- أنوار إلهية:
– الأمراني:
ا- حدثني شيخٌ ما كنتُ لأتهمه
أن قطار الشرق سيعبُر قريتنا
يركبه فتيان قد صدقوا
من لم يركب معهم يدركْه الغرق
تاجهم الخوف وزادهم التقوى
ومنابرهم قد رفعت من نور
قلت: فزدني
-لا تُرسلْ حبلَ هواك
واسجدْ للنور
بهياكله كن معتصما
وتزود يا مغرور
-زدني
-إن أنت وصلت القلب
بأستار مقام النور كفاك([1])
ب- ولكن دونك…ما أعظم الوزر
هذا فؤادي
يهاجر.. يسعى إليك
كأني إلى العرش أنظر
نادى مناد:
أتخشى احتراقا
إذا ما اقتربت من النور
أم أنت ترجو اختراقا؟([2])
ج- أيها الدرويش ما أنت؟
تراب في تراب
ها رحاب النور تدعوك إليها
فاحترق تخترق
إنه الحق تجلى من وراء الحجب
والناس نيام([3])
د- أدعوكَ إني ظامئ
أنا ظامئ للنور، للنور العظيم
أسعى إليكَ فضمني
يا أيها النور الكريم وغطني
يا أيها الروح العظيم فشق صدري
شق صدري
وإذا أبيت فشق قبري
شق قبري
قد عيل صبري
وظمئت للنور العظيم([4])
هـ- تخرج من دفاتري عصفورة خضراء
تفتح لي دربا إلى مملكة الله
فيهمي النور في الأعضاء
أدخل في الإسراء:
تمر بي عبر المدن الحمراء
والبيضاء
والخضراء
فلا أرى غير شريط داكن
يدجن الرجال والنساء([5])
و- آهٍ يا جسدا عانق الطين عضوا فعضوا
وروحا تسامق للنور حبا ونجوى([6])
ز- يعرج بي صوتك حين ينادي
في شهر المعراج
يغمسني في النور الوهاج
ومضت تسرح في بستانك اليوم غزاله
يا أسير النور
فاحمل كأس أنوارك
واشربي للثماله([7])
ح- كان صنعانُ على سَجّادة النور يصلي
وبكى العاشق والدمع بعينيه حجر:
هذه الخرقة كانت دون أنوارك سترا وحجابا
فاشهدي
أخلعها الآن
وأعدو نحو محرابك كالمجذوب.
صار صنعان على سجادة القلب يصلي
ويذيب الروح في نور التجلي
ويمد الصوت نحو الله: كن أمني وزادي([8])
-بنعمارة:
ا- نحن معا نتجاوز عمر الزمن ونمضي
كالفراشات يدثرنا النور([9])
ب- أيهما أقوى
من ينحت ملك محبته ويحرسه النور([10])
– الرباوي:
ا- قد تغيب العمر عن طفلتك المعسولة العينين
فامنع حبها القتال أن يحجب عنك الشمس
واجعله حصانا يوصل الركب إلى نور السماء
فقد اخترت الطريق الصعب فاصمد
لست في الدرب وحيدا
دربك اليوم مليء بألوف الشهداء([11])
ب- رب اجعل هذا الجسد المتوتر في مأمن
وارزق هذا القلب سلالا من نورك([12])
ج- هم دُعوا في سهل حِطين إلى مملكة من تحتها
الأنهار تجري، عرضها الأنوار والأطيار، ها هم
أرقلوا اليوم إليها مثل إرقال البعير الْمُصعَب([13])
د- آهٍ. حبيبي ما زلتُ فراشة
يجذب هذي الذاتَ إلى حضرته النورُ
القهار، فيلتصق الجمر العذب بأجنحتي
المصنوعة من الصلصال الفاخر
يلتصق الجمر، ولكن ما زلت أطير
إلى حيث النور الجبار([14])
هـ- أنت قريب يا رب ولكن عنا أبعدك الحكام الفجارُ
حين تأجج نورك فينا كان الفاروق ونحن الأنصار
سبحانك ربي ما بعُدت أنوارك، لكن جرفتنا الأنهار
لم نرفع يا رب يدينا طلبا عونك، لكن بهما نحن نحتنا
أحجارا فاستعبدتنا الأحجارُ
سبحانك ربي
تقدر أن تدرك هذا البحار بأنوارك
…يا ظبية تحرق قرنيها شموس هذه البيداء
