1.اتّسمت شخصيّةُ الفقيه العلاّمة المـصلح محمد بن الحسن الحَجْوي [1291هـ-1874م/1376هـ-1956م] بالشّمولية والتكامل في جوانب متعدّدة، وأبعاد مختلفة؛ يظهر أثرُ هذا التكامل جليّاً أثناء سبر غور شخصيّة هذا العَلَم الفريد، والحفر في مسلك التربية التي نشأ عليها، والوقوف على طبيعة التكوين الذي تلّقاه في شبابه، والتّعرف على المــُــؤثِّرين في حياته، ودراسة مؤلّفاته وآثاره، والاطلاع على نوعيّة المهامّ التي أسندت إليه، وتحمّلها كاهله طيلة فترة حياته؛ إذ هو العَالمُ، والفقيهُ، والمــُدَرِّسُ، والسّفيرُ، والموظّفُ، والأمينُ، والتَّاجرُ، والمـُــــزارعُ.
2.يتحدّثُ فقيهنا الحجوي عن مرحلة الطفولة من حياته بمسؤولية ووعي، واستشراف أفق؛ ويعتبرها أساس كلّ المراحل في حياة الإنسان، فنتائجُ النهايات، هي مقدّمة البدايات، ومن كانت بدايتُه محرقة، كانت نهايته مُشرقة؛ يقول رحمه الله: «أذكرُ هذه الحلقة من حياتي، ويعلمُ ما أقصدهُ مِن ذكرها كلُّ من له إلمامٌ بفنّ التراجم، هذه هي الحلقةُ التي يغفلها كثيرٌ من الباحثين والمؤلفين منّا، فتضيعُ يإهمالها أهمّ أطوار حياة الرّجال، ويتعذّر تعليلُ كثير من أحوالهم؛ يأتون في عملهم هذا بالنّتيجة، ويتركون المقدّمات؛ لأنّ حياة الإنسان كلّها إنما هي نتيجة ذلك الطّور القصير، طور الطّفولية، ومرآةٌ ينطبع فيه كلّ أثر تربيته الأولى والمدرسة الأولى».
- 3. يرجعُ فضل هذا التنوع والتكامل في شخصية الفقيه الحجوي إلى أشخاص أثّروا في مسيرة حياته الذّاتية والعلميّة والإصلاحية منذ طفولته وشبابه، وهم: والدُه، وجدّته، وبعض شيوخه وأساتذه، فوالده هو: الحَسن بن العَربي الحجوي [ت.1328هـ/1910م] الفقيهُ التاجرُ الذي يتقن اللغة الإسبانية والإنجليزية؛ يقول عنه: «كان يحضُّني على حفظ القرآن، وأشعار العرب وأمثالها، والأحاديث الصّحاح، والوقائع التاريخية، واستنتاج العبر منها، وتطبيقها على الأحوال الوقتية؛ فكان نِعْمَ الأستاذ»، وفي نفس الوقت كان أبوه يدفع به إلى تكوين شخصيته بمجالسة عموم من يُنتفعُ به؛ « فكان يقول لي: لا تكن قاصراً على الوسط الذي أنت منه؛ أعني طلبة المعهد القَروي؛( القرويين) بل خالط كلّ الطبقات؛ صوفيةً وفقراءَ وتجّاراً، وغيرهم ممن في مخالطتهم اقتباسُ فائدة».
