سؤال المنهج في الشعر المغربي الحديث : إن أغلب الشعراء المغاربة الذين قادوا حركة الحداثة في السبعينيات تلقوا تعليما أكاديميا وتخرجوا من الجامعة المغربية. ومنهم من استكمل مسيرته في التعليم العالي وأصبح أستاذا جامعيا يزاوج بين البحث العلمي والنقد الأدبي من جهة والإبداع الشعري من جهة ثانية. وهذه الظاهرة التي لا نعدم مثيلات لها في المشرق العربي عرفت مع رواد القصيدة المغربية الحديثة حيث جمع كل من محمد السرغيني وأحمد المجاطي ومحمد الخيار الكنوني بين الممارسة الإبداعية وبين العمل الأكاديمي والبحث العلمي.
وإذا عرفنا أن النقد المغربي الحديث نشأ في كنف الجامعة أدركنا أن الجمع بين الإبداع والنقد يكاد يشكل القاعدة العامة في مسار الأدب المغربي الحديث.ولم يشكل عبد الله راجع خروجا عن هذه القاعدة، فقد كان متابعا دقيقا للمشهد الشعري المغربي، شاهدا على تطوره، مساهما في الحوار الواسع الذي دار حوله، والذي كان يصل أحيانا إلى حد السجال بسبب منطق الفرز السياسي والإيديولوجي الذي كان مهيمنا على الحقل الثقافي في السبعينيات والثمانينيات. ولم يكن راجع طرفا محايدا في ذلك الصراع الذي تشهد عليه المواجهات النقدية التي كانت رحاها تدور على صفحات المحرر والعلم والثقافة الجديدة وغيرها من المنابر، بل بدا غير متردد في الانتصار للحداثة، مدافعا عن قيم التحرر والتقدم بكل ما أوتي من زاد علمي وفصاحة لسان. من هنا فإن دوره لم يكن ليقتصر على تبني تلك القيم بالانحياز إلى نص شعري يستجيب للحاجات التعبيرية والجمالية لهذا الاختيار بل عمل على بسط قناعاته الفكرية والثقافية والشعرية عن طريق المقاربات والمتابعات النقدية التي نشرت على صفحات الملاحق الثقافية والمجلات الأدبية.
وتشكل إسهامات عبد الله راجع على هذا المستوى جزءا أساسيا من اجتهاداته النقدية تنظيرا وممارسة. لذلك فإنها بحاجة إلى من يجمعها بين دفتي كتاب كي يسهل الوصول إليها من لدن الباحثين والمهتمين.
وفي انتظار هذا الإنجاز ذي الطابع التوثيقي الهام فإن كتاب «القصيدة المغربية: بنية الشهادة والاستشهاد» يظل العلامة الأبرز في شخصية عبد الله راجع النقدية. لأسباب كثيرة منها:
– أولا: إن الكتاب يعد من حيث التراكم النقدي الذي تناول الشعر المغربي الحديث ثاني عمل بعد کتاب الأستاذ محمد بنيس «ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب» الصادر سنة 1979. وقد أراد له صاحبه أن يكون الحلقة الثانية في مقاربة القصيدة المغربية الحديثة فتناول شعر السبعينيات بينما اتخذ محمد بنيس شعر الستينيات موضوعا لكتابه. هذا على الرغم من اختلاف رؤية الكتابين لبعض القضايا الأساسية كما سأوضح لاحقا. إن الكتاب يستمد أهميته القصوى إذن من كونه جاء في وقت كانت فيه المقاربات النقدية للشعر الحديث بالمغرب تتسم في مجملها بضيق المسافة الإبداعية التي تغطيها أفقيا وعموديا. فالكتب التي كرست نفسها للقصيدة المغربية الحديثة إلى حدود منتصف الثمانينيات لم تصل إلى عدد أصابع اليد الواحدة، وكانت الدراسات النقدية التي تظهر بين الحين والآخر على صفحات المجلات والملاحق الثقافية عبارة عن احتفاء بديوان شعري أو تحليل لقصيدة.
إن هذا يفسر الاهتمام الكبير الذي لقيه کتاب عبد الله راجع من طرف النقاد والشعراء المغاربة.
– ثانيا: إن الكتاب يجسد خير تجسيد مقولة «الشاعر/ الناقد» من زاويتين: زاوية عامة جعلت عبد الله راجع يدرس متنا شعريا كان أحد الفاعلين في إنجازه، ومن ثم فإنه عندما يتعرض بالنقد والتقويم لشعر السبعينيات فإنه يتحدث عن جيل من الشعراء هو الجيل الذي ينتمي إليه. وزاوية خاصة دفعت به إلى أتون مغامرة نقدية قلما يركبها دارس، تتجلى في أن يعرض إبداعه الشخصي على محك القراءة تحليلا وتفسيرا ونقدا.
وفي الحالتين معا فإن العمل يطرح أسئلة جديدة من مثل: كيف يتحول الشاعر إلى قارئ/ ناقد لشعره وما انعكاسات ذلك على القراءة نفسها.
ولقد انتبه راجع إلى بعض المخاطر التي تحف ما يمكن أن نسميه «قراءة الذات» واعتبر ذلك من الصعوبات التي واجهها في بحثه: «تأتي الصعوبة هنا من أنني مضطر إلى التعامل مع كتاباتي الشعرية بموضوعية تامة. غير أن الموضوعية التامة قد تدفع في الكثير من الأحيان إلى صرف النظر عن جوانب جد هامة بدعوی الإحجام عن السقوط في مغبة تضخيم النفس وإبراز العضلات» (ص 11).
ويبدو أن راجع قد أقبل على دراسة المتن السبعيني بزهو كبير. هذا لا يعني أنه حاد عما يسميه الموضوعية في النظر والتحليل، بقدر ما يشير إلى أنه سيشحذ إمكانياته النقدية لتبرير المكانة التي منحها لمجايليه من الشعراء بالمقارنة مع من سبقهم من الشعراء المغاربة.
فهو يذهب على سبيل المثال إلى أن مرحلة السبعينيات أبرزت حضور الصوت المغربي في النص الشعري، بعد أن ظل الشاعر المغربي يبحث في هذه المرحلة عن صوته المتميز ممسكا به حينا مبتعدا عنه أحيانا أخرى. (ص 9)
ولكي يدعم هذه الفكرة فإنه يرى أن الجانب الفني في الكتابة الشعرية الحديثة بالمغرب قبل هذه الفترة «ظل في الغالب الأعم نسجا على منوال الغير » (ج2 ص 12) ويستثني من ذلك شعر السرغيني والمجاطي والكنوني. ويقول إن هذه الظاهرة قد أنتجت «قصائد شرقية قصاراها أنها كتبت من طرف شعراء مغاربة» (الجزء الثاني ص 12).
لا شك في أن قارئ كتاب «القصيدة المغربية المعاصرة: بنية الشهادة والاستشهاد» سيصل دون عناء كبير إلى أن عبدالله راجع كان مهووسا بالدفاع عما يسميه خصوصية القصيدة المغربية في السبعينيات إزاء القصيدة المشرقية أو القصيدة الغربية. وهو وإن لم يذهب إلى حد القول بالقطيعة مع التجربة الشعرية بالمشرق العربي، إلا أن البحث عن سمات تلك الخصوصية كان ضمن أهدافه الكبرى. ولذلك نجده يبرر القول بقصيدة مغربية، فيذهب إلى أن المتن الذي درسه «ليس معاصرا فقط، ولكنه مغربي أيضا. بمعنى أن صوت الواقع المغربي واضح فيه، وبصمات نفسية المبدع أشد وضوحا ولذا آثرت أن أسمي القصيدة المدروسة قصيدة مغربية معاصرة» (ص 9).
ولعل هذا الهاجس كان وراء اختياره المنهجي، فقد أعلن في مقدمة الكتاب إيمانه بالبنيوية التكوينية، ولكنه منذ البداية يسجل تحفظه من التطبيق الحرفي لهذا المنهج بناء ركيزتين: أولاهما أنه يصلح منهجا للبحث في الرواية أكثر من صلاحيته في الكتابة الشعرية. وثانيتهما أن الأمر يتعلق بالشعر المغربي الذي يملك«بالإضافة إلى خصوصية الفن الشعري خصوصيات أخرى لا بد من الاهتمام بها» (ج1 ص 13).
من هنا فإن عبد الله راجع حسم مسألة المنهج منذ البداية، حين جعله في خدمة المتن الشعري، وليس العكس. ولا يمكن أن نقدر جرأة هذه الخطوة إلا إذا تذكرنا كيف أن أغلب الدارسين للأدب العربي وللأدب المغربي بصفة خاصة كانوا يخضعون خضوعا تاما لسلطة المنهج على حساب المتن المدروس، مما يحول نقدهم إلى دراسة في المنهج عوض أن تكون دراسة في الشعر.
هذا يعني أن عبد الله راجع سيتعامل مع البنيوية التكوينية بمرونة كبيرة جعلته في كثير من الأحيان يبتعد عنها. فهو يخلص للنص ويوظف المنهج في حدود ما يمكن أن يقدمه لاكتشاف شعرية القصيدة، وبها يبرز خصوصية الشعر المغربي في الفترة يدرسها.
