تقديم:
أدب الرّسائل، يتضمّن جوانب مهمّة تقتضيها الكتابة الحرّة، والموضوع المسترسل، ويتضمّن هذا الأدب إشارات علمية، وإفادات فنّية، وإنشادات معرفية…
وفي هذه السلسلة ندرج بعضاً ممّا توفّر لنا من أدب الرّسائل التي التحمت فيها أرواح علماء شمال المغرب. ونستهلّ بمراسلات العلامة الأديب قاضي مدينة طنجة وباشاها وعالمها، الفقيه سيدي العربي التمسماني رحمه الله، مع مجموعة من الأعلام.
-4-
[من العلامة القاضي العربي التّمسماني إلى الأديب الفقيه سيدي البشير أفيلال في شأن مذاكرة حول بيت: رأيتُ الهلال ووجه الحبيب.. وما يتعلّق به من فوائد]
الحمد لله وحده وصلى الله على سيّدنا محمد وآله وسلّم
سعادة الأخ المشغوف بالأدب، البالغ منه القصد والأرَب، السابح في بحاره، الرافع لحجبه واستاره، الفقيه العلامة اللّوذعي، الصّفيّ الألمعي، سيّدي البشير أفيلال، رعاكم الله وسلام على أخوّتكم ورحمة الله، عن خير سيّدنا أيّده الله.
وبعد، فقد تشرّفتُ من أخوّتكم السّامية، وشيَمكم الباهية العالية، بالكتاب المؤرّخ 8 من الجاري، مقدّماً كلمة التّهاني بعيد الأضحى المبارك، وموسم الفضل الذي لا يشارك، ومبدياً رأيكم السّديد، ونظركم الموفّق الرّشيد، في البيت الذي تقدّمت المذاكرة فيه على المائدة، المنطوي على تَكرار ظاهر غير مراد لعدم الفائدة، مبدياً جنابكم في ذلك وجوهاً تنشرح لها الصّدور، وتشهد لصاحبها أنّه أحقّ بالتّقدّم والصّدور، وتطرب لها النّفوس وترقص حقاً، وتراها أجدر أن تعيد الحرّ رِقّاً.
لكنّي أعود فأقول: إنّها وإن حسُنت معانيها، وعذبت ألفاظها ومبانيها، إنّما بُنيت على كيفية انعكاس ضوء الهلال على وجه الحبيب حتّى رئي الهلال فيه، ولم تعرّج على التّكرار الذي هو أجمل ما يستر معناه الشاعر ويخفيه، إذ بيان وجه رأيتُ الهلال على وجه حبيبه، لم يفز بكلّ ما يتضمّنه البيت من بديع الصّنع وغريبه، وإنّما النّكتة في التّكرار الظّاهر، وليس بالقطع مرادا للشاعر، ولئن قلنا: إنّ لفظ وجه الأوّل بمعنى شكل، إذ وجه الشّيء ذاته كما في القاموس وغيره لكان المعنى: رأيتُ الهلال على شكل من رأيتُ الهلال على وجهه، وهو أقرب إلى المعنى المراد، إلاّ أنّ النّفس تأبى أن تجعل هذا المعنى غاية المراد، كما لو جعلنا الهلال الثّاني بمعنى سِنان الرّمح كما لصاحب القاموس أيضاً لكان أقرب للفهم، وأرفع للسّهم، لكن نرى أنّ مراد الشّاعر غير جميع ما ذكرنا، لما علّق عليه الصفدي من الأهمّيّة التي هي لا شكّ أعلى ممّا له المعنى وأشرنا.
وعلى كلّ حال؛ فقد حصلّنا فوائد جمّة من تكرار المذاكرة فيه، وإن لم يكن أهلاً للاهتمام بشأنه، ولا لإعلاء مبانيه وأركانه، فهو سلّم صعنا عليه إلى ما هو أرقى، وأجمل فائدة وأبقى، فجزى الله الزّوزني والصّفدي أجمل جزاء وأكمله، حيث تسبّبا في هذه المراسلات المسلسلة، والبيت في ميدان العراك يُطوى، إذ جهالته لا تضرّ، وعلمه ليس بالذي تدرَك به الدّرجة القصوى.
مسلّماً بأتمّه وأطيبه، على الأخوين الفقيه الجليل الوزير حفظه الله، و…سيدي عبد السلام، كما لكم من أخوينا، وها المبيضة التي طلبتم ردّها إليكم توافيكم طيّه، وعلى أخوّتكم أتّ السلام وأطيبه.
وفي 27 جمادى الحرام متمّ عام 1361هـ.
العربي التمسماني لطف الله به.
-5-
[من القاضي الأديب العربي التمسماني، إلى صديقه الأديب الفقيه سيدي البشير أفيلال، في شأن مذاكرة تتعلّق بقول ابن عمر رضي الله عنهما: (وجلدة بين العين والأنف سالمُ) الخ]
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على سيّدنا محمد وآله
الأخ العزيز الوفيّ، والحبيب الموافق الصفي، العلامة الأديب، الشريف النبيه اللبيب، سيّدي البشير أفيلال رعاكم الله وسلام على أخوّتكم ورحمة الله، عن خير سيّدنا أيّده الله.
وبعد، وصلني كتابكم الفائق، وخطابكم الرائق، مهنّئاً بعيد مولد خير البريّة، عليه أفضل الصلاة وأجلّ التّحيّة، هنّأكم الله بتوالي إنعامه، ومزيد تشريفه وإكرامه.
هذا، وما أشرتم إليه من المذاكرة التي كانت بيننا في قول ابن عمر رضي الله عنهما: (وجلدة بين العين والأنف سالمُ) الخ، من أنكم لم تفهموا وجهاً لحذف التّنوين من جلدة، وأنّ الوزن يوافقه، والنحو يساعده بل لا يفارقه.
فلتعلموا -رعاكم الله- أنّ الوزن لا يوافقه، بل يكون فيه زيادة على ساكن، إذ البيت من بحر الطويل، وإذا قطعته وفق وزن الخليل، وجدت فيه زيادة ساكن بين (ميم وفاء) مفاعيل، إذ الطويل وزنه مفعولن مفاعيل مفعول مفاعل* فحينئذ يوجد على حسب التّنوين الذي تؤيّدونه ساكن بين الميم والفاء من مفاعيل، لا مناص من ذلك، ولا وجه لتلك الزّيادة، فلتتدبّروا ذلك بفكركم المصيب تجدوه.
وأمّا قولكم: إنّ النّحو يساعده، بل لا يفارقه، فلتعلم أخوّتكم أنّ لفظة بين، هي ظرفية، ولا تأتي إلاّ ظرفاً إما للزمان وإمّا للمكان. والظروف قابلة لأن تكون مضافة ومضافاً إليها، وها أنا أزيل عنكم اللبس في هذه الإضافة بآيتين من كتاب الله، وهما قوله تعالى: (فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم)، وقوله سبحانه: (هذا فراق بيني وبينك)، فإنّك تجد في كلّ من هاتين الآيتين مضافة ومضافاً إليها، وحينئذ يستقيم الوزن والإعراب في البيت، مع السلامة من الابتداء بالنّكرة.
ثمّ إنّ قول ابن برّي هو الظّاهر من البيت، إذ مراد ابن عمر هو أن يشبّه ولده سالماً بالجلدة التي بين العين والأنف، وليس مراده أن يبين لنا أنّ الجلدة التي بين العين والأنف تسمّى سالماً، إذ هذا في غاية ما يكون من البعد، وإن مال إليه الشيخ مرتضى فليس كلامه بمرتضى، عائداً سلامنا بأتمّه وأطيبه على الأخوين الأجلّين، سيدي محمد وسيدي عبد السلام، كما لكم ولهم من ولدنا وصهرنا، والله يرعاكم، وعلى أخوّتكم والسّلام.
وفي 15 ربيع النّبوي عام 1386هـ.
أخوكم: العربي التمسماني لطف الله به
-6-
[من قاضي طنجة العلامة العربي التمسماني إلى صديقه الفقيه الأديب سيدي البشير أفيلال مهنّئاً إيّاه بعام هجري جديد، ومؤرّخاً ذلك ببيتين من الشعر]
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على سيّدنا محمد وآله
سعادة الأخ الثابت الإخاء، في الشّدّة والرّخاء، جامع أشتات الفضائل، الطيب الأخلاق والشمائل، سيدي البشير أفيلال، رعى الله أخوّتكم، وسلام عليكم ورحمة الله، عن خير سيّدنا أيّده الله.
وبعد، فبمناسبة حلول هذا العام، المرجو يمنه وسعادته، المؤمّل خيره وإفادته، أقدّم لأخوّتكم أبرك التّهاني، راجياً بلوغ كلّ الأماني، أعاد الله أمثاله على الجميع بكامل الأفراح والمسرّات، ودائم التّهاني والمبرّات.
مسلّماً بأتمّه وأطيبه على الأخوين الجليلين، الفقيه الوزير سيدي محمد، والنّزيه النّبيه سيّدي عبد السلام، كما لكم ولهم من لدنا وكافّة الأقاريب، والله يرعاكم، وعلى خالص مودّتكم والسلام.
وفي فاتح محرّم الحرام فاتح عام 1363هـ.
العربي التمسماني لطف الله به.
أمولاي هذا العام عام معظم==أهنّي به وهْو النّزيل المكرّم
بكم أشرق (1363) التّاريخ منه فيومنا==به حلّ هذا الشّهر وهْو محرّم
د. يونس السباح









































































PDF 2025


