البحث في تاريخ شمال المغرب – حصيلة سنة 2020 في ظل الجائحة

شكلت سنة 2020 محطة استثنائية في تاريخ البشرية، إذ حملت الكثير من البياضات على مستوى التراكمات الثقافية والفكرية والإبداعية لمجموع أمم العالم. كانت جائحة كوفيد 19 كارثة حقيقية مست الجميع، بالنظر لحجم الارتدادات العميقة التي حملتها، ليس فقط على مستوى سقوط الآلاف من الضحايا، ولا كذلك على مستوى المآزق الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذه الكارثة، ولكن –أساسا- على مستوى تبعات “عجز” العلم الحديث عن مواجهة الكارثة وعن ابتكار آليات طبية قادرة على الحد من مخاطر الوباء وعلى حصر امتداده وتأثيره. لذلك، عرف/ويعرف العالم مدا لحالة اللايقين المرتبطة بفقدان الثقة في العلم وفي التكنولوجيا وفي الطب الحديث، بل وفي مستقبل تجانس مجموعة كبيرة من المنظومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المهيمنة عالميا. لم يعد العالم مطمئنا ليقينياته، ولم تعد الدول تثق في تباشير التكنولوجيا، ولم يعد الفرد يجد ذاته في تمظهرات الانتماء الجماعي والمصير المشترك. فكان طبيعيا أن يعود مد الفردانية جارفا لاكتساح أنساق التفكير ونظم إنتاج المعارف والعلوم والآداب والفنون…

وفي المغرب، حملت التطورات ارتدادات جمة على حقل تلقي المعارف والعلوم، فدخلت آليات تعميم المعرفة التاريخية موجة من الكمون المستدام، حيث تقلصت الإصدارات إلى حد كبير، وتراجع مجال العطاء الأكاديمي المتخصص، وتراجعت آليات تبليغ المعارف التاريخية مثل الندوات والبرامج السمعية البصرية والدوريات المتخصصة. واتضح أن البحث التاريخي أضحى واحدا من بين ضحايا الحجر الصحي الذي طال حقل الإنتاج العلمي بعد أن فرض عليه توقفا اضطراريا جعل الكثير من المشاريع العلمية المرتبطة بالبحث التاريخي تنحو نحو الانتظار ونحو التأجيل. وبطبيعة الحال، فقد عانت منطقة الشمال من نفس الوقع، بعد أن تحول إشعاع مراكزها الحضارية إلى ذكرى لاستيهامات نوسطالجية تربط بؤس الحاضر بإشراقات الأمس التي صنعها رواد الكتابة التاريخية بمنطقة الشمال، من أمثال محمد داود، والتهامي الوزاني، وأحمد الرهوني، وزكاها جيل الاستمرارية من أمثال محمد ابن عزوز حكيم، وعبد العزيز التمسماني خلوق، ومحمد الأمين البزاز. ونتيجة لهذا الوضع الاستثنائي، جاءت الإصدارات في شكل استثناءات محدودة لم تستطع تحقيق التراكم المعرفي الذي كان من المفروض أن يعيد ربط الصلة بتجارب التأسيس والإبداع، سواء على مستوى الاجتهادات الفردية والأطاريح الجامعية، أم على مستوى الإصدارات المتخصصة، أم على مستوى التجارب الجمعوية، أم على مستوى التوثيق السمعي البصري والأنشطة المرتبط به.

ومع ذلك، فقد برزت أصوات سعت إلى تحدي الجائحة، رافعة صوت العطاء التاريخي، وخاصة داخل إطارات جمعوية مبادرة، وعلى رأسها مؤسسة الشهيد امحمد أحمد بن عبود بتطوان، ومؤسسة عبد الخالق الطريس للتربية والثقافة والعلوم، وجمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير،… كما برزت إنتاجات متفرقة داخل مؤسسات رسمية موازية، وعلى رأسها المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير. وفي جميع الحالات، ظلت المبادرة في يد باحثين متفردين، موزعين عبر أقاصي الجهة، اعتمدوا على إمكانياتهم الذاتية لتخصيب تجاربهم ولتطوير اهتماماتهم ولتعميم نتائج تنقيباتهم، مثلما هو الحال مع الأساتذة رشيد العفاقي، وحسناء داود، ومحمد أخريف، عبد العزيز السعود، ومحمد الحبيب الحراز،…

وجدير بالتذكير، أنه إذا كنا قد تغافلنا عن ذكر بعض العناوين والإصدارات والأعمال، فإن ذلك لا يرتبط -بأي حال من الأحوال– بأي نية مبيتة للإقصاء أو للتغييب. فالأمر ناتج –أساسا– عن محدودية اطلاعنا وعن عجزنا عن تحقيق –فرديا– عمل شامل، يتتبع كل التفاصيل ويرصد كل ما يستجد في الموضوع من أعمال ومنجزات قد تنفلت من بين أيدينا.

تتوزع أهم إصدارات سنة 2020 حسب ما استطعنا حصره بهذا الخصوص، على الشكل التالي:

1 – أعمال قطاعية ومونوغرافية :

تعزز هذا المجال بصدور أعمال متخصصة وأخرى عامة برزت على هامش اهتمامات علمية تجاور حقل التاريخ، فجاءت متباينة في آفاقها العلمية وفي استجابتها لشروط التحديد العلمي المنهجي والمعرفي المتعارف عليها. على رأس هذه العناوين، يمكن أن نذكر:

ـ إدريس بوهليلة، مؤتمر المغرب العربي المنعقد بالقاهرة من 15 إلى 22 فبراير 1947، منشورات مؤسسة الشهيد امحمد أحمد بنعبود.

ـ نضار الأندلسي، تطوان بين المغرب والأندلس- تشكيل مجتمع مغربي أندلسي في القرنين 16 و17م.

-Mustapha Adila, Marruecos y Espana- Historia, patrimonio e hispanismo, 2020.

ـ بلال الداهية (تقديم وتعليق)، تنبيه ذوي الألباب- لمحمد بن عبد العزيز الموفق الثعالبي- تطوان بين آل لوقش وآل الريفي في النصف الأول من القرن الثامن عشر.

ـ محمد المهدي علوش، الريف من أتون القبيلة إلى الوعي بالهوية.

ـ محمد الشريف ومحمد ياسين الهبطي (تنسيق)، نشاط الحركة الوطنية المغاربية في المشرق العربي (1945-1949)، منشورات مؤسسة الشهيد امحمد أحمد بن عبود.

ـ بلال الداهية، معجم الأماكن التاريخية في تطوان.

ـ محمد الخطيب، الحركة الوطنية في شمال المغرب، مراجعة وإعداد محمد العربي المساري ومحمد معروف الدفالي.

ـ محمد أخريف، القصر الكبير: معطيات تاريخية وثقافية، بلدية القصر الكبير.

ـ ياسين جواد، اتحادية قبائل  صنهاجة السراير والمقاومة المسلحة بالريف (1909-1927)، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.

ـ حسناء داود، الرسائل المتبادلة بين الأمير شكيب أرسلان والأستاذ محمد داود (1930-1939)، منشورات مؤسسة الشهيد امحمد أحمد بن عبود.

ـ عبد العزيز السعود، مشروع الثورة الوطنية لتحرير المغرب سنة 1940 (تقرير عبد الخالق الطريس ومذكرة التهامي الوزاني)، منشورات مؤسسة الشهيد امحمد أحمد بن عبود.

ـ بوبكر بوهادي، المغرب والحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939).

ـ جماعي، المقاومة والحركة الوطنية في شمال المغرب (1909- 1956)، منشورات مؤسسة الخالق الطريس للتربية والثقافة والعلوم.

ـ مصطفى الغازي، من تاريخ الشطرنج الوطني- تطوان عاصمة الشطرنج المغربي، منشورات مؤسسة الشهيد امحمد أحمد بن عبود.

ـ محسن الندوي، الصحافة المحلية بالمغرب- تطوان نموذجا: مقاربة تاريخية.

ـ التهامي الوزاني، القصر الكبير بين المغرب والأندلس، دراسة وضبط وتعليق لعزيز الحساني، منشورات مركز القصر الكبير لتدبير التراث الثقافي.

ـ عاهد ازحيمي، تصور النخبة المثقفة بمنطقة الحماية الإسبانية لمشروع النهضة الوطنية (1913-1936)، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.

ـ أبو صهيب محمد أثار، سلسلة تراث غمارة من أعلام قبيلة بني زجل الغمارية، ج.1.

ـ محمد الحبيب الخراز (إنجاز وتحقيق)، الذاكرة التاريخية والوطنية لضحايا الحرب الأهلية الإسبانية من خلال الوثائق العدلية المغربية، جزآن.

ـ محمد الحبيب الخراز، تاريخ مدينة مرتيل، جزآن.

2 ـ دوريات متخصصة :

استمرت حالة التردي الخطير مهيمنة على هذا المجال، بالنظر لحجم الفراغ الرهيب الذي خلفه رحيل كل من عبد العزيز التمسماني خلوق ومحمد الأمين البزاز ومحمد بن عزوز حكيم، وهم الأعلام الذين كان لهم الدور المركزي في تخصيب حقل تلقي المعرفة التاريخية، من خلال منابر ودوريات علمية أعطت للشمال إشعاعه العلمي والثقافي الرائد، مثلما هو الحال مع دورية “دار النيابة” ومجلة “الطنجيون” ومجلة “الوثائق الوطنية”…

3 – الترجمة :

لازال عطاء حقل الترجمة المرتبط بفضاءات حقل التاريخ يعرف خطوات محدودة، لا تستجيب لانتظارات المؤرخين المتخصصين. ومع ذلك، فإن رصيد منجز سنة 2020، يقدم قيمة مضافة لرصيد العمل الأكاديمي المنفتح على خصوبة فعل الترجمة وعلى عوالمها الرحبة. من أهم هذه الأعمال:

ـ دافيد لوبش، التوسع البرتغالي في المغرب، ترجمة: عثمان المنصوري.

ـ فنسنت شيبن، أمريكي بين الريفيين- رحلة مراسل “شيكاغو تريبيون” في شمال المغرب (1925)، ترجمة: محمد الداودي.

ـ كيروش فيلوزو، معركة القصر الكبير، ترجمة عثمان المنصوري، منشورات جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير.

4 ـ ندوات علمية :

عرفت سنة 2020 تنظيم ندوات علمية محدودة، تأثرا بظروف الحجر الصحي وبتبعات البروتوكول الوقائي، إذ انعقدت عن بعد ولم تستطع الاستجابة –عموما- لانتظارات الباحثين والمهتمين. على رأس هذه الندوات:

ـ ندوة: التراث العمراني والمعماري لمدن جهة طنجة تطوان الحسيمة: إشكاليات الحفاظ ورد الاعتبار، تنظيم: نادي تطاون أسمير لأصدقاء اليونيسكو،  تطوان 8 يونيو.

ـ ندوة: المفسر الكبير الإصلاحي الكبير عبد الوهاب لوقش التطواني الأندلسي، تنظيم: جمعية تطاون أسمير والجمعية المغربية للدراسات الأندلسية ، تطوان 12 يونيو.

ـ ندوة: أحداث الحركة الوطنية المغربية في شمال المغرب خلال الأربعينيات، تنظيم: مؤسسة الشهيد امحمد أحمد بن عبود، تطوان 23 يونيو.

ـ ندوة: المجتمع المدني المغربي وقضية ترميم المدن العتيقة ومآثرها التاريخية، تنظيم: جمعية تطاون أسمير، تطوان 6 يوليوز.

5 – مذكرات وسير الأعلام :

لازالت الإصدارات المرتبطة بهذا المجال محدودة إلى حد كبير، ومن أبرز ما صدر بهذا الخصوص سنة 2020، نذكر :

ـ منتصر الخطيب، الأستاذ إسماعيل الخطيب: بين نوري الكتاب والسنة.

ـ محمد مصطفى الريسوني (إعداد)، الظل الوريف في تأبين من هو أحق بكل تشريف- وقائع تأبين الأستاذ عبد الصمد العشاب، منشورات مؤسسة عبد الله كنون للثقافة والبحث العلمي.

ـ يونس السباح، من أعلام شمال المغرب: العالم المفسر عبد الوهاب لوقش الأندلسي التطواني ثم الطنجي (ت. 1341ه)- حياته وآثاره.

 

6ـ أطاريح جامعية:

عرف هذا المجال نضوبا واضحا بفعل ارتدادات وضعية الحجر الصحي، إذ لم تقدم إلا أعداد محدودة جدا من أطاريح شهادة الدكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، وعلى راسها:

ـ محمد عزيز الطويل، طنجة تحت الاحتلال الإسباني (1940-1945).

ـ سليمان الهرفوف، الرياضة والتربية الرياضية في مغرب الحماية الإسبانية (1912-1956)- أنموذج تطوان.

 

7ـ التاريخ الثقافي المعاصر :

أصبح حقل التاريخ الثقافي يثير اهتماما متزايدا لدى رواد “التاريخ الجديد”، خاصة مع تزايد الوعي بأهمية العمل على مستوى البحث في تاريخ الذهنيات المحلية وتعبيراتها الرمزية المتعددة، وتوظيفاتها الإبداعية المتشعبة. وعلى رأس ما صدر بهذا الخصوص، نذكر :

ـ عبد الكريم خباش، الأسطورة الأمازيغية في الأدب الأمازيغي الريفي المكتوب، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

ومع كل هذا التراكم المحدود كميا ونوعيا، يبدو أن جائحة كوفيد 19 قد استطاعت رسم معالم القتامة التي أرخت بظلالها على الجميع، باحثين ومؤرخين ومؤسسات رسمية ومدنية. نتمنى أن تحمل سنة 2021 ما يمكن أن يمسح حالة الانكماش المعرفي الحالي، في أفق توفير الأرضية الصلبة لتطوير الدرس التاريخي المتخصص في إبدالات واقع منطقة الشمال، بين الأمس واليوم.

 

أسامة الزكاري.

عن Romaisae

شاهد أيضاً

“التوسع البرتغالي في المغرب”

حظيت ظاهرة الغزو الإيبيري التي ضربت بلادنا خلال مطلع العصور الحديثة باهتمام متزايد لدى قطاعات …

عودة مفقود اختفى منذ عقود: «دليل الحج والسياحة»

ذكريات شامية وتنويه بالانتداب ولا تخلو رحلة الهواري إلى الشام، وهوفي طريق العودة إلى المغرب، …

“الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال”

صدر كتاب “الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال (1912-1956)” لمؤلفه الأستاذ إدريس خليفة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: