الأربعاء , 27 أكتوبر 2021

إضاءات على بوادي شمال المغرب: صفحات عن مقاومة القائد الجبلحبيبي الشهيد عبد الملك الخمليشي

( ﺗ 931هـ – 1525م) للاحتلال البرتغالي عهد الدولة الوطاسية حسب ” حوليات أصيلا “ ﻟ ” برناردو رودريغس B. Rodrigues “.

نسعى من خلال مقال اليوم – عبر جريدة الشمال الغراء – إلى التعريف ببعض جهود أشهر فرسان جبل الحبيب والوقوف على بعض نضالاته التحريرية ومقاوماته العسكرية ودرايته الحربية ضد الاحتلال البرتغالي عهد الدولة الوطاسية في القرن السادس عشر الميلادي، في عقده الثالث (1519 – 1525 م)، بقيادة إمارة الرواشد الشفشاونية الممثلة في المولى إبراهيم أحد أكبر قواد الملك الوطاسي محمد البرتغالي، وﺫلك وفق التسلسل الزمني للأحداث حسب شهادة ”برناردو رودريغس“ فيما سطره في حولياته عن أصيلا1. وقد ظهر الحديث عنه وعن أولى أعماله ضد المحتل البرتغالي مسطرة أول مرة عبر ”حوليات أصيلا“ في الكتاب الثاني المخصص للفترة الأولى) 1514 – 1525 م ( من ولاية حاكم أصيلا القبطان الجديد» دون يوحنا كوتينيو «، كوند دو ردوندو « ابتداء من الفصل الثاني عشر عند الصفحة 245 في معرض ﺫكر أحداث سنة ) 925 هـ – 1519 م(، وسيكون لنا معه في هدا المقال وبعده وقفات حول مدينة أصيلا أولا، ومن ثم طنجة وباقي الثغور إن شاء الله2.
من غارات عبد الملك الخمليشي المنظمة على أصيلا المحتلة سنة 925 هـ – 1519 م :
بما أن جبل الحبيب يمتد جغرافيا وراء أصيلا المحتلة فإن قائده الشهم ” عبد الملك الخمليشي “ الدي تولى زمام المقاومة به بعد مقتل قائده «علي الرواس» لم يكن في منأى عن ما يجري لها، ولا كان مغلول الأيدي في معزل عن المواجهة ضد العدو البرتغالي بها، ومن ثم صد هجماته وغاراته وتوغلاته داخل الجبل والقبائل، إﺫ كان يعلم مدى المسؤولية الجسيمة الملاقاة على عاتق قائد لجبل كجبل الحبيب – خاصة – الذي يمثل جوارا جغرافيا مهما وخطرا أمام برتغالي أصيلا وطنحة، ﻓـ «في بداية أمره طارد مراقبيﹾ مطلع «عين القصب»، ولما لم يستطع أسر أي واحد منهما استمر في مطاردتهما إلى حد أنه حينما رغب في الانسحاب وجد نفسه قريبا من أكثر من خمسة عشر فارسا طاردوه بمساعدة الدليل «فرناو مشكرنياش» الموجود آنذاك في تلك الجهة، إلى أن تجاوز «معبر الحمام» وموقع «برﱢيﹾرو»، ولما لاحظ عبد الملك ابتعاد رجالنا عن المدينة قام بهجوم مضاد، وهاجم الموجودين منهم في المقدمة، فقتل اثنين منهم، كان أحدهما رجلا مقداما وكثير الأبناء، يكون دوما في مقدمة الصفوف، وكان يردد أنه ما انتقل من طنجة إلا لمحاربة عبد الملك3، كما قتل رفيقه واستولى على فرسيهما دون أن يتمكن رفاقهما من منعه من دلك، وكان الرجلان من أحسن خيالة أصيلا، ومن أجود المراقبين فيها، وانسحب عبد الملك دون أن يتعرض لأﺫى، مما شجعه على القيام بأعمال أكثر جرأة»4.
وحرص عبد الملك في أكثر من مرة من ذات السنة على أسر «ابنا عم يسميان «أراوجوش» وكانا – بحكم قرابتهما وصداقتهما متزوجين بأختين – مكلفين بحراسة نفس المطلع، ونظرا لحيطتهما ولتوفرهما على أجود خيول أصيلا فقد تمكنا عدة مرات من الإفلات»5.