- 4. تأثَّرَ الفقيهُ الحَجوي في طفولته بجدّته من جهة أبيه غاية التأثر؛ فهي القدوةُ التي انطبعت سيرتها في الشّخص الطّفل؛ كانت على قدر كبير من الصّلاح والعبادة والفضل، وقامت على تربيته أحسن قيام، وغرست في نفسه مكارم الأخلاق منذ نعومة أظافره، «والفكرُ فارغٌ من غيرها، فكانت كنقشٍ في حجر»، وقد أبرز مدى تأثير هذه المرأة المسّنة فيه بقوله: «وطالما رغّبَتني في القيام باكراً، وإسباغ الوضوء للصّلاة، والنظافة، وحفظ الثياب، والاعتناء بكتاب الله، والمحافظة على أوقات المـَكْتب، وحُبّ المساكين، ورحمة الضّعيف، وهجر كلّ ما ليس مُستحسن في الدّين، وبثّ رُوح النّشاط في العلم والتعليم…
5.فهي التي غَرسَتْ في قلبي عشق العلم، والهيام بحفظ القرآن العظيم، واعتياد الصّلاة، والارتياض على الدّيانة بحالها ومقالها؛ لِمــَا كانت عليه من صَلاح الأحوال، ومَتَانة الدّين؛ عن علم واعتقاد متين؛ فمرآةُ أخلاقها وأعمالها في الحقيقة أوّل مدرسة ثقفت عواطفي، ونفثت في أفكاري روح الدّين والفضيلة، فلم أشعر إلا وأنا عاشقٌ مغرمٌ بالجدّ والنّشاط، تاركٌ لسفاسف الصّبيان؛ متعوّدٌ على حفظ الوقت ألاّ يذهب إلا في ذلك، شَيّقٌ إلى كلّ تعليم وتهذيب».
6.ثالثُ ثلاثة المؤثرين في شخصيّة الفقيه الحجوي، هم بعض شيوخه وأساتذته، وعلى رأسهم شيخُه الذي حفَّظَهُ القرآن الكريم، وحذَقه على يديه، وهو الفقيهُ المقرئُ: محمد الورياجلي الفاسي، [ت. 1325هـ/1907م]؛ قرأ عليه القرآن كاملاً بقراءة ورشٍ عن نافع، كما يقول عن نفسه في: « مختصر العروة الوثقى»، وقد تحدّث عن شيخه هذا بنَفَسٍ عالٍ، ورُوحٍ مشحونة بالتّأثر، فقال: «والأستاذُ ذو مناقب جمّة، ومقام عظيم، يكفي أن أقول في بعض ما رأيتُ منها؛ أني أُقْسمُ بالله: لقد جلستُ بين يديه سنين؛ ملازماً له في الجلّ من الغَلس إلى المساء، إلاّ الأوقات الضرورية…
7.ما رأيتُه إلاّ في عبادة وطاعة، ولقد أحسن إليّ تعليماً وتهذيباً، وبين يديه أكملتُ حفظ كتاب الله، وكثيراً من بقية المتون، ودرّبني على قواعد الإعراب، وفهم غريب القرآن، وعلّمني كثيراً من ضروريّات العبادة، وألْقَح فكري بالتفكير، وعرّفني عملاً وتخلُّقاً مقدار ما تُساويه مكارمُ الأخلاق؛ مُعزِّزاً لِمــَا كنتُ أُلَّقَنُه في البيت، والله يُثيبُه بأفضل مُثُوبة».
- 8. من أبرز من تأثر بهم الفقيه الحجوي في مسيرته العلمية العلاّمة الفقيه محمد بن التّهامي الوزّاني [ت. 1311هـ]؛ شيخهُ الذي صّدر به عروته الوثقى، وحضر أوّل درس في صحيح الإمام البخاري على يديه، وحلاّه في «الفكر السّامي» ب: «صدر الصّدور الجّلة، وعلمُ أعلام الملّة، ركنُ العلم المحجوج، وبرهانه غير المحجوج،».
- 9. ويعتبره من عوامل وعوامد النهضة في القرويين حينها، ومن تدارك الله به هيكل العلم؛ يتحدّثُ عن شيخه الوزّاني بقوله: «وأوّلُ يوم جلستُ بين يديه كسَاني نورُه، فوجدتُ من نفسي إدراكاً وتحصيلاً لم أجده قبله، فكان ذلك اليوم من أسعد أيّام حياتي، انتقلتُ فيه من طورٍ إلى طور، كأنّي كنت حيواناً فصرتُ إنساناً، أو كنتُ نائماً فأصبحتُ يقظاناً، وأمسيتُ جذلاناً، اتخذتُه عُمدتي، وأعددته عدّتي». يُتبع…
د.محمد شابو









































































PDF 2025


