الطلبة وغيرهم على الشيخ وقت تقريره [الدرس] فيجيب كل واحد عن سؤاله ولو في غير الموضوع. وفي بعض الجهات من المسجد يقوم بعض المدرسين بتدريس الجغرافيا والحساب على الطريقة العصرية بالتقييد في الكنانيش والكتابة على اللوحة السوداء» ( ص 68- 69).
كان الهواري، في إطار هذه المقارنة، بصدد الحديث عن الطلاب المنخرطين في القسم النظامي من التعليم الأزهري، فيما كان النظام في القرويين ما زال يخطو خطواته الأولى في تطبيق هذه الإجراء ولم يبلغ بعد ما وصله في الأزهر. وكان الهواري قبل هذه المقارنة قد شد نظره ما لم يكن معهودا في المغرب كذلك، وهو ولوج السواح الأجانب «لزيارة المسجد على أنه من الآثار القديمة الإسلامية التي تقدم لهم» (ص67)، وهذا أمر كان مستحيلا مشاهدته في المغرب بالنظر إلى تشبث المغاربة بقدسية المسجد، وعدم قبول دخول غير المسلمين إليه.
وحينما زار الهواري محكمة جنايات مصر، وصفها بتفصيل(ص87-97). وفي سياق تطرقه لسير العمل بها، قام بمقارنة بين المحاكم في مصر ونظيرتها في المغرب. ولعل خبرته قاضيا بالمحكمة العليا الشريفة، أهَّلتْه لإجراء تقييم دقيق للمحاكم المصرية وكيفية تنظيمها في خضم مقارنة مزدوجة بين ما هو موجود في كل من فرنسا والمغرب، مما جعله يقر بأن المحاكم المصرية لا تقل عن تنظيم المحاكم الفرنسية وأنها «أرقى بكثير من تنظيم محاكمنا». ولكن، إلى جانب إقراره بتفوق المصريين وأفضليتهم في القطاع القضائي، فإنه نافح عن التطور الذي لحق المحاكم المغربية، إذ تقدمت، حسب رأيه، «تقدما كبيرا لا يستهان به » ( ص 89).
وحضر الهواري جلسة من جلسات مجلس الشيوخ المصري «برخصة خاصة» ( ص 101)، حيث تابع بانتباه شديد أطوار المناقشات الجارية فيه، ثم علق بنبرة إيجابية جدا على ما عاينه هناك «فرأينا فيه [مجلس الشيوخ] صورة جميلة من صور المحاورة والمناقشة باللغة العربية الفصيحة بين أساطين رجال الحكومة وحاملي مسؤولية البلاد» (ص 102)، ولعله تمنى في أعماقه توفر المغرب على مجلس مماثل وسير المناقشة فيه على النحو ذاته.
ولا يمكن فصل إعجابه بما جرى في مجلس الشيوخ المصري عن إعجابه الشامل بمصر، لاسيما ريادتها للشأنين الفكري والصحافي في العالم العربي، إضافة إلى تطورها الاقتصادي، ومن تجلياته تأسيس البنك الوطني وخلق صناعات أفضت إلى تجاوز ثقل استيراد عدد من البضائع ( ص104).
