أسامة الزكاري
تشكل دراسة تحولات مغرب عقود القرن 18 مدخلا موجها لفهم مجمل مسارات تاريخ المغرب المعاصر. كما تعتبر هذه المرحلة أساسا لتفسير دوائر إنتاج الأزمة التي كبلت واقع الدولة والمجتمع المغربيين خلال كل المراحل اللاحقة، بما في ذلك زماننا الراهن. وعلى رأس هذه الدوائر، تلك المرتبطة بالأزمات البنيوية للدولة المغربية، والمتمثلة في مشكل علاقة المركز بالأقاصي وبالقبائل وبالجهات أولا، ثم مشكل ولاية العهد ثانيا، فمشكل الكوارث الطبيعية والمجاعات والأوبئة ثالثا، ومشكل تحرير الثغور المحتلة رابعا.
ونظرا لما حملته هذه الأزمات البنيوية من انعكاسات عميقة على نظيمة العلاقة بين المركز والأقاصي، أو لنقل بين المخزن المركزي والقوى المحلية القبلية والدينية والزعاماتية، فقد ظلت تنتج أشكالا متعددة للتدافع المجتمعي الذي ساهم في رسم الإطار العام الذي تحكم في جل توجهات المخزن المركزي تجاه كل السلط المحلية والإقليمية، مثل القبائل والزوايا والعلماء والتجار والمتصوفة…
في إطار هذا المسار العام، ظلت منطقة الشمال الغربي للمغرب تحمل سمات التميز الجهوي داخل واقع الاندماج الترابي الوطني. وقد استفادت في ذلك، من اعتبارات متداخلة ساهمت في إضفاء عليها هوية إقليمية برزت تحت يافطة تاريخية مميزة، عنوانها اسم منطقة جبالة. ونظرا لشدة وقع تأثير هذه الهوية الإقليمية على الكثير من تطورات المحيط الإقليمي والوطني والدولي للمنطقة، فقد أصبحت مجالا أثيرا للباحثين من أجل البحث في التفاصيل وإعادة تركيب الوقائع وضبط السياقات وفك أسرار المنغلقات. ويعتبر كتاب “شمال غرب المغرب في عهد السلطان المولى إسماعيل (1082-1139ه/ 1672-1727م)”، لمؤلفه البشير أبرزاق، والصادر سنة 2017، بعنوان فرعي “جوانب من التاريخ السياسي والاجتماعي”، في ما مجموعه 150 من الصفحات ذات الحجم الكبير، من آخر الأعمال التي اهتمت برصد بنية العلاقات التي وسمت مؤسسة المخزن المركزي بدوائر صنع القرار بمنطقة جبالة خلال عهد السلطان إسماعيل خلال مرحلة نهاية القرن 17 وبداية القرن 18. وقد سعى المؤلف في ذلك إلى تفسير منطق اشتغال “الآلة المخزنية” عند تدبيرها لمشاكلها البنيوية المزمنة التي أشرنا إليها أعلاه، في ظل واقع كان يسير نحو التأزم الشامل بفعل تأجج تناقضات الداخل من جهة، ثم إكراهات التصدي للغزو الأجنبي من جهة ثانية. ولتحديد الإطار التاريخي العام الذي وجه مضامين الكتاب، يقول المؤلف في كلمته التقديمية: “لم تكن منطقة شمال غرب المغرب بمعزل عن الأوضاع العامة بالمغرب أثناء تولي السلطان إسماعيل الحكم، ولا عن سياسته تجاه كل الربوع التي أعلنت تمردها ضده، إذ شهدت المنطقة قيام عدة ثورات، كثورتي الخضر غيلان وآل النقسيس، قبل أن يتمكن من إخمادها، ويستتب له الأمر هناك، ويعين عمر بن حدو التسماني الريفي قائدا مخزنيا عاما عن المنطقة، التي عاشت في شبه استقلال تام عن السلطة المركزية، خلال العهدين السعدي والوطاسي…” (ص. 7).
ولتفصيل البحث في أبعاد هذا السياق التاريخي العام، اختار المؤلف توزيع مضامين عمله بين خمسة فصول تركيبية، اهتم في أولاها بالتعريف بوظائف السلطة المخزنية على مستوى الآليات والممارسات، وتوقف في الفصل الثاني للبحث في تطورات العلاقة بين المجتمع والسلطة المخزنية غداة وفاة السلطان إسماعيل، وتناول في الفصل الثالث آليات عمل السلطان المذكور لإدماج القوى الدينية داخل الكنف المخزني من خلال نموذج الزاوية الوزانية. أما في الفصل الرابع، فقد سعى إلى رصد وقع الكوارث الطبيعية التي ضربت المنطقة خلال الفترة المدروسة وطرق التدخل المجتمعية والمخزنية لمواجهتها. وفي آخر فصول الكتاب، توقف المؤلف عند سياسة المخزن الإسماعيلي لتحرير مدينة سبتة المحتلة.
وفي كل هذه المستويات، ظل المؤلف حريصا على تقديم رؤى تركيبية، بعمق تنظيري واضح، وبغياب جلي لتصميم نسقي لعله كان سببا في هيمنة انزياحات كبرى على مستوى طرق تجميع المادة المصدرية والوثائقية، وكذا على مستوى استثمار ذخائر هذه المادة. ولعل العذر في ذلك، يعود إلى غياب الرؤية التاريخية المهيكلة للعمل، وهي الرؤية القائمة على الانضباط للعدة المنهجية الأكاديمية داخل درس التاريخ، بعيدا عن الأحكام السهلة، وعن التنظيرات البراقة، وعن التقليعات المخادعة التي لا علاقة لها بالآليات الإجرائية للبحث التاريخي العلمي. ويمكن الاستدلال بالكثير من الأمثلة المعبرة عن هذا المنحى النزوعي في مختلف مضامين الكتاب، مما يجعلنا نقول إن الكتابة التاريخية العلمية، لم تكن –أبدا- مجرد تجميع للوقائع المتناثرة هنا وهناك، ولم تكن –كذلك- تهافتا نحو التنظير المفترى عليه، ولا مجرد تجميع للعناوين وللبيبليوغرافيات، بل هي تحليل وتمحيص وتدقيق وتشريح ونقد وتركيب، وقبل كل ذلك، تريث علمي وأناة أكاديمية واحترام لأدوات الصنعة، صنعة كتابة التاريخ أولا وأخيرا.









































































PDF 2025