إن البنيوية التكوينية هاهنا ستغدو منهجا للاستئناس سيلتقط منها إلحاهها على الربط بين الفهم والتفسير، بين داخل النص وخارجه، ولكنه سيمنح نفسه إمكانية استعمال أدوات أخرى من أجل توسيع المجال النقدي، ومن أجل القبض على معالم الخصوصية في الشعر المغربي. ولعل أقرب مثال على أن البنيوية التكوينية لم تشكل لدى راجع سلطة مرجعية قاهرة كما هو الشأن بالنسبة لنقاد مغاربة آخرين من معاصريه، أن مفهوما محوريا لدى كولدمان هو «الرؤية إلى العالم» ظل خافتا في عمل عبد الله راجع. وفي المقابل فإنه خصص فصلا کاملا لدراسة «المجال النفساني» (ج2 ص 85) اعتمادا على شارل مورون، وهو مجال لا يمت بصلة منهجية للبنيوية التكوينية.
لقد قادت هذه الطريقة في التعامل مع لوسيان كولدمان عبد الله راجع إلى التحرر من الأرتدوکسية المنهجية، وسمحت له أن يولي الأهمية الأولى والأخيرة للنص الشعري في أبعاده المختلفة، بشكل يحيط بكل مكوناته الشعرية ويجعله يفصح عن خصوصيته المغربية. وتوصل انطلاقا من ذلك إلى نتائج تشهد على نجاعة الأداة وعمق الرؤية النقدية.
وفي مقدمة تلك النتائج أنه توصل إلى ما يميز النص الشعري المغربي عن النص الشعري بباقي الأقطار العربية خلال هذه الفترة التي بدأ فيها الشاعر المغربي يفهم أنه «مطالب بتوفير صوت خاص ومتميز لقصيدته. لا على المستوى المضموني فحسب، بل على صعيد الشكل أيضا.» (الجزء الثاني ص 13) ولم يقف لإبراز هذا الصوت الخاص عند حدود الافتراض بل راح يبحث عن تجليات «الخاص» في البنية الوزنية والبنية اللغوية والمجال الاجتماعي والمجال النفسي.
على أن الدفاع عن خصوصية القصيدة المغربية لا ينم عند راجع عن أية نزعة شوفينية، وإنما كان مؤسسا على تحليل عميق أدى إلى تسجيل الإضافات التي جاءت بها القصيدة المغربية في السبعينيات والتي شكلت إغناء للقصيدة العربية التي كانت بحاجة إلى التنوع في التجارب والأشكال في تلك المرحلة من تاريخها.
لا شك في أن عبد الله راجع أنجز هذا العمل بعد اطلاع دقيق على أعمال من سبقوه من الدارسين، وخاصة كتاب محمد بنيس الموسوم ب «ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب». وهو وإن سجل ما في جهود سابقيه من مادة منحته إمكانية تطوير الدرس النقدي المغربي في مجال الشعر، إلا أنه احتفظ لنفسه بمسافة بينه وبينهم.
فقد مكنه التطبيق المرن للبنيوية التكوينية والإيمان بالتجربة الشعرية المغربية من رفض «بنية السقوط والانتظار» التي قال بها محمد بنيس والقول ب«بنية الشهادة والاستشهاد» بعدما سجل على صاحب «ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب» انسياقه وراء نزعة تعميمية جعلته في النهاية لا ينتبه إلى بعض الاستثناءات التي يمثلها محمد السرغيني وأحمد المجاطي ومحمد الخيار الكنوني، وهم قطب الرحى في تجربة الستينيات.
ولكن أهمية كتاب عبد الله راجع تكمن قبل هذا وبعده في أنه قارب الشعر المغربي الحديث بمنظور منفتح على آفاق تعد باحتمالات تحرض على القراءة وإعادة القراءة، ولذا فإنه رأى أن عمله هو إطلالة من نافذة على الشعر المغربي «لا تنتفي معها بالطبع أن نطل عليه من نوافذ أخرى متعددة ومتشعبة» (الجزء الثاني ص 172). وفي هذا إقرار بأن النص الشعري هو نص متعدد بالضرورة، وأن التطبيق الحرفي للمنهج مهما بلغ من الدقة والعلمية سينتج نقدا أعمى يحشر النص في زاوية ضيقة، ويجهز عليه. إن الإخلاص للمنهج يقتل النص.
من أجل هذا تجاوز عبد الله راجع النزعة المنهجية التي كانت تعتبر النص الشعري مجرد شاهد على صدقية المنهج، وشحذ كل المعارف للتعامل مع القصيدة المغربية وهو ما يفسر الغنى الكبير الذي يزخر به کتابه، مما يجعل منه مرجعا لا يستغنى عنه لدراسة الشعر المغربي المعاصر.
د. إحسان حسون









































































PDF 2025