وعلى العموم، كان الهواري، بحكم مشاهداته لعدد من المرافق والتجهيزات في القاهرة، وزياراته لعدد من المؤسسات لاسيما ذات الطابع الثقافي، مقتنعا بوجود تفاوت واضح بين مصر والمغرب، مقرا بتفوق مصر معللا ذلك على النحو التالي «سبقتنا [مصر] في مضمار الرقي والحضارة وعرفت كيف تقلد الأمم الغربية في التنظيمات القانونية والتراتيب الإدارية» (ص88). وقلما عبر عن عدم استحسانه لأمور عاينها في مصر، ولكن بلباقة من ذلك استغرابه من وجود باعة المجلات، وخاصة الدينية منها «يعرضونها على الناس في مسجد مصطفى فاضل باشا في القاهرة» ( ص 64). ولعل ما يسترعي الانتباه في القسم الخاص بمصر في رحلة الهواري، شعوره بالفخر جراء ما تناهى إلى سمعه بشأن عَالِمين مغربيين، تركا صدى إيجابيا جدا لدى علماء مصر وطلابها لا سيما في الأوساط الأزهرية هما عبد الحي الكتاني ومحمد بن الحسن الحجوي. وكتب الهواري بصيغة الانتشاء أنه وجد في جميع الدوائر العلمية هناك «ذكرا جميلا لعبد الحي الكتاني » (ص73). كما وجد الشيء ذاته بشأن محمد الحجوي ومؤلفه “الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي”، فكتب بصدد اقتراح برمجة هذا الكتاب في كلية الشريعة التابعة للأزهر «…وسمعنا بهذه المناسبة في شأنه إطراء عظيما تنشرح له الخواطر» (ص 73)[10] ، ولعل زهو الهواري مرتبط بتجاوز عقدة الدونية إزاء المشارقة عموما والمصريين على وجه الخصوص سواء تعلق الأمر بالتأليف أم بالحركة الفكرية في شموليتها. و في السياق ذاته، اغتبط الهواري باختلاط الأديب المغربي أحمد الزبدي بالصفوة من أدباء مصر وعلمائها (ص73). و لعل ابتهاجه بذلك يعبر عن هاجس الندية الذي طغى على الهواري وهو يتحدث عن التواصل المغربي المشرقي (المصري) في الحقل الثقافي!. وتجب الإشارة إلى أن مدون الرحلة نفسه، احتك بدوره بعدد من أعلام الفقه والفكر والسياسة في مصر، فلقي منهم الزعيم السياسي أحمد لطفي السيد (ص 75)، وحضر دروس بعض كبار علماء الأزهر منهم: محمد بخيت المطيعي، عبد الرحمان عليش ويوسف الدجوي (ص67).
ولاحظ الهواري، وهو في مصر، حضورا فرنسيا مميزا هناك، رغم أنها كانت خاضعة آنذاك للسيطرة البريطانية، من تجلياته ذيوع اللغة الفرنسية (ص 84). ويعزى نفوذ فرنسا الأدبي في مصر، حسب الهواري، إلى سياسة فرنسا ودهائها في نشر ثقافتها، من أدواتها، انتشار المدارس الفرنساوية واتساع دائرة معارفها هناك (ص 85). و في خضم، تدوين الهواري مشاهداته وانطباعاته عن الأزهر، لم يجد بدا من التطرق إلى أوقاف الطلبة المغاربة في هذه المؤسسة العريقة (ص71)، كما أورد أسماء بعض الطلبة المغاربة المتابعين لدراستهم هناك منهم عبده ابن بوزيد السلاوي، وذكر قبله أحمد بن الصديق الغماري، الذي انقطع للدراسة في مصر منذ سنوات ثم أضحى من علمائها.
إجمالا، قدم الهواري صورة واضحة المعالم عن مصر في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، عبر استعراض أبرز تجليات نهضتها كما عكستها مرافق القاهرة ومؤسساتها الفكرية والاقتصادية والصحافية، كما أبرز بعض مظاهر الحضور المغربي في العاصمة المصرية وقتذاك.
3- منافحة عن الوهابية وآل سعود
زار الهواري الحجاز لأداء مناسك الحج، وحظي باستقبال الملك السعودي عبد العزيز آل سعود، مفصلا في هذا الموضوع تفصيلا (ص144-148)، وهي الحظوة ذاتها التي نالها حجاج مغاربة مرموقون رحلوا إلى الحجاز بعده: ابن زيدان، الحجوي، السايح وغيرهم. وعلى غرار معظم الرحالين المغاربة إلى الديار المقدسة في ثلاثينيات وأربعينيات القون العشرين، أطرى الهواري على الملك عبد العزيز آل سعود ودوره المركزي في تثبيت الأمن والأمان في الحجاز، بعد أن كانت فريسة للنهاب وقطاع الطرق الذين عاثوا فسادا ولطخوا مواسم الحج بممارساتهم. فقد بنى ابن سعود سمعته وشهرته على «عدم الإشفاق أو الدعة على العابثين بالأمن العام وقطاع الطرق» (ص171-177). ومن جملة إفاداته عن الملك عبد العزيز آل سعود أنه اتخذ لنفسه سيارة مصفحة لحمايته، ولعل تعرضه لمحاولة اغتيال، دفعه إلى هذا الإجراء الاحترازي!
وصف الهواري بدقة مكة، مرافقها ومؤسساتها، مقدما معلومات عن أنجال الملك عبد العزيز آل سعود ورجال الحكومة السعودية، ذاكرا تخصيص سيارة فخمة لحريم الملك (ص178)، مشيرا إلى أصناف السيارات الفاخرة من مختلف “الماركات” العالمية، التي بدأت تجد طريقها نحو الرواج في السعودية وهي: الشوفرولي الستروين، الرونو، الفيات، الفورد (ص186)…مما أشر إلى ولوج هذا البلد، أو بتعبير أدق شريحة محدودة من أبنائه، عهد الاستهلاك الفائق المرتبط بعائدات النفط وما عكسته من مظاهر البذخ والترف!!. غير أنا ما يسترعي الانتباه أكثر خلال وصفه لمكة ومشاهداته فيها، ثلاثة أمور أساسية. موقفه من الوهابية؛ و انحيازه للسعودية في صراعها مع جيرانها لاسيما اليمن؛ و جرأته في إثارة مظاهر الفقر المدقع في الحجاز.
لم يكن قد مضى على الإعلان الرسمي عن تأسيس الدولة السعودية سوى فترة قصيرة جدا، حينما دخلها الهواري حاجا. و معلوم أن التحالف بين العصبية النجدية (آل سعود) ودعاة المذهب الوهابي، أفضى إلى إعادة تأسيس الدولة السعودية بعد أن حطم نسختها الأولى محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر. والحالة هاته، فإن حديث الهواري عن السعودية اقتضى استحضار الوهابية باعتبار ما كان شائعا في السعودية ذاتها أم خارجها، وبالنظر إلى أنها مثلت إيديولوجيا العمود الفقري للدولة الجديدة. وحسبما استقصاه الرحالة الهواري في عين المكان، فإن السعودية خالية من أي دين غير الإسلام، ثم أن السعوديين سنيون ماعدا آلاف فقط من الشيعة (ص198).
نفى الهواري عن السعوديين، ولاسيما عن أهل نجد، نعت الوهابية وكونها مذهبا جديدا في الإسلام. ومن خلال تعليق الهواري، يبدو أنه استقصى معلوماته عن الوهابية من معتنقيها وأنصارها فقط، حيث عمدوا إلى تبديد الشكوك بشأنها مع الحرص على أنها ليست مذهبا جديدا (ص128). ويظهر أن الهواري اقتنع بالإيضاحات التي قدمها له أولئك، مما جعله يدرج الوهابية ضمن التيار السلفي. وفي السياق ذاته، أثنى على هذا التيار الذي وضع حدا للنشاط الطرقي في تلك الربوع (ص129). وقد شاطر عدد من الرحالين المغاربة إلى الحجاز في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين موقف الهواري بشأن الوهابية[11]، باعتبارها حركة مناهضة للبدع وللطرقية بصفة عامة. ومن ثم، فنحن أبعد ما نكون عن مواقف مؤرخي المغرب و رحاليه في القرن التاسع عشر حينما عبروا عن رفضهم للوهابية وصنفوها هي نفسها ضمن البدعة[12]. فهل أضحى الرحالة المغاربة في القرن العشرين سلفيين أكثر من نظرائهم في القرن الذي قبله؟!
زار الهواري الحجاز كما أسلفنا سنة 1934، أي بعد عامين فقط على إعادة تشكيل المملكة السعودية، وفي وقت ما زالت فيه هذه الدولة الفتية تخوض صراعات طاحنة مع جيرانها لاسيما اليمن. وقد قام الهواري، بتغطية بعض تطورات الحرب في شبه الجزيرة العربية بين قوات الملك عبد العزيز آل سعود وقوات الامام يحيى اليمني من جهة، وقوات الإدريسي في عسير من جهة ثانية. ويبدو من هذه التغطية، تعاطف صاحب الرحلة مع ابن سعود متفهما موقفه. ولم يفته إيراد فقرات مطولة من خطاب ملك السعودية حول هذه الحرب(ص148 -152)، وهو ما يفيد بالتأكيد تبني الهواري للموقف السعودي، غير أنه عبر في ختام رحلته عن ارتياحه لانتهاء الحرب بين السعودية واليمن وحصول توافق بين الطرفين.
