- تُشكّل المجالس العلمية السّلطانية أحد أهمّ مظاهر الحضارة الفكرية في تاريخ المغرب، وقد برز هذا النوع من المجالس كما يقول الأستاذ المؤرخ عبد الحقّ المريني في العهدين المرابطي والموحدي، وكان يطلق عليها آنذاك اسم: مجالس الفقهاء، ولم يطلق عليها اسم المجالس العلمية إلا في العهد المريني ثمّ السّعدي.
- في عهد الدولة العلوية الشريفة أصبحت هذه المجالس العلمية أكثر انتظاماً، وأرحب فكراً، وقد ازدهرت في عهد ملوكها “ابتداء من العهد الإسماعيلي، وشجعوها وأمروا بفتح باب المناقشة بين العلماء، وكان من ملوك هذه الدولة من يدلي بدلوه في هذه المساجلات”.
- يعتبر السلطان الحسن بن محمد بن عبد الرحمان بن هشام: [1311-1246هـ/1832-1894م] من أبرز السلاطين العلويين الذين أحيوا هذه المجالس وأثروها بالمعارف والعلوم، وكانت مجالسه كما -كتبت عن ذلك الأستاذة لطيفة الهاشمي- متعددة ومتنوعة، فمنها: “ما يعقده من أجل الاستفتاء حول القضايا المهمّة التي كانت تعترض سبيله في حكمه، ومنها: ما كان يعقده للبتّ في المستجدّات التي كانت تطرحها النهضة الحديثة التي فرضها الاحتكاك بالآخر، وأخرى: كانت تُعقد لتدارس العلم ومناقشة العلماء”.
- أمّا أهمّ هذه المجالس لديه وأعظمها شأناً فتلك التي كانت تُعقد لقراءة صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري [ت.256هـ] من أوله إلى آخره في ظرف زمني يستغرق ثلاثة أشهر كاملة من كلّ سنة؛ هي رجب وشعبان ورمضان، لا تتوقف أبداً سفرا وحضراً، ظعناً وإقامة إلا لضرورة، وهذا ما يؤكده العلّامة المؤرخ عبد الرحمان بن زيدان في «العزّ والصّولة»، بقوله: “اتخذ ملوك هذه الدّولة العلوية سرد صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري منذ نشأت، عادة محكمة في ظعنهم وإقامتهم”.
- كان للسلطان المولى الحسن اهتبال شديد بهذا المجلس الحديثي، فكان يحضره بنفسه، ويستدعي له أعلام علماء عصره، ولم “يمارس أحد من أهل الوقت قراءة صحيح البخاري ممارسته”، كما في «المفاخر العلية»، وعنه في «الحلل البهية»: “وأما تعاهد العلوم، ولا سيما الحديث ففي كلها سبقه معلوم، ركب فنونها فراضها، ووقع في بحور معانيها فخاضها، وحاز بعناية الله لبابها، وميّز بذهنه الثاقب حبابها”.
- تبدأ مراسم الإعداد لهذا المجلس الحديثي الكبير بمراسلة حاجب السلطان المولى الحسن لقضاة المملكة وعمال الأقاليم وأمنائها ليختاروا العلماء الأجلاء، والأعيان والفقهاء والشرفاء الذين ينبغي حضورهم، وقد أطلعنا ابن زيدان على نموذج من هذه المراسلات تخصّ الحاجب السلطاني أحمد بن موسى [ت.1318هـ] إلى العلامة القاضي أبي العباس أحمد بن الطالب بن سودة [ت. 1321هـ] يعلمه فيها بافتتاح الدروس الحديثية.
- ونصّ المراسلة بعد الحمدلة: ” محبنا الفقيه العلامة القاضي السّيد أحمد بن الطالب بن سودة؛ سلام عليك ورحمة الله، عن خير مولانا-نصره الله-وبعد: فإنّ مولانا- أعزه الله- أمر بافتتاح سرد صحيح البخاري بحضرته العالية بالله، بُكرةً غداً إن شاء الله، فأَقْدِمْ لذلك أنت ومن حضر ممن يحضر معك ولا بدّ، وذلك في الساعة الرابعة والنصف، وعلى المحبة والسلام”. في مستهل رجب، عام: 1300هـ.
- وممن كان يحضر هذه المجالس الحديثية من أكابر علماء عصره مثالاً لا حصراً:
-العلامة الفقيه القاضي أحمد بن الطالب بن سودة: شيخ مجلس السلطان الحديثي، قال عنه الشيخ عبد الحفيظ الفاسي في «المدهش المطرب»: ” كان إماماً شهيراً، علامةً كبيراً، دراكةً نظاراً، متبحراً نحريراً، متضلعاً في كثير من العلوم المنطوق منها والمفهوم، متمكناً في الحديث والتفسير والأصول والكلام والفقه والعربية وسائر علوم اللسان والبلاغة مع الإتقان في كلّ ذلك، والإحاطة بأسرارها ومعرفة محاسنها، والغوص على غوامضها وتحرير عويصاتها وفكّ مشكلاتها، كان شديد الاعتناء بالعلم وتعظيمه والمنتمين إليه، لا يُلحق شأوه في كلّ ذلك مع بعد المدى في ميدان الأصالة والإمامة والأصول الصالحة، وبالجملة فهو بقية الناس، وجوهرة يتيمة في عقد جيد فاس”.
9.وترجمه الفقيه الحجوي في «العروة» و«الفكر» بقوله: “شيخ مجلس السلطان مولانا الحسن في البخاري، وشيخ مشايخ وقته، شهاب العلم، وقبس التحصيل والفهم، زعيم الفئة، ويتيمة عقد هذه المائة، شيخ الجماعة بالمغرب، كان كثير التقييد يكتب درسه، ويمليه محرراً من كراسته، كان مثال التحقيق والإنصاف، بعيداً عن جبروت الولاية والاعتساف، له عدّة تواليف فقهية وحديثية، منها حاشية على البخاري لو طُبعت لكان لها طيران حثيث”.
10.- العلامة الفقيه محمد المدني ابن جلون [ت. 1321هـ].
– العلامة الفقيه محمد بن التهامي الوزاني [ت.1311هـ].
– العلامة الفقيه أحمد بن حمدون بن الحاج [ت.1316هـ]
– العلامة الفقيه جعفر بن إدريس الكتاني [ت.1323هـ].
– العلامة الفقيه عبد الله بن إدريس البكراوي [ت.1316هـ].
– العلامة الفقيه عبد الله الكامل الأمراني [ت. 1321هـ].
– العلامة الفقيه عبد الله بن إدريس السنوسي [ت. 1350هـ].
- هؤلاء بعض الأعلام الذين كانوا يحضرون هذا المجلس العلمي السلطاني، وكانت وظائفهم داخل المجلس تتنوع، فمنهم من كان يتولى القراءة والسرد للحديث، ومنهم من كان يتولى تقرير الدرس وشرحه والتعليق والمناقشة، بالإضافة إلى تدخل السلطان في النقاش والمحاورة متى ما عنّ له ذلك في تقليد متبع، يقول ابن زيدان: “وينقسم علماء المجلس إلى قسمين: قسم للسرد وقسم للتقرير، والعادة أنّ السلطان إذا شاء المذاكرة في حديث من الأحاديث يطوي الكتاب الذي بين يديه ويرفع رأسه، فيشرع شيخ المجلس في التقرير، فإن أصاب وسلّم له فتح السلطان كتابه وتمادى السّراد على السرد، وإلا ناقشه غيره وأبدى ما لديه، وهكذا إلى أن يتضح الأمر ويرتفع كلّ إشكال، وربّما أرجئ تحرير المسألة إن تفرعت ذيولها إلى الغد، وربما كتب كلّ ما ظهر له فيها». يتبع…
د. محمد شابو









































































PDF 2025

