الدبلوماسية المغربية …قوة ناعمة و مكاسب مهمة.

برزت قضية الصحراء منذ عام 1975 إثر إنهاء الاحتلال الإسباني، ليتحول النزاع بين المغرب والبوليساريو من جهة، وبين هذه الأخيرة وموريتانيا من جهة ثانية إلى نزاع مسلح استمر حتى عام 1979 مع موريتانيا التي انسحبت من إقليم وادي الذهب، قبل أن تدخل إليه القوات المغربية، بينما توقف القتال مع المغرب عام 1991 إثر اتفاق لوقف إطلاق النار.

وفي ظل التغيرات الجيوستراتيجية وخريطة التحالفات الدولية، اعتمد المغرب إستراتيجية جديدة قوامها الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية وربط مبادرة الحكم الذاتي بسياق دولي ينادي بمشروع يكفل الأمن والاستقرار في المنطقة ويحفظ مصالح الدول الكبرى في إفريقيا، وهو أمر استدركه مؤخرًا فمن خلال تجربته في إدارة الصراع، تنبه المغرب إلى أن الأزمة استحضرت السياق الإقليمي على امتداد فترات طويلة، منذ ولاية بان كي مون إلى غوتيريس، لذلك فإن ربط الجغرافيا بقضية الصحراء والاستقرار في منطقة الساحل، قد يكون الورقة التي تُكسب الرباط أشواطًا من المعركة.

آخر المستجدات التي أعادت القضية إلى سطح الأحداث تمثلت في توالي  الصحراء المتنازع عليه بين المغرب وجبهة “البوليساريو”، حتى بلغ عددها 15 قنصلية إفريقية، في تطور لافت أكسبته الإمارات زخمًا باعتزامها افتتاح قنصلية لها، في خطوة غير مسبوقة عربيًا، وهي خطوة يرجعها المراقبون إلى قدرة الدبلوماسية المغربية المتحركة على الاستثمار في التحولات الاقتصادية والسياسية الإقليمية.

زيادة على زخمٌ دبلوماسي متصاعد تقوده الآلة السياسية المغربية من داخل شرايين “القارة السمراء” بخصوص قضية الصحراء، سرعان ما انتقل إلى منطقة الشرق الأوسط التي باتت تؤيد الرباط في مساعيها لطيّ النزاع طويل الأمد، ثم تحوّل بعدها إلى المنتظم الدولي الذي أصبح مقتنعاً بالدفوعات القانونية المغربية.

كنتيجة لذلك ” الحتمية طبعا” أن الجزائر” الداعم الرسمي للجبهة المزعومة” أصبحت في عزلة على مستوى الاتحاد الإفريقي، الذي كان رائداً في دعم أطروحة البوليساريو قبل انضمام المغرب إليه، ذلك أن افتتاح أزيد من 10 قنصليات إفريقية بالأقاليم الجنوبية يعني أن الرباط تريد اعترافاً إقليميا في الأول، ثم عربيا، فدولياً”، مورداً أن “الجزائر تعيش، أيضا، عزلة سياسية على مستوى ملف الصحراء ككل.

أكد مجلس النواب في إحدى الجلسات السابقة، على مشروعية التحركات التي يقوم بها المغرب في إطار المرجعيات القانونية الدولية وممارسة الحق في إقرار الأمن في منطقة الكركرات، وذلك بعد ضبط النفس طيلة الفترة الأخيرة.

وسجل مجلس النواب، في بلاغ، بفخر واعتزاز القرارات التي اتخذتها وتتخذها المملكة المغربية للتصدي للمناورات اليائسة في منطقة الكركرات، معربا عن دعم التدخل المشروع لتمشيط المنطقة ومنع أي محاولة لترويع المواطنات والمواطنين، وتأمين العبور السلس للسلع والبضائع في اتجاه الحدود المغربية الموريتانية.

وبعد أن باركت المؤسسة التشريعية كافة القرارات الهادفة إلى إرجاع الأمور إلى نصابها، ثمنت العملية الأخيرة التي قامت بها القوات المسلحة الملكية بخلفية غير هجومية وبقرار سيادي حكيم، وذلك بما ينسجم مع مضمون قرار مجلس الأمن 2548، الذي حذر من الخروقات المقترفة في المنطقة بكل تداعياته.

وأكد مجلس النواب على أن المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، سيظل موحدا في وجه كافة المناورات والممارسات الهادفة إلى عرقلة السير الطبيعي أو السعي إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي شرق الجدار الأمن.

وكانت الأشهر الماضية من السنة الجارية، قد شكلت عدة أحداث تجسدت في تقارب غير مسبوق بين المغرب وعدة دول أفريقية، فضلا عن انتصار دبلوماسي فيما يتعلق بسيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية، حيث أعلنت ثلاث دول افتتاح قنصليات لها بهذه الأقاليم، وهي سفارات جزر القمر وإسواتيني (سوازيلاند سابقاً) وزامبيا.

وفي التزامن مع دعوة الأمين العام للأمم المتحدة، عناصر البوليساريو بالكف عن استفزازاتها للمغرب، بعد تحريض عدد من أنصارها بمنطقة الكرارات وإلحاق أضرار بطريق معبدة ومنع مرور الشاحنات التجارية التي تزود عدد من البلدان الإفريقية بالمواد الغذائية والفلاحية.

كل هذه الاستفزازات التي تقوم بها جبهة البوليساريو ، دفعت بعدد من الدول الإفريقية دعم “مغربية” الصحراء، من خلال التحركات الدبلوماسية المذكورة أعلاه، هو نصر آخر للمغرب، الذي يحظى بأكبر قدر من الدعم الدولي.

وفي واقع الأمر، فإن هذا التأييد المطلق للموقف المغربي وللوحدة الترابية للمملكة ليس إلا انعكاسا واضحا وصريحا لعدالة القضية الوطنية، وللدعم الذي يحظى به المغرب ونجاح عمله الدبلوماسي على كافة المستويات تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

وبالفعل، وعلى مستوى الأمم المتحدة، فإن 163 بلدا، أي ما يمثل 85 في المئة من الدول الأعضاء في المنظمة، لا تعترف بالكيان الوهمي المرتبط بالبوليساريو.

كما أكدت المناقشة العامة للجنة الرابعة” الأمم المتحدة” موت الاستفتاء وإقباره بشكل نهائي، لصالح الحل السياسي التوافقي لهذا النزاع، والذي تجسده المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

الدرس المستفاد من التطورات الأخيرة في الصحراء المغربية, هو أن إقرار عدد من الدول بمغربية الصحراء، من خلال افتتاح قنصليات عامة لعدد من الدول بالأقاليم الجنوبية، وردود الفعل المشرفة  لعدد من الدول وخاصة الدول الشقيقة مثل موقف المملكة العربية السعودية،  ودولة سلطنة عمان، والمملكة الأردنية ودولة الإمارات العربية المتحدة، فيما يتعلق بالتدخل المغربي بمنطقة الكركرات، وكذلك التحرك المغربي لترسيم حدوده البحرية…، شكلت تحولا نوعيا في قضية الصحراء المغربية، وكشف على أن المغرب ماض في تحقيق مكاسب قانونين ودبلوماسية تؤكد الشرعية والمشروعية التاريخية لمغربية صحراء.

ويمكن أن أختم بما قالته الكاتبة البحرينية, “بثينة خليفة قاسم” هو أن المشكلة في الأساس كغيرها من مشكلات أخرى ابتليت بها الدول العربية كان سببها الاستعمار الذي استمر في دولنا العربية لفترة طويلة من الزمن والذي يصنع قبل رحيله نوعاً من زرع الشقاق والسعي لوضع مرض معين في جسد الدولة التي يوشك أن يغادرها “.

 

د. محمد البوشوكي

عن Romaisae

شاهد أيضاً

الوزير الأديب، القاضي العدل، العلامة الشريف سيدي محمد أفيلال التطاوني..

الوزير الأديب، القاضي العدل، العلامة الشريف سيدي محمد أفيلال التطاوني (ت:1388هـ/1968م)             …

الأستاذة المرحومة أسية شهبون عطاء كريم…

انتقلت إلى عفو الله تعالى الأستاذة الفاضلة أسية شهبون شقيقة الدكتور عبد اللطيف شهبون يوم …

الفقيه المُصلح، والوطَني الغَيور : الشيخ امحمد بن مُحمد المصمودي التّطواني..

الفقيه المُصلح، والوطَني الغَيور : الشيخ امحمد بن مُحمد المصمودي التّطواني  (ت:1376هـ/1956م)   من الأعلام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: