لا شك في أن تحقيق النصوص الأدبية المغربية يعد، اليوم، رأس الأولويات التي ينبغي أن نعنى بها. إن واقعنا الثقافي، وحاجتنا البحثية، كانا، وما زالا، يستدعيان الدعوة بإلحاح إلى تحقيق النصوص، والعمل على إخراجها، لتكون منطلقا للبحث والتحليل والدراسة، إذ التحقيق هو المقدمة الصحيحة لأي دراسة جادة، وإلا ظلت البحوث كسيحة، والدراسات ناقصة، والرؤى مضببة، والأحكام متسرعة. وعلى الرغم من ظهور مبادرات إستثنائية من هنا وهناك، إلا أن هذا الميدان لا يزال يحتاج إلى المزيد من الجهد المتواصل والعمل الدؤوب.
بداية هذا ما حفزني منذ سنوات على ضرورة المساهمة في هذا المسعى، وقد تبلورت هذه الفكرة من جراء مطالعتنا للتراث الأدبي المغربي. وقد ارتأينا بالنظر إلى ما سبق، أن يكون التركيز بالدرجة الأولى على تحقيق النصوص “الشعر أو الرسائل” وليس على البحوث والدراسات، ووقع الاتفاق على إخراج رسائل سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه، ضمن سلسلة يعتزم “مركز الأبحاث والدراسات الأدبية المغربية بمراكش” إصدارها موصولة ومتتابعة بإذن الله تعالى؛ في سعي إلى أن تكون مستوفية للنصوص قدر الإمكان، وفي تطلع إلى تلقي كل الملاحظات والاقتراحات التي قد تبدو لقرائها الكرام. وأن يتم ذلك وفق المنهجية العلمية التالية:
– جمع النصوص وتوثيقها وضبطها بالتدوين والشكل والعروض.
– صنع الدواوين “الشعر أو الرسائل” كاملة منها وليس مختارات.
– فرز النصوص “الشعر أو الرسائل” وتحقيقها، بما يتطلبه التحقيق العلمي من مقابلة وتعاليق وتعريف بالأعلام وشرح بعض الغوامض وغير ذلك، دون إثقالها بهوامش قد لا تهم إلا فئة معينة من المعتنين. وقد أمكن بحمد الله جمع عدة دواوين ورسائل لمجموعة من الأدباء المغاربة، ستصدر تباعا بحول الله تعالى.
ومؤلف الرسائل التي بين أيدينا هو: أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم بن هرمز، بن حاتم بن قصي بن بن يوسف بن يوشع، بن ورد، بن بطال، بن علي بن أحمد، بن محمد بن عيسى بن إدريس المبايع له ببلاد المغرب بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومولاتنا فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه سلم، المعروف بالشاذلي، ولد رضي الله عنه سنة 591 هـ بقرية اشتنواغل بقبيلة الأخماس الغمارية فرقة بني زرويل قرب شفشاون بالمغرب الأقصى، ومبدأ ظهوره بشاذلة قرية من قرى إفريقية قرب تونس، سكنها مدة وإليها نسب، ونزل الإسكندرية، وحج مرارا.
قال فيه العلامة ابن عطاء الله السكندري: هو الشيخ الإمام حجة الصوفية، علم المهتدين، زين العارفين، أستاذ الأكابر، والمنفرد في زمانه بالمعارف السنية والمفاخر، العالم بالله، والدال على الله، زمزم الأسرار، ومعدن الأنوار، والقطب الغوث الجامع: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم بن هرمز بن حاتم بن قصي بن يوسف بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. عرف بالشاذلي. منشؤه بالمغرب الأقصى، ومبدأ ظهوره بشاذلة: بلدة على القرب من تونس، وإليها نسب. له السياحات الكثيرة، والمنازلات الجليلة، والعلوم الغزيرة، لم يدخل في طريق الله، حتى كان يعد للمناظرة في العلوم الظاهرة، جامعا لفنونها من تفسير وحديث ونحو وأصول وآداب، وله سياحات كثيرة، وكرامات شهيرة، ثم جاءه بعد ذلك العطاء الكثير، والفضل الغزير، واعترف بعلو منزلته من عاصره من أكابر العلماء والأولياء العارفين بالله تعالى.
وقال الإمام البوصيري صاحب “البردة” من قصيدة في مدحه:
أما الإمام الشاذلي طريقه
فانقل ولو قدما على آثاره
أفدي عليا بالوجود وكلنا
قطب الزمان وغوثه وإمامه
ساد الرجال فقصرت عن شأوه
فتلق ما يلقي إليك فنطقه
وإذا مررت على مكان ضريحه
ورأيت أرضا في الفلاة بخضرة
في الفضل واضحة لعين المهتدي
فإذا فعلت فذاك أخذ باليد
بوجوده من كل سوء نفتدي
عين الوجود لسان سر الموجد
همم المأرب للعلى والسؤدد
نطق بروح القدس أي مؤيد
وشممت ريح الند من ترب ندي
مخضرة منها بقاع الغرقد
توفي أبو الحسن الشاذلي رحمه الله سنة 656 هـ، وهو قاصد الحج في شهر رمضان، ودفن بصحراء عيذاب بحميثرا من الصعيد المصري.
يضم هذا الكتاب من والوصايا والحكم وجوامع الكلم، باقات من الرسائل القيمة، التي صاغها سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه، بأسلوبه المشرق البليغ الأنيق، ونفسه القوي المتألق. وتناولت مختلف المعارف وآداب التصوف، بالإضافة إلى مسائل متنوعة ونصائح وأسرار وتفسير ومكاتبات وغيره.
ومن المعلوم لدينا أن الشيخ لم يضع شيئا من الكتب، وذلك تحقيقا ومقاما وما هي إلا إملاءات من حضرة الشيخ رضي الله عنه على تلامذته فدونت عنه وحفظت. وكان يقول رضي الله عنه: كتبي أصحابي. هذا وقد قمت بالضبط والتحقيق والتصحيح، والتخريج والتوثيق والمقابلة، وهو إلا جهد المقل.
وفي الأخير، فإن رسائل سيدي أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه، تعد حلقة من حلقات الأدب الصوفي المغربي في العصر الموحدي، وعلى الرغم من قيمة المحاولات السابقة، فإن تحقيقها من جديد يبعث الأمل في العثور على بقية من تراثه المخطوط. والله ولي التوفيق.
(1) رسائل سيدي أبي الحسن الشاذلي (591 – 656 هـ): اعتنى به: وديع زرهون. منشورات مركز الأبحاث والدراسات الأدبية المغربية بمراكش، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش 2022، 410 ص.
وديع زرهون









































































PDF 2025