كوني إلى النور دليلي،كم إلى حضرته سعيت علني
أغوص في بنفسج الفناء
لكم سعيت ما احترقت كالفراش…([15])
1-الأمراني:
ا- ينشئ الأمراني في نموذجه(ا) حوارا بينه وبين شيخ يحدثه عن اقتراب الفترة التي سيشهد فيها التاريخ مجيء رجال مؤمنين أشداء شبيهين بالمؤمنين الأوائل الذين قال عنهم عز وجل، وهي الآية التي اقتبسها الشاعر في هذا النموذج: ]من المؤمنين رجال صدَقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا[([16])، كما يقتبس من الحديث الشريف صورة منابر النور التي يرفعها الله تعالى للمقسطين والمتحابين فيه؛ قال r: «إن المقسطين عند الله على منابرَ من نور عن يمين الرحمن عز وجل»([17]). فهذا النور الإلهي هو الذي يدعو هذا الشيخُ الشاعر ليسجد له باعتباره رمزا أو حجابا للذات الإلهية، إلا أنه يحترس في وصيته فينصح الشاعر بأن يكون معتصما في نفس الوقت بهياكل النور؛ وألا يغتر بفكرة الفناء الصوفية لأن الإنسان هيكل أو جسد وروح. فكفى الشاعرَ كما يقول الشيخ أن يتعلق بأستار مقام النور محافظا بذلك على ضآلته وضعفه لا أن يسعى إلى الاتحاد أو يدعيه. ونجد الشاعر شديد الإلحاح على فكرة التخلص من العوالق الحسية وهو نوع من الفناء الجزئي، الذي يسعى إليه بثلاث طرق في نماذجه الأخرى (ب-ج-د-ح): الطريقة الأولى هي طريقة الاحتراق مثل الفراش وتتجلى في النموذجين(ب-ج) حيث يتمنى الشاعر التخلص من الجسد عبر ارتمائه في أحضان الأنوار الإلهية. أما الطريقة الثانية فطريقة بسيطة مباشرة يدعو فيها الشاعر النور العظيم، ويقصد الله تعالى، أن يشق صدره ويغسله من أدرانه أو أن يشق قبره حتى يلقاه. والطريقة الثالثة في النموذج(ح)؛ يتم الفناء في النور عبر تخلص الشيخ صنعان من سجادة النور التي يعتبرها خرقة حائلة بينه وبين الصلاة في محراب القلب، وبينه وبين إذابة القلب مباشرة في النور الإلهي. أما في النموذج(هـ) فإن النور الإلهي هو الذي يَهْمِي في أعضاء الشاعر فيجعله يطير في السماء على طريقة الصوفية الذين يتخيلون أن «قد تحملهم هذه الأنوار فيمشون على الماء والهواء»([18]). والشاعر هنا يدخل في الإسراء لينظر من فوق إلى ربوع العالم فلم ير غير وضع واحد سائد هو التردي والانهيار؛ فالنور بالإضافة إلى رفع الشاعر إلى السماء، يمنحه قوة البصيرة ليرى الأشياء على حقيقتها. لأن الواقع الذي يصنعه الإعلام يوهم بأن هنالك فرقا بين بلد وآخر من حيث التقدم والعدل والشورى…؛ يوهم باختلاف الألوان، على حد تعبير الشاعر، بينما الحقيقة هي أن اللون الداكن هو وحده المالئ للرحب في هذه الأرض الخراب. وهكذا يمزج الأمراني في هذا المثال بين الذاتي والموضوعي.
ويستعمل بنعمارة “النور” في نموذجيه(ا-ب) للدلالة على النور الإلهي؛ في النموذج (ا) يذكر الفناء على طريقة احتراق الفراش وقد استعملها الشعراء ثلاثتهم([19]). أما في نموذجه(ب) فيرى الشاعر بأنه (مثل الأمراني) يسمو على الفضاء العادي ويرتقي فوق السحاب حيث يحرسه النور الإلهي.
أما الرباوي فيحث الذات في النموذج (ا) على جعل حبه لابنته عاملا مساعدا للسمو إلى النور لا عامل إحباط؛ مستأنسا في ذلك بألوف الشهداء الذين تسامت أرواحهم إلى نور السماء، وإذا كان من المطلوب من الشاعر أن يجدّ للصعود إلى هذا النور فإنه في كثير من الأحيان يذكر إمكان نزول النور الإلهي ليغشى قلوب البشر كما في النموذج (ب) حين يدعو الله تعالى أن يرزقه “سلالا” من نوره، وكما في النموذج (هـ) حيث يرجع قوة المسلمين في صدر الإسلام إلى تأجج النور فيهم، ويعلل مظاهر انهيارهم الحالي ببعدهم هم عن هذا النور واحتمائهم بأحجار المادة. والشاعر المحترق أسى على هذا الوضع يطلب النجاة لنفسه ويهفو إلى الاحتراق كالفراش في النور ليغوص في “بنفسج الفناء” ويتحسر أن لم يتحقق له ذلك بعد. وهذه الحسرة نفسها نجدها في النموذج (د) وإن كان يذكر بأنه لقي تجاوبا مع النور القهار الذي وجد في جمره الحارق عذوبة «لأن شمع العشق على عكس الشموع النارية؛ إذ أنه يبدي النار؛ لكنه بأجمعه خير ولذة»([20])، غير أن الشاعر، مع ذلك، يسعى إلى الانتقال إلى نور أعلى هو النور الجبار الأكثر قهرا من الأول لأن الأنوار تتجاذب فيما بينها كما رأينا عبر القهر من الأعلى والعشق من الأسفل([21]) وكلما كانت أعلى كان قهرها أشد.
من هنا وجب التنبيه إلى أن فكرة الفناء لم تأت قط لدى شعراء المتن للدلالة على الاتحاد بنور الأنوار، بل إنهم لم يذكروا قط حتى هذا المصطلح بهذا المركب الإضافي الدال على الذات الإلهية؛ وإنما كان عشقهم للفناء في نور إلهي من الأنوار المتراتبة التي ذكرها المتصوفة وقد صنفها السهروردي مثلا إلى أربعة عشر نوعا([22]). ولم يشغل الشعراء بعدُ أنفسهم بالتفريق الدقيق، على طريقة المتصوفة، بين هذه الأنوار. قد نجد بعض التمييز لهذا النور أو ذاك بوصفه النور العظيم كما عند الأمراني أو النور القهار والجبار لدى الرباوي إلا أنه مع ذلك تمييز لا يتجاوز الإيحاء الشعري إلى التعبير عن مدرج من مدارج السلوك الصوفي. فقد كفى الشعراءَ أن استأنسوا ببعض حمولات المصطلح الصوفي للتعبير عن وجدهم الشعري.
[1] – “كفلق الصبح”، مملكة الرماد؛ 20-22.
[2] – “مملكة الرماد”، نفسه؛ 42.
[3] – “مقام الحبيب ساعة التجلي”، نفسه؛ 90-91.
[4] – “مقام الظمأ”، نفسه؛ 83.
[5] – “المجنون”، ثلاثية الغيب والشهادة؛ 24.
[6] – “البستان”، نفسه؛ 42.
[7] – “الدخول إلى حدائق إقبال السندسية”، سآتيك بالسيف والأقحوان؛ 48،51.
[8] – “حكاية الشيخ صنعان”، نفسه؛ 85-93.
[9] – “أغنيات في حدائق شيراز”، نشيد الغرباء؛ 23.
[10] – “التأويل” ، السنبلة؛ 80.
[11] – “نحن من ماء”، البيعة المشتعلة؛ 27-28.
[12] – “قصائد في زمن الرعب”، نفسه؛ 37.
[13] – “العصافير تنتفض”، الولد المر؛ 52.
[14] – “لك الملك”، الأحجار الفوارة؛ 53.
[15] – “كأس من رماد”، أول الغيث؛ 23-25.
[16] – الأحزاب؛ 23.
[17] – مسلم؛ 1827.
[18] – “الاتجاه الاستشراقي”، عالم الفكر، م.س؛ 173.
[19] – ينظر هذا الرمز الصوفي في- منطق الطير لفريد الدين العطار؛ 359. – في الأدب المقارن(كفافي)؛ 460.
[20] – مثنوي؛ 312:3.
[21] – روضة التعريف؛ 566:2.
[22] – “الاتجاه الاستشراقي”، عالم الفكر؛ م.س؛ 173.
د. المختار حسني

































































PDF 2025
