الجهوية المتقدمة ومستلزمات الحكامة الترابية -2- تنمية الموارد المالية

يعد الارتقاء بالجهة لمراتب متقدمة في التنظيم الإداري للمغرب منطلقا أساسيا في إعداد السياسات العمومية الترابية، يتم من خلال تفعيل الأطر التعاقدية ما بين الدولة والجهات في العديد من المجالات خاصة تلك التي تدخل ضمن نطاق الاختصاصات المشتركة والمنقولة، مما يستلزم تمكين الجهة من الوسائل الكافية من موارد بشرية ومالية، وتأهيلها لتحقيق اندماج حقيقي وكسب رهان التنمية.

وتشكل الموارد المالية إلى جانب الموارد البشرية دعامتان أساسيتان تقوم عليهما الإدارة الجهوية باعتبارهما من وسائل العمل الضرورية خصوصا في ظل توسع نطاق اختصاصات الجهات وجسامة المسؤوليات الملقاة على عاتقها، فتوسع الاختصاصات يتطلب موازاته بإصلاح النظام المالي للجماعات الترابية بصفة عامة والجهوي بصفة خاصة، بشكل يمكنها من النهوض بالمهام المنوطة بها، أي العمل على خلق تناسب بين توسع المجالات التنموية التي تدخل داخل نطاق اختصاصها وتطوير قدراتها على التمويل الذاتي لممارسة هذه المهام.

إن منح الجهات الاستقلالية وربطها بإمكانيات مالية وإدارة وتدبير جيد يعد دعامة أساسية للحكامة الترابية وترسيخ دعائم اللامركزية والديموقراطية وتعزيز سياسة القرب، لذلك لابد من تنمية موارد الجهات الذاتية وترشيد نفقاتها، وهو الأمر الذي يبقى رهينا بمدى توفر الموارد المالية على المستوى الترابي، فالاستقلالية المالية هي أحد أهم أبعاد استقلالية القرار الترابي ومعيار لقياس مدى تطور ونضج النظام اللامركزي.

ومن هذا المنطلق، لابد من اعتماد مقاربات تؤدي إلى تنمية الموارد المالية الذاتية للجهات وباقي الجماعات الترابية وتوظيفها بعقلانية، حتى تتمكن من الرفع من قدراتها المالية والتدبيرية، انطلاقا من العلاقة الوطيدة التي تربط ما بين قدرة المجالس المنتخبة على تفعيل أدوارها التنموية وتمكنها من تعبئة الموارد المالية الذاتية، فقيامها بالاختصاصات والمسؤوليات الملقاة على عاتقها، مرتبط بتوفرها على موارد ذاتية قارة تسعفها في وضع وإنجاز ما تقرره من استراتيجيات للتنمية الترابية، ومرتبط أيضا بمدى استفادتها من الموارد الخارجية من إمدادات ومساعدات في ظل احترام استقلاليتها، التي لا ترتبط فقط باستقلالية الموارد المالية ولكن باستقلالية القرار المالي واستقلالية ميادين ومواضع الصرف، أي استقلالية الاختيارات الاستراتيجية بعيدا عن التمويلات المشروطة والموجهة.

وتظل الموارد الذاتية للجماعات الترابية عامة وللجهات خاصة محدودة على الرغم من محاولات الإصلاح التي عرفتها، خصوصا لدى الجماعات التي تفتقد لتواجد الأنشطة الاقتصادية الكبرى والثروات الذاتية داخل نطاقها الترابي، الأمر الذي تنتج عنه بروز تفاوتات كبيرة بين الجهات فيما بينها وباقي الجماعات الترابية الأخرى، مما يفرض تدخل الدولة بشكل مباشر في دعمها من أجل تصحيح الاختلالات بها، وضمان وظيفتها التنموية والحيلولة دون تحكم السلطات المركزية في تدبير شؤونها.

ولتحقيق هذا المبتغى لا بد من العمل على تطوير الموارد المالية للجهات بالموازاة مع تنامي الاختصاصات وتشعبها، فهو شرط سيمكن الجهات من الوفاء بالتزاماتها، من خلال إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لعملية توزيع منتوج الضريبة على القيمة المضافة التي تستفيد منها الجماعات الترابية، واعتماد معايير أكثر إنصافا وموضوعية لضمان توزيعها بشكل عادل، والرفع من هذه الحصة، وتخصيص دعم استثنائي للجهات والجماعات الترابية الأخرى التي لا تتوفر على إمكانيات مالية ذاتية ولا يتوفر مجالها الترابي على مقومات داعمة لخلق هذه الموارد، لكن دون أن يكون ثقل هذا الدعم على عاتق الميزانية العامة للدولة فقط، بل يجب أن تساهم فيه الجهات والجماعات الغنية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الربحية، أي نهج مقاربة تضامنية للتقليل من الفوارق وتحقيق التنمية.

لا يقتصر إصلاح المنظومة المالية للجماعات الترابية على إعادة تنظيم توزيع منتوج الضريبة على القيمة المضافة فقط، بل يجب كذلك إعادة النظر في النظام الجبائي للجماعات الترابية، من خلال استهداف الأوعية الضريبية التي تتوافق والاختصاصات التنموية المنوطة بها، ويستلزم فك الارتباط الحاصل بين المنظومة الجبائية الوطنية ومالية الجماعات الترابية، مما يحقق لها الاستقلالية المالية المبنية على مواردها الجبائية الخاصة بها.

كما يجدر العمل على توسيع الوعاء الضريبي من خلال استهداف ملزمين جدد وقطاعات جديدة غير مضربة، ومحاربة الريع الضريبي وذلك حذف الامتيازات أو الإعفاءات الضريبية الممنوحة لبعض القطاعات والمؤسسات، نظرا لكونها تساهم في تقليص الموارد الجبائية واستفادة فئات دون أخرى من هذه الامتيازات وتحقيق العدالة الضريبية.

ويعد تثمين ممتلكات الجماعات الترابية كذلك مدخلا من مداخل إصلاح الموارد المالية للجماعات الترابية، حيث أن التدبير السليم لهذه الممتلكات يضمن تحررها المالي واستقلاليتها المالية، وذلك بالعمل على تحيين التعريفات والأسعار المطبقة وملائمتها والتطور الذي تشهده الظرفية الاقتصادية، وتقوية مراقبة تدبير الأملاك الجماعية وتقييم القيمة الحقيقية لها، والتمكن من تحديد الأثمنة الافتتاحية للتفويتات والأكرية، واعتماد نمط الدعوة إلى المنافسة عند تفويتها.

ولا يفوتني أن أذكر هنا بما ورد في المقال السابق بخصوص أهمية الموارد البشرية في تفعيل جميع التدابير والاستراتيجيات التنموية الترابية، لكونها إلى جانب الموارد المالية تشكلان دعامتين حقيقيتين للتدبير الحكيم والرشيد للشؤون الترابية، مما يستلزم الوقوف على إصلاح المنظومتين المالية والبشرية للجماعات الترابية وفق ما يتطلبه كسب رهان التنمية.

 

 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

هدية معبرة لرأس السنة…

من غرائب الزمان، أن تجدها تتكاثر، فتتجاوزالعجائب السبعة، إذ لم يعد هناك ما يمكن تسميته …

حِكمُ التهاني في بلوغ الأماني..

تلقيت عدة تهانٍ بمناسبة العام الجديد.. واستوقفتني حكمةُ تهنئةٍ خاصة في ثوب لغوي راقٍ.. وتعميما …

المغرب حلقة وصل

المسيرة الخضراء حدث تاريخي كبير استكمل به المغرب وحدته الترابية..لكن نظام العسكر بالجزائر ما زال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: