التشغيل أو مشكلة الباب الأساسي للكرامة..

أتذكر، و أنا في سنواتي الأولى للجامعة في النصف الثاني من الثمانينات، بروز الشرارات الأولى لأزمة التشغيل وسط حاملي الشهادات التي تزامنت مع شد الحزام الذي هيمن زمن الإصلاح الهيكلي؛ وقد تجسدت هذه الأزمة في اختلال التوازن بين عدد  خريجي الجامعات (كليات الآداب والعلوم الإنسانية على وجه التحديد) و عدد المناصب في القطاع العام، خاصة في التعليم.

قبل هذه المرحلة كان التشغيل يتم بشكل سلس و شبه طبيعي إثر التخرج من الجامعة سواء عن طريق الخدمة المدنية أو المباريات المتنوعة التي تفتح في وجه الخريجين أو بطرق مباشرة، لكن بعد اختلال التوازن شكل تراكم أعداد العاطلين من حاملي الشهادات مصدر قلق و عامل ضغط بالنسبة لأصحاب القرار؛ وهو الوضع الذي تفتق عنه إحداث المجلس الوطني للشباب والمستقبل و حملته الشهيرة للتشغيل في سنة 1991.

و بالموازاة مع ما قامت به الدولة،  أسست الجمعية الوطنية لحاملي الشهادات المعطلين لتعلن أن ما تم القيام به وتحقيقه، ظرفيا،  في مجال التشغيل ليس كافيا، وبالتالي فإن أزمة التشغيل لا زالت قائمة؛ تجثم  على صدور الآلاف من الشباب المتعلمين وأسرهم، بل إن الجمعية الوطنية، بالإضافة إلى انتقاداتها اللاذعة لما يشوب عملية التشغيل من نواقص و اختلالات تهم بالأخص المساواة وتكافؤ الفرص و مركزية الشغل إلخ، أعادت أزمة التشغيل البنيوية إلى جذرها” الحقيقي” الكامن في طبيعة الاختيارات الاقتصادية و الاجتماعية…

و بالرغم من الانفراج النسبي الذي أعقب حملة التشغيل الكبيرة، خاصة في الجماعات الترابية، فإن وتيرة تراكم أعداد العاطلين لم تتوقف عن الارتفاع، ولم يكن من حل جذري لها إلا فتح الباب بشكل دوري للتوظيف في القطاع العام بهدف امتصاص الغضب و الإبقاء على باب الأمل مفتوحا في وجه جيش عرمرم من الشباب خريجي الجامعات و بعض المعاهد والمدارس..

إن الرجة الشديدة التي أحدثتها شروط قبول الأساتذة المتعاقدين هذه السنة و ما خلفته من استياء عميق من خريجي الجامعات، والمنتمين بشكل خاص إلى الفئات الشعبية و الوسطى، لدليل ساطع على أن الأزمة لا تزال مستمرة، و أن مسألة التشغيل ليست مسألة جزئية و إنما هي مرتبطة باختيارات و سياسات، وكذا بضعف النسيج الاقتصادي،  والنمو غير القادر على استيعاب الآلاف من المؤهلين و الباحثين عن الشغل، كما أنها مرتبطة بضعف الاستثمارات المدرة لفرص الشغل القارة أو على الأقل الشغل الضامن للكرامة والاستقرار.

نعم. إن مسألة التكوين لها ارتباط بمسألة التشغيل، لكن إذا ظللنا في هذا المستوى لن نبرح مكاننا؛ ذلك أن مقاربة مسألة التشغيل ينبغي أن تتم من زاوية جودة التكوين النظري والتطبيقي، ثم من زاوية جودة سياسة التشغيل المرتبطة بالتنظيم و الشفافية و تكافؤ الفرص و فتح الباب أمام التدريب الجدي، ثم من زاوية التشجيع على المبادرة والخلق والاستثمار، وكذا تقوية الحماية الاجتماعية في مجال الشغل، و أخيرا الانفتاح على سوق الشغل العالمي لكي تستفيد من عروضه بعض الكفاءات كما هو جاري به العمل في كل البلدان..

و من البديهي أنه ليس من دولة في العالم يمكن أن تضمن الشغل مائة في المائة لطالبيه، إذ يبقى سوق الشغل متحركا و ديناميكيا و مرنا، و بالتالي فإن هامش البطالة  الذي لا يمكن استيعابه والذي يجب أن لا يتعدى نسبا مقبولة من رقم واحد،  يتم معالجته من خلال التضامن الاجتماعي المتمثل في الحماية الاجتماعية الصحيحة والشاملة، وغيرها من أشكال التضامن الدولتية والمدنية..

إن أزمة التشغيل عامة و تشغيل حاملي الشهادات الجامعية خاصة ليست وليدة اليوم، وإنما هي أزمة بنيوية، كما أسلفنا القول، لذلك فمن الحكمة أن تحتل سياسة التشغيل موقعا مركزيا في السياسات العمومية في ارتباطها بالاختيارات الكبرى لأي بلد، ذلك لأن قيمة الشغل توازي قيمة الكرامة اجتماعيا، كما أن الشغل هو خالق للثروة بشريا (الرأسمال البشري أو الموارد البشرية) و ماديا (التنمية و الإنتاج والنمو..)، بالإضافة إلى أنه عامل من عوامل الاستقرار والتلاحم الاجتماعي، و باعث على قيم المواطنة و ترسيخ التوجه نحو دولة الحقوق و الديموقراطية و الرخاء..

إن المرحلة الحالية بما هي مرحلة انتقالية، لا يمكن أن تنجح بالتقييد التام للولوج إلى فرص الشغل، و إنما من الإنصاف أن تتميز بتنويع هذه الفرص لتكون ذات جاذبية لمختلف الكفاءات ومستوياتها، كما أنه من المجدي أن تتميز بطرح بدائل حقيقة و ناجعة لا تسد الباب في وجه أحد، في انتظار انتظام سوق الشغل و توازنه المطلوب..

 

عبد الحي مفتاح          

          

 

 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

مضت سنة.. فهل يجبر العام الجديد أضرارها؟

مضت سنة 2021 بعناوينها غير المريحة : l ارتفاع معاناة المواطنين اقتصاديا ونفسيا نتيجة بعض …

بعد إغلاق باب سبتة..؟ !

في حديث مع صديق بمدينة تطوان له دراية بشؤون ثغر سبتة المحتل وله اطلاع على …

بحلوه ومره: 365 يوما مضى ..

عرفت الساحة الوطنية خلال سنة 2021 أحداثا ستبقى خالدة، فمنها ما سيسجلها ضمير التاريخ ضمن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: