أتاني يطلب مني أن أسلمه جواز سفري، ليسجلني في قائمة عمرة رمضان.
وبالطبع، أخذ يغريني بالبرنامج المتنوع، والفنادق الفخمة القريبة من الحرمين، والأسعار المناسبة، عساني أنخرط في هذه الرحلة.
ابن عمي معاذ حجاج، حفظه الله ورعاه، وجد ضالته في هذا المجال، فهو مرشد ديني وسياحي، ونشاطه في شد الرحال إلى بيت الله الحرام، وزيارة دول المشرق العربي مشهود ومحمود.
ولولا سعة صدره، ما نجح في هذه المهمة، فأن تتحمل مسؤولية خمسين نفرا، وتؤمن تنقلاتهم، وتوفر لهم الراحة، وتلبي طلبات كل واحد على حدة، عبء ثقيل، لا يقدر على حمله، إلا أولوا العزم من الشبان الأشداء الأقوياء.
وهو يعد نفسه – رغم تقدم السن – من جنس هؤلاء الشبان الأقوياء الأشداء، فصدره رحب، وقشابته واسعة، وهو لا يحسب حساب الفشل بمقدار ما يحسب حساب النجاح، في كل رحلة يخطط لها مع هذه الوكالة أو تلك.
إن أزيز الطائرات، أصبح بالنسبة له، سيمفونية تطربه، وتهز أعطافه، وتدغدغ مشاعره، وإن المضايقات التي يجدها في المطارات، غدت لديه من المستملحات التي لا تكتمل الرحلات إلا بها، وإن أحمال وأثقال السفر، باتت عنده كمن يحمل الغطاء والوطاء، لينقله من حجرة إلى أخرى.
ورغم أنه لا ينام إلا بمقدار، ولا يخالط أهله إلا بمقدار، ولا يستقر له قرار إلا بمقدار، فإنه ألف حياة الحل والترحال، ووجد فيها اللذة والمتاع.
لذا أخذ ييسر لي ما أراه صعبا، ويذلل ما أعده عقبات، ويمنيني بما يسري عني، ويدخل البهجة إلى نفسي.
لم فرض هذا النموذج من الناس نفسه علي؟ ولم أخذ كل هذه المساحة من دردشتي؟
لأوضح لبعض متقاعدينا الذين رفعوا الراية البيضاء، وجلسوا ينتظرون ملك الموت، وكأنهم يستعجلون قدومه، أن الحياة لا تتوقف عند الستين، ولا حتى عند السبعين، وإنما تظل تجري رخاء، وتجري في أحايين كثيرة بما تشتهيه سفننا ومراكبنا.
فلم ننكمش وننكفئ على أنفسنا، وكأننا نناقشها الحساب، أو نصفي معها حساب السنين التي مضت؟
أليس لدينا أحفاد نستعيد بهم ومعهم ذكريات الطفولة وبراءتها؟ أليس لدينا أقارب نصل بهم الرحم؟ أليس لنا أصحاب نتواصل معهم؟ أليست لنا خزانة كتب نعيد تنظيمها وترتيبها والنبش في رفوفها؟ أليست لنا هوايات كنا نتحرق شوقا لممارستها؟
والتلفاز، ما هو دوره في حياتنا؟ والإنترنيت، لم استحدث؟
كل هذه فضاءات يمكن أن نرتادها في سهولة ويسر، ودون تكلف لنشعر ولنُشعِر من حولنا أننا أحياء نرزق، وننفعل ونتفاعل، ونبعث فيمن حولنا وفيما حولنا النشاط والحيوية والبهجة.
مصطفى حجاج









































































PDF 2025