وارتباطا بتعاطف الهواري مع ملك السعودية، فقد تطرق في خاتمة رحلته إلى حادث تعرض عاهل السعودية لمحاولة اغتيال جديدة، خلال موسم الحج، فهنأه بنجاته منها، ولم يكتف بذلك، بل أورد نص برقية تهنئة بعث بهاالرئيس الفرنسي لوبران (Lebrun) إلى الملك السعودي بالمناسبة والرسالة الجوابية عنها (ص 273-275)!!؟. كما أدرج في الخاتمة كذلك، مقتطفات من قصيدة تهنئة، في الموضوع ذاته، للشاعر والكاتب خير الدين الزركلي (ص275-277). ولا مراء أن الهواري بتثبيته لهذه النصوص (برقيات، رسائل، أشعار)، أراد البرهنة على تضامنه مع العاهل السعودي، وعلى مكانة هذا الملك في العالم الإسلامي!. وفي الإطار ذاته، أشار الهواري إلى استقبال الرئيس الفرنسي ولي عهد السعودية في قصر الإيليزي، بمعية قدور بن غبريط، بما ينهض دليلا على متانة العلاقات بين فرنسا والسعودية أو ما أطلق عليه «صفاء المودة» (ص 277). وعلى العموم، أثنى الهواري على ملك السعودية ونافح عن الوهابية باعتبارها مذهبا سلفيا رافضا للبدع!
ورغم تمجيد الهواري لملك السعودية، لم يفته التطرق، ولو باقتضاب، لبعض السلبيات، أبرزها مظاهر الفقر المدقع في الحجاز. فعلى امتداد الطريق باتجاه المدينة المنورة وفي اتجاهات أخرى عاين كثرة الفقراء وتجليات العَوَز، ولم يجد مناصا من إبداء حسرته إزاء ذلك (ص 210). وبعد أزيد من عشر سنوات لم تتغير هذه الوضعية، إذ وقف الحجوي، سنة 1946، على مظاهر الخلل في السعودية، ومنها استفحال الفقر وسوء تدبير الثروة، متجاوزا بالتفصيل والنقد اللاذع تعليق الهواري المحدود.
ولعل رحلة الهواري، هي الرحلة الحجية المغربية الوحيدة، التي تطرقت إلى قُطر خليجي، تندر إشارات أو إفادات بشأنه في مصادر مغربية، هو سلطنة عمان. فقد أشار صاحب الرحلة إلى الأباضية العمانيين بمناسبة زيارته لمحل إقامة الأباضية الجزائريين من أهل مزاب في الحجاز(ص167)، ثم أشار إلى سلطان مسقط وتنازل السلطان تيمور وهو في زيارة للهند لابنه سعيد عن السلطنة، كما عرف بهذا القطر باقتضاب (ص182-182). ومعلوم أن سلطنة عمان على المذهب الخارجي الإباضي، الذي مازال له أتباع في بعض أقطار شمال افريقيا إلى اليوم، أما مسألة تنازل سلطان عمان عن العرش لنجله، فهي تفتقد الدقة، والواقع أن سعيد قاد انقلابا أبيض ضد والده تيمور بدعم إنجليزي!!
وتعكس رحلة الهواري جانبا من التمايز المذهبي بين أهل السنة وأهل الشيعة، فقد وجد نفسه، وربما لأول مرة في حياته، في خضم نقاش أو سجال شيعي- سني، خلال رحلة العودة من الحجاز باتجاه بيروت. أسهم في هذا النقاش شيعي لم يذكر اسمه، والصحافي عبد الله الصابونجي وطبيب مشرف على الحجر الصحي في بيروت حول “رسالة سيدنا محمد وبعض المسائل الشرعية”. وبحسب الهواري، فإن هذا السجال جرى في «جو الصفاء والانصاف والاستدلال بالقرآن الكريم والأحاديث الشريفة وإيراد قواعد المنطق المعقول»، وانتهى بتفوق سني (ص215). لم يبرز الهواري جوانب العجز والقصور في موقف الشيعي، إذ كان ميالا بداهة ومن دون تردد إلى أن الصواب أو الحق هو ما نافح عنه أهل السنة. والحالة هاته، فالنقاش بحسب الهواري، لا يمكن أن ينتهي إلا بهذه النتيجة، تفوق السني ودحض آراء الشيعي.
(يتبع)
محمد وطاش









































































PDF 2025


