التغيرات المناخية
علينا تغيير السياسات والممارسات.. قبل فوات الأوان
لم أكن أتوقع أن حجم الخسائر سيكون مذهلا، و كان صاحبي الذي يصور بهاتفه المحمول تفحم مساحات هائلة من الغابات عن يمين و شمال الطريق الجهوية 410 التي تربط شفشاون بالقصر الكبي مشدوها مثلي، فقلت له بعصبية عفوية: ليس سهلا على نفس الإنسان أن يرى تحول الخضرة إلى سواد و الجمال إلى قتامة..
في كل مرة ألتقي بغريب مسافرا معي بالحافلة إلى شفشاون، لابد أن يسألني عن أصولي، بعد حصول ما يشبه الثقة بيننا، فأخبره، أنني من شفشاون، وغالبا ما يكون رده التلقائي الذي يشبه الفطرة، وهو يشاهد عبر زجاح النافذة، أننا محظوظون بهذه الطبيعة الجميلة التي تفتقدها عدة مناطق بالمغرب، فأبتسم موافقا على ما يقوله، كاتما تخوفاتي و هواجسي و غلياني وقلقي الداخلي بسبب هشاشة هذه النعمة و ما تتعرض له على يد البشر الذي لا يقدرها و يحسب أنها دائمة و لا تتأثر بأفعالنا الهوجاء..
اليوم تنعقد قمة المناخ السنوية-كوب 27 بشرم الشيخ المصرية، و هي قمة يلتقي فيها العالم لتقييم ما تم إنجازه من أعمال و تنزيله من إجراءات في مواجهة الاحتباس الحراري ودراسة السبل الكفيلة بالتكيف و الحد من آثار التغيرات المناخية التي أصبحت واقعا لا مفر منه.
هذه القمة أطلق عليها البعض “قمة أفريقيا” أو “قمة البلدان الضعيفة” التي تخضع لحدة تأثيرات التغيرات المناخية، حيث إن البلدان الصناعية الكبرى بما تنفثه، بنسبة كبيرة (80 في المائة حسب بعض الدراسات)، من غازات دفيئة هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن مايقع من ارتفاع في درجة الحرارة أو احترار الأرض سنة عن سنة، لكن هذه الدول الضعيفة هي الأكثر معاناة بسبب قلة الموارد والجفاف والكوارث الطبيعية التي ازدادت بوضوح في السنوات الأخيرة.
ومع ذلك فمسؤولية البلدان الكبرى لا يعفي البلدان الصغرى والمجموعات المحلية و الأفراد من مسؤوليتهم في المساهمة، بالقدر المتاح و المناسب، في التعامل بحكمة مع المحيط الطبيعي و تغيير السلوك والعادات السيئة على الأقل، في تدبير الموارد الطبيعية التي بانت هشاشتها و إمكانية تراجعها.
لا يمكن أن نقول دائما إن الخطأ مصدره الآخرون، فكيفما كان الوضع فنحن، جماعات و أفرادا، يمكننا كذلك أن نقرر، إلى حد ما، في مصيرنا كما يمكننا أن نوقف التدهور بممارستنا الجيدة تجاه الماء و التربة و الأحياء البرية (فون و فلور)، وكذا بتقويم أساليبنا الإنتاجية و سلوكاتنا الاستهلاكية باعتبار أن وجودنا على الأرض يحتم علينا أن ننأى عن العبث و الإسراف.
التقارير مخيفة بصدد ما ستتعرض له منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا التي يسجل فيها احترار مضاعف، كل عقد، منذ بداية الثمانينات، و من هذه التقارير منشور منظمة غرينبيس الموسوم “على شفير الهاوية” الذي ينبه ويحذر من تداعيات التغيرات المناخية على ستة بلدان؛ و المغرب بلدنا واحدة منها.
المستقبل يبدأ من الآن، و كل الخبراء يؤكدون أن البشرية تأخرت في اتخاذ التدابير والإجراءات التي تحد من انبعاث الغازات الدفيئة و تتلكأ في التنزيل الجدي للسياسات الحامية للحياة على الأرض، فهل ستكون قمة شرم الشيخ بداية تحقيق الطفرة التي ينتظرها معظم العالم؟.
الرهانات ضخمة و ثقيلة و تتطلب إمكانيات كبيرة من أجل اعتماد الطرق الجديدة في الإنتاج النظيف(الطاقات المتجددة، الفلاحة البيولوجية، التدوير…) والاستهلاك المسؤول(الاقتصاد في الماء، السياحة الإيكولوجية، استعمال و سائل النقل الجماعي و السيارات الكهربائية، السكن المقتصد للطاقة…) و بصفة عامة من أجل التنمية المستدامة. و أكثر الدول التي تحتاج إلى الإمكانيات هي بلدان الجنوب، لكن لا بد أن ترفق سياسة دعم هذه البلدان بمواكبة صارمة لحكامة تدبير الموارد والدعم، في حين أن الدول الصناعية الكبرى(ج 7 أولا ثم ج20) عليها أن تفي بالتزاماتها تجاه العالم سواء على مستوى التقليص من انبعاث الغازات الدفيئة و الاتجاه نحو استخدام الطاقات النظيفة أو على مستوى الدعم التقني و المالي لدول الجنوب التي تعاني بشكل أكبر من أضرار و مخاطر التغيرات المناخية كما هو واضح الآن.
و نحن على أعتاب فصل الشتاء نحس و كأننا في بداية الصيف؛ هذا كاف لينبهنا إلى أننا في معمان التغيرات المناخية وعلينا ليس فقط أن نسارع بتغيير سلوكاتنا الإنتاجية والاستهلاكية بل علينا أن نعد أنفسنا لنمط عيش جديد؛ ربما سيكون عنوانه الرئيسي تدبير الندرة و الاقتصاد في كل شيء، و بالأساس في استعمال الطاقة و استهلاك الماء..
أحيانا و أنا أتابع ما يجري على أرضنا محليا و وطنيا يبدو لي و كأننا غافلون عن ما ينتظرنا و عن ما يجري في العالم، ولولا تنبيه الحكماء والعقلاء من حين لآخر لحسبنا أنفسنا غير معنيين لا بالاحتباس الحراري و لا بالتغيرات المناخية…، ولا هم يحزنون !!!.
ما زالت صورة ذلك الرماد والسواد قبالة عيني فأتخيل أن كل ما حولي يباب إن لم نتدارك و نعتبر مما يحدث بالعالم من كوارث بشكل متكرر؛ و على رأسها الجفاف و الفيضانات و الأعاصير التي نادرا ما يفلت منها بلد..
عبدالحي مفتاح






































































PDF 2025