وفي أواسط سنة ألف وخمسمائة وتسعة عشر «هاجمت مجموعة كبيرة من محاربي القواد من جهة «واد لحلو»»6، وكان عبد الملك يمشي في مقدمة أولائك المحاربين، «ولما لم يتمكنوا من القيام بشيء يذكر انتقلوا الى الشاطئ لمواجهة» روك رفينكا «(…) لكونه كان من مراقبي البادية، وكان مقدما ممتازا، ولما انتبه دلك الرجل لإعلان حالة الاستنفار أقبل رفقة «يوحنا دو سوزا»(…) الذي كان راجلا، ولما شاهدا المسلمين قبالتهم على ضفة الوادي رجع « روك رفينكا « إلى الخلف قاصدا الشاطئ قبل أن يتوغل في أدغال وادي تهدارت، وإن تخلى لهم عن فرسه، (…) أما « يوحنا « فقد ألقى بنفسه في البحر ، وبما أن الأمواج كانت عنيفة وأن الرياح حالت دون توجهه نحو المدينة، فقد اتخد وجهة طنجة، واقتفى المسلمون أثره بالشاطئ الى أن وصل الى «وادي تهدارت « حيث عبر النهر، واختفى حتى الليل ليعود الى المدينة»7.
عبر «عبد الملك» بعدها إلى «جهة العش صحبة بعض مرافقيه، وتوجه صوب البحر حيث شاهد من أعلى الصخرة رجلين يصطادان السمك، فاصطحب معه أربعة أربعة أو خمسة وتمكن من إمساكهما من شعر رأسهما، وبينما كانوا يحاولون ربطهما تمكن أحدهما من الفرار من قبضة المسلم الذي كان يمسك به وترك خصلة في يده وألقى بنفسه أسفل الصخرة أولا، ثم في البحر ثانيا، ورغم أن بعضهم طاردوه سباحة فقد تمكن من النجاة (…)، إلا أن فرسه غنم، التحق المسلمون بعد دلك بفرقهم العسكرية ومعهم أسيرهم الذي كان رجلا طيبا ومحبوبا من قبل الجميع، (…) لدا أرسل «الكوند» من فاوض في شأن تحريره، وأدى عنه أكثر مما دفع أهله، رغم أنه كان ينعم في أصيلا بوضعية مالية مريحة»8.
من غارات عبد الملك الخمليشي المنظمة على أصيلا المحتلة سنة 926 هـ – 1520 م :
ذات يوم شاهد المقدم عبد الملك « عشرين فارسا يخرجون من باب البحر، وبعد أن أحصاهم راقبهم إلى أن وصلوا إلى واد لحلو حيث تواروا عن الانظار، فاعتقد أنهم مغيرون موفدون في مهمة، فتوجه فورا والفرحة تغمره لإشعار ملك فاس بذلك، وبعثه الملك حالا رفقة مائتين من الخيالة للتحكم في كل من واد لحلو ومعبر علي مكيك الواقع بمحاذاته، كما بعث مائتين آخرين رفقة «العلج مارتينو» خال المولى إبراهيم ليلتحقوا عبر السهل بحائط «جورج فييرا» ليتسنى للمجموعتين تطويق رجالنا، وخكدا وصل عبد الملك مختفيا الى «توجالينيو» ليعرف الطريق التي كانوا يسلوكونها، ولما لم يجد لهم أثرا، اقترب أكثر، معتقدا أنهم يسيرون بمحاداة واد لحلو، وسرعان ما أثار الضجيج الذي كان الرجال يحدثونه في النهر انتباهه، فجرى مرافقوه بدون نظام الى أن اقتربوا منهم، فشوهدوا من المدينة وأعلنت حالة الاستنفار، ونفخ في البوق ليتأهب المحاربون للخروج، ولما سمع أولائك الدين كانوا في النهر يسبحون ويغسلون خيلهم طلقة المدفع ودقات الجرس شرعوا في الخروج من الماء، ففوجئوا بالمسلمين وقد اقتربوا كثيرا منهم، وتعذر عليهم أخد ثيابهم أو تسريح خيلهم، واكتفوا بأخذ ألجمتها والفرار عليها، وقد تمكن كثير ممن كانت رماحهم مغروسة في الارض من الدفاع عن أنفسهم»9، «ولم يستول المسلمون في هذه المرة الا على فرس واحد، وعلى أكثر من عشرين سرجا، وألبسة وجزمات، وبعض الرماح التي لم يتمكن أصحابها من أخذها قبل فرارهم»10، وقد كان الفرس11 ذاك من نصيب المولى إبراهيم12.
وفي اليوم التالي كان للمسلمين مناوشات حيث أقبلوا من كل الجهات بعدما خرج إيهم الكوند برجاله، « وكان المولى إبراهيم ومحاربوه [ إد يعتمد على محاربي وفرسان جبل حبيب كثيرا ] وأهل تطوان في الجهة الاخرى من واد لحلو، فبعد أن جانب الحاجز وصل إلى الميدان حيث انتشر رجاله في دلك البسيط الممتد من المدينة حتى تل «فرنا ودا سيلفا»، ثم اجتمعوا من جديد عند القنيطرات»، فأصابتهم بعض القدائف البرتغالية الطائشة.
أقام الملك يومين آخرين في وادي شرقان، «هاجمنا خلالهما عبد الملك من جهة «كورفو»، ووصل حتى «خندق العش» وهو يطارد «بيرو فرنانديش أو طورطو» قبل أن يهاجم رفيقه «إشتيفاو فرنانديش» بجهة القنيطرات ويرغمه على الاحتماء بالحباك، وكان «الكوند» والدليل آنذاك بالجهة الاخرى للحاجز، واجتمع المسلمون من جديد بجهة «كورفو»، ثم سلكوا طريق «بيريرال»، مما جعل بعضنا يهمس بأنه كان يتعين على «الكوند» مهاجمتهم والقضاء عليهم قبل أن يتوصلوا بأية مساعدة، حتى ولو كان رفاقهم في «المطلع الأصهب» أو «كورفو»، وقد أقسم «الكوند» يومداك عدة مرات أنه كان يعلم أن أولئك المسلمين كانوا دون حماية خلفية، وأن عددهم كان قليلا، وأنه فطن إلى أنها كانت مجرد خدعة من عبد الملك، وكان بإمكانه التغلب عليهم لو أنه أرسل ضدهم ثلاثين خيالا قبل عبورهم الوادي»13.
«وعاد عبد الملك لمهاجمتنا خلال اليوم نفسه من جهة «جييشتال»، وأقبل مع سبعة من مرافقيه المشاة من جهة شعبة النبع وهم يزحفون، قبل أن يختفوا في دغل نبع المطلع الاصهب في انتظار وصول أحد مراقبينا للشرب أو جمع الكلاء، ولما توجه أحدهم إلى هناك أسروه، رغم أنه كان من أجود المراقبين، ومن أكثرهم يقظة وحيطة»14 «وفرح عبد الملك كثيرا بنجاح كمينه، خصوصا وقد كلفه مجهودا كبيرا، وخاطر بنفسه في سبيله، كما فرح ملك فاس بأسره لأحد سكان أصيلا، ووهب الملك عبد الملك فرسا كان من أحسن وأخف خيل مملكة فاس»15.
قام عبد الملك بعد ذلك سلسلة الهجمات والغارات، حيث تمكن من أسر أحد المراقبين في إحداها، إذ «نصب له كمينا وطارده إلى أن أوصله إلى معبر علي مكيك»16، كما وفق في إحداها «في أسر أجود المراقبين الذين عرفتهم أصيلا، وهو المسمى «بيرو فرنانديش أو طورطو» «لكن سرعان ما افتداهما من المولى إبراهيم قائد محاربي وفرسان جبل حبيب، حيث يقع الجبل في تراب نفوذه، وقد كانوا يأتونه بالأسرى إلى مقره بمدينة شفشاون.
واستمر عبد الملك في حربه ضدنا هاته السنة، حيث كان «يحاربنا بخبرة كبيرة، وبجرأة وإقدام»17 فقد «ضيق الخناق أكثر وأكثر على المراقبين في طنجة وأصيلا، ولم يكن يمر أسبوع دون أن يأسر واحدا أو اثنين منهم، فقد أصبح ينصب لهم شراكا في الطريق توثق خيلهم وتمنعها من الحركة قبل أن يباغتهم، هو ورجاله ويأسروهم، وتشبه تلك الشراك كثيرا ما يستعمل في البرتغال لصيد الخنزير البري، وقد تمكن بتلك الطريقة من أسر بعض المراقبين في جبل رأس سبارتيل وأصيلا (…)»18، كما «تمكن في أصيلا من قتل مراقبي مطلع حاولا الفرار، وفي طنجة جرح الدليل وأسر نبيلا»19، «مما جعل المراقبين يضاعفون من حيطتهم، ويخشونه كثيرا»20، «وبقدر ما ازداد خوف الناس من عبد الملك تضاعفت رغبة» الكوند «في نصب كمين له، والقضاء عليه، وهو ما لم يتحقق خلال ولايته»21.
هوامش :
(1) تقدم الحوليات مادة علمية أساسية بالنسبة لفترة من تاريخنا المغربي الوطاسي لازال يكتنفها الغموض وتعوزها المصادر رغم خطورتها وانعكاساتها السلبية على تطور بلادنا اللاحق، فهي لا تؤرخ لثغر أصيلا وحسب، بل تزخر بالمعلومات عن « مملكة فاس « كلها خلال النصف الأول من القرن السادس عشر، وتسلط أضواء كاشفة عن علاقة ذلك الثغر بما كان يحيط به من مناطق.
(2) كان البرتغاليون يتحكمون قبل تحصين مدينة المعمورة « المهدية « سنة 1515 م في ثمانية ثغور بالساحل الافريقي هي : سبتة 1415 م، القصر الصغير 1458 م، أصيلا وطنجة 1471 م، وأكادير 1505 م، وآسفي 1508 م، وأزمور 1513 م ومازيغن 1514 م، وحررت مكدور « الصويرة « سنة 1510 م.
(3) لا حظنا كيف أن المؤلف قال عن عبد الملك : « في بداية أمره «، وأن الحادثة هاته من بداية عبد الملك، ثم كيف قال عن رجل أنه كان : « مقداما، ويكون دوما في مقدمة الصفوف، وكان يردد أنه ما انتقل من طنجة إلا لمحاربة عبد الملك «، أوليس يدل هدا على أن من وصفه بالمقدام كان يعلم جيدا خطورة عبد الملك، وأنه رغب بملاقته بسبب خطوراته المتكررة، وهل كان سيدرك خطورة عبد الملك ببدايته الوحيدة هاته، بالطبع لا، لكن من الممكن أن يدركها من خلال « بداياته « لا بدايته، أي من خلال مجموعة من الاحداث قام بها أثناء بداياته، ومن هنا كان على المؤلف أن يقول : بداياته، أو أن المؤلف نسي التسلسل الزمني للاحداث، أو أن ترجمة « أحمد بوشرب « أخلت بالمعنى الدي قصده المؤلف، وعلى الاغلب أن المؤلف نسي التسلل الزمني للأحداث حيث أن هناك ما يشهد لدلك كثيرا من أخطاء وقع فيها، ثم هناك ما يشهد أيضا في هاته الحادثة وهي قوله بعد استيلاء عبد الملك على الفرسين: «كما قتل رفيقه واستولى على فرسيهما دون أن يتمكن رفاقهما من منعه»، دون أن يجد أي ردة فعل شجاعة من قبل « « أكثر من خمسة عشر فارسا طاردوه »، وفي هذا دلالة واضحة على أن عبد الملك في هاته الحادثة كان قد اشتهر أمره وصيته كثيرا وصار مهابا لدى البرتغاليين يعرفون قدره، فلم يجرؤ أحد على الاقتراب منه أو مطاردته، زيادة على أن من أسقطهما عبد الملك كانا «من أحس خيالة أصيلا، ومن أجود المراقبين فيها » ومن هذا حالهما لا يقتلان الا على يد شجاع مقدام يضرب له ألف حساب، شخص لديه القدرة على القتل والاستيلاء على الفرسين أمام أنظار أعدائه وهم يشاهدون بأم أعينهم، ثم ينسحب دون أن يتعرض لأذى، فهل يقوم بهذا شخص في بدايته، لا .
(4) حوليات أصيلا ( 1508 – 1535 م ) ( مملكة فاس من خلال شهادة برتغالي )، برناردو رودريغس B. Rodrigues، تعريب الدكتور : أحمد بوشرب / دار الثقافة، الطبعة الأولى 2007 م، ص : 255
(5) نفسه، ص 256
(6) نفسه، ص 260
(7) نفسه، ص 260 – 261
(8) نفسه، ص 261
(9) نفسه، ص 267 – 268
(10) نفسه، ص 269
(11) كانت أفراس البرتغاليين تعلف بقمح مالقة الذي كان الملك البرتغالي يزود به الثغور السبعة الموجودة بساحل المغرب بواسطة وكلائه في الاندلس، والمتوفر عادة في مخازن الحبوب . انظر صفحتي 273 – 274 من نفس الكتاب.
(12) حوليات أصيلا، نفسه، ص 271
(13) نفسه، ص 270
(14) نفسه، ص 271
(15) نفسه، ص 271
(16) نفسه، ص 271
(17) نفسه، ص 272
(18) اختصار آخر من أحمد بوشرب قد ضيع علينا فرصة معرفة الكثير عن أعمال عبد الملك
(19) حوليات أصيلا، ص 272
(20) نفسه، ص 272
(21) نفسه، ص 272

 

 

محمد أخديم 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

المكتبة العامة بتطوان كما عرفتها ‪-‬ 3 ‪-‬

وقد تذاكرنا عن كيفية الحصول على صور لهذه المخطوطات العربية والعبرية، فتبين أن ذلك ممكن …

جبل الحبيب في” حوليات أصيلا “ ﻟبرناردو رودرﻳﮝس

صفحات عن مقاومة القائد الجبلحبيبي الشهيد عبد الملك الخمليشي للاحتلال البرتغالي ( ﺗ 1519 ه …

دار الثقافة

دار أنيقة فسيحة  تقع بالحي المدرسي بتطوان، احتضنت قاعتها الكبرى وملحقاتها أنشطة ثقافية متنوعة (محاضرات، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: