ظل التواصل الوجداني والنضالي بين الشعبين المغربي والجزائري عنوانا لانتماء تاريخي مشترك. وظل الاحتضان المتبادل لمبادئ العزة والكرامة عنصرا ثابتا ضمن نظيمة السلوك المؤطر لعلاقات الشعبين. وقد عكست نخب الدولتين هذا المنحى في الكثير من المحطات وعبر العديد من المواقف. فمنذ احتلال الفرنسيين للجزائر سنة 1830، وأواصر الانتماء المشترك تزداد ترسخا في وعي نخب الشعبين. وعلى الرغم من الثمن الباهض الذي كلفته مثل هذه المواقف على استقرار الدولتين، فقد ظل المبدأ راسخا، ولم تعمل التطورات المتوالية إلا على صقله وعلى دعمه. لقد اعتقد الفرنسيون أن حبل هذه الأواصر كان سينقطع عقب هزيمة المغاربة في معركة إيسلي سنة 1844، والتي حاولت فرنسا –من خلالها- معاقبة المغاربة على دعمهم لمقاومة الأمير عبد القادر الجزائري، لكن الإحساس بالانتماء المشترك لم يزدد إلا ترسخا، بل ووجد تعبيرات عميقة عن بعده المصيري بالنسبة للشعبين.
في إطار هذا التوجه العام، تندرج القصيدة الاحتفائية التي كتبها الشاعر مفدي زكرياء، المعروف بشاعر الثورة الجزائرية، سنة 1925 وعمره سبعة عشر سنة، تحت عنوان “إلى الريفيين”. وهي القصيدة التي أعادت مؤسسة مفدي زكرياء نشرها في كتاب مستقل سنة 2019، في ما مجموعه 63 من الصفحات ذات الحجم الكبير، تحت عنوان “إلى الريف المغربي الثائر من إبن الجزائر”. ولتعزيز مضامين الكتاب، ألحق القائمون على هذا العمل بالقصيدة، دراسة تركيبية للدكتور محمد لحسن زغيدي، أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر، احتوت على معطيات توثيقية في التعريف بمفدي زكرياء وبزعيم ثورة الريف وببطولاتها، إلى جانب تحليل تفصيلي للأبعاد الجمالية والفنية لمضامين القصيدة الموزعة بين ستين بيتا. كما احتوى الكتاب على ملحق تفصيلي بالعديد من الصور الفوتوغرافية والخرائط التفصيلية الخاصة بحرب محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد الاستعمارين الإسباني والفرنسي.
ويمكن القول، إن القصيدة موضوع هذا الكتاب احتوت قيمة فنية وجمالية وإنسانية لا تضاهى، بالنظر لحمولاتها التحررية النبيلة، ولالتحامها بالوجدان الشعبي الذي يجمع الشعبين المغربي والجزائري. فالقصيدة تثير الكثير من عناصر الإعجاب والانبهار بعمقها المثير، وبلغتها القوية، وبأوزانها الدقيقة، وبقدرتها على الاحتفاء البطولي بإحدى أنبل عناصر الإباء والصمود في تاريخنا التحرري ضد غطرسة الاستعمار. ولعل هذا ما انتبه له الأستاذ محمد لحسن زغيدي في دراسته التقديمية، عندما قال: “تعد قصيدة الريفيين رسالة تضامن وأخوة، إلى الثوار الريفيين بالمغرب الأقصى، بزعامة الأمير عبد الكريم الخطابي، توجه بها طالب شاب جزائري، لم يتجاوز السابعة عشر من عمره، من تونس حيث مقر الدراسة، يعبر فيها عن شعور جيله، من أبناء الجزائر، الذين تغدوا بروح المقاومة وثقافة الاستقلال. ونعبر هذه القصيدة كذلك والتي أصبحت نشيدا للمقاومة بالريف المغربي، عن النضج الوطني الثوري، الذي شهدته منطقة المغرب العربي مطلع القرن العشرين، خاصة في عقده الثاني، فالقصيدة ربطت الأقطار الثلاثة، في رابط الأخوة المغاربية، بين شعوبها ونخبتها، التي كانت تعبر عن حالها، وتقودها إلى تقرير مصيرها، من خلال النهضة الفكرية الوطنية…” (ص. 6).

وعلى الرغم من بعض الملاحظات التي يجب التنبيه لها بخصوص مضامين الدراسة التقديمية المرفقة بالتقديم، مثل اعتبار القصيدة “نشيدا للمقاومة بالريف المغربي” مما يجب التثبت منه علميا، فقد نجحت في تفكيك بنية النص الشعري، من خلال القراءة التحليلية الفاحصة التي قدمها الأستاذ زغيدي بالكثير من عناصر الدقة والعمق. باختصار، فالقراءة التركيبية أضحت نصا موازيا للنص الأصلي، مما يقدم مداخل نقدية رفيعة لإعادة تشريح الصور الشعرية والاستعارات الجمالية والموازين الموسيقية التي تنهض عليها بنية القصيدة.
وللاقتراب من سقف هذا الخصائص الإبداعية المتميزة، نقترح إنهاء هذا التقديم المقتضب بالاستدلال ببعض من أبيات قصيدة “إلى الريفيين”، ففي ذلك اختزال لمجمل الخصائص الإبداعية التي حددنا معالمها أعلاه.
يقول الشاعر مفدي زكرياء :
“سلام (بني الريف) من مهج……… تكاد تطير ولا تصطبر.
هنيئا (بني الريف) قد فتحت……….. لكم جنة الخلد، من يبتدر؟
نضالا نضالا (بني الريف) عن……. تراث لكم عالي المدخر.
أجيبوا أجيبوا نداء الضمير،…….. ودعوة عظم رميم نخر.
(بني الريف) من كان يهوى الحياة….. يهون عليه ركوب الخطر.
فعرش السعادة لا يبتنى لقوم……. سوى فوق هام أخر.
فكونوا الفداء وكونوا الضحايا…… ليحيى الهلال، ويبقى الأثر.
ونفس تظل بتاج الجلال،……. وتأبى لها غير هام القمر.
تنادي بصوت الشهامة: تا الله….. من يرض بالذل يوما كفر.
وروح تفيض مع العبرات….. غرما وحبا لشعب أغر.
(كعبد الكريم) عظيم الحماة…… ليحيى جليلا بذكر عطر.
ويبقى مثالا على صحف الدهــ….. ـــر للعظماء بأي العصر…”.
أسامة الزكاري.









































































PDF 2025

