- من بواكير معالم النهضة الفكرية بالمغرب، ومن أبرز الجهود التي بذلها علماء النخبة المغربية من أبناء الحركة الوطنية إبان عهد الحماية؛ تأسيس مدارس تربوية تُعنى بتربية النشء على القيم الأخلاقية، والتشبث بمقوّمات الهوية الوطنية، وهي المدارس التي اصطُلح على تسميتها حينها ب: “المدارس الحرة” أو: “المدارس القرآنية المتطوّرة”؛ بتسمية محمد بلحسن الوزاني.
2.كانت هذه المدارس في الأصل عبارة عن “المسيد”؛ الكلمة التي تختلج في وجدان أجيال من المغاربة، والتي تعني فيما تعنيه الكُتّاب الذي يؤمه الصغار لحفظ القرٱن الكريم، وتعلم القراءة والكتابة تحت إشراف أستاذ مؤدّب، ويسمّى الدّرّار باستقباله عددا من الذّراري، كما يوضح ذلك المرحوم الأستاذ عبد القادر زمامة في « كلمات من المغرب الأقصى» المنشورة بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، سنة: 1972.
3.يبسط العلامة الأستاذ عبد الله الجراري الحديث عن هذه الكلمة وينبسط في بيان مدلولها وأصلها فيقول: يطلق لفظ المسيد على محلّ تعليم الصّبيان القراءة والكتابة والقرآن، ويلوح في الكلمة أنها منحدرة من مسجد، فأبدلت جيمها ياء بعد نقل حركته إلى السّين كلغة، فقيل: مسيد، ومن مشهور المنظوم:
ثُمّ توضّأ واخْرُجَنْ للمَكتبِ *** وهو المسيد عندنا بالمغربِ
4.هذه الكلمة التي قد تبدو غريبة أو غير مألوفة لدى جيل الألفية الثالثة؛ صنوٌ لكلمة أخرى وهي: “المـــَـحْضَرة”، ويطلق على المتعلم فيها اسم: “المــــَحْضَري”، وملمح المعنى فيها كما يقول علاّمتنا الجراري: «التحضّر والتّمدن؛ بمعنى أنه مكان لتحضير الإنسان وتهذيبه وتربيته تربية لائقة بتعاليم الإسلام ومبادئه الطيبة، ولا بدع، فمنذ عرف الإسلام ورجاله يقومون بتلقين النشء أوّليات العلوم، وفي المقدمة: حفظ القرآن الكريم واستظهاره».
- هذا الملمح الجميل لمعنى كلمة المحضرة وأنها مكان لتلقي مبادئ العلوم الإنسانية والحضارية يشهد له ما أورده محمد بن الطيب القادري في: «نشر المثاني» عند ترجمة أحد المدرسين المدرّرين من القرن الحادي عشر الهجري وهو محمد بن عبد الرحمان القصري، [ ت. 1076هـ]، حيث يقول في شأنه: « الأستاذ المشارك، الفقيه الصالح، مؤدّب الصّبيان، محمد بن عبد الرحمان القصري، قال الحافظ أبو زيد بن عبد القادر الفاسي: دخلت لأقرأ عليه وفي لوحي يومئذ { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكّرون} من سورة القصص، فحفظت عليه القرآن ذلك العام، وحفظته في أول ختمة على التمام، وأنا ابن سبعة أعوام، وبدأت الختمة الأخرى مع الكراريس والأجرومية، ثم أخذت قراءة الألفية والرسالة والمختصر، وما تيسر من التآليف التي لا تحصر» .
- وهو ما يؤكده أيضا العلاّمة سيدي عبد الله كنون في: طنجة النشأة والمقام من «مذكرات غير شخصية» بقوله: «بدأت بقراءة العلم أو قراءة الأوراق كما يقول طلبة البادية، وأنا ما أزال أتردّد إلى الكُتّاب ولا أعني حفظ المتون العلمية، فهذا كان مصاحبا لحفظ القرآن في مرحلته الأخيرة، بل المقصود حضور دروس العلم ودراسة مصنفاته على المشايخ العالمين بها «.
7.عودا على بدء؛ تحمّل أبناء الحركة الوطنية من علماء ووجهاء وتجار، مسؤولياتهم في تجديد وتطوير هذه المؤسسات الحضارية وإصلاح أحوالها بما يتماشى والعصر الحديث، يقول المرحوم محمد بلحسن الوزاني: «في بداية النهضة الشّابة فكّرنا في تأسيس مدارس حرّة تتعلّم فيها النّاشئة أصول الدّين والعربية والعلوم زيادة على القرآن، وذلك بأساليب جديدة كاستعمال الكتب العصرية والسّبّورة والدفاتر، مع تنظيم أوقات الدراسة والعطلة وإجراء الامتحانات، وكان في إحداث المدارس تطور كبير وتجديد أساسي لكتاتيب القرآن (المسيد) ».
8.انتشرت هذه المدارس في كافّة ربوع الوطن، في فاس والدار البيضاء والرباط وسلا وتطوان وطنجة وغيرها من المدن المغربية، كما لقيت تأييدا وتشجيعا من كثير من الآباء في مختلف المدن المغربية، وقد أفاض القول في أسمائها وأسماء المدن التي شُيّد فيها هذا النوع من المدارس الكاتب الأمريكي: جون جيمس ديمس في دراسته:
The free -school movement in morocco: 1919-1970
حركة المدارس الحرة بالمغرب: 1919- 1970.
9.كان الهدف الأبرز من وراء إحداث وتجديد المدارس الحرة بالمغرب حينها المحافظة على القيم الدينية والروحية والوطنية للتلاميذ والناشئة، كما كانت «ردّ فعل مسؤول على عملية اقتحام التعليم الاستعماري بالوسط المغربي، ومحاربة الاستلاب الثقافي الذي شنّه نظام الحماية على المغاربة»، وقد انخرط في هذا المشروع جلّ العلماء ونخبة المجتمع المدني، كما يحدثنا عن تجربته العلاّمة المؤرخ محمد المختار السوسي في «الإلغيات» بقوله: «وتسع مدارس حرّة افتتحت بأيدينا معاشر الأصحاب المتكاتفين».
- ونحن نتحدث عن المدارس الحرة بالمغرب لا ننسى أشهر مدرستين حرتين شُيّدتا في منطقة الشمال، وهي:
أولا: (المدرسة الإسلامية الحرة) التي أسّسها علاّمة وأديب وفقيه طنجة الكبير سيدي عبد الله كنون سنة: 1936م، وهي المدرسة التي ظلت تؤدي رسالتها في تعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم، وتلقين اللّغات الأجنبية، ومبادئ العلوم الأخرى إلى أن تم تسليمها إلى وزارة التربية الوطنية.
ثانيا: (المدرسة الأهلية ) التي ناضل في تأسيسها مؤرخ مدينة تطوان الكبير الفقيه الأستاذ محمد داود، سنة: 1924م وكانت إرهاصات التأسيس والتّشييد أمنية عبر عنها بقوله: “إني منذ رأيت ما قام به إخواننا في عاصمتي فاس والرباط وغيرهما؛ من إنشاء مدارس دينية وعلمية ووطنية؛ هزّتني وأيم الحق أريحيّةٌ اضطربت لها أعصابي، أسفاً على بلدتنا العزيزة التي كانت إذ ذاك محرومة ويا للأسف من مثل تلك المدارس، نعم أسفت، وماذا يغني الأسف لولا فسحة من الأمل في المستقبل القريب مرّت أمام عيني، فصرت أُمنّي النفس بأنّنا سوف نؤسس يحول الله أمثالها، وأحسن منها إن شاء الله”، وكذلك كان.
د. محمد شابو









































































PDF 2025

