“الدراسات القرآنية في القصر الكبير ونواحيه”

ظلت مدينة القصر الكبير تشكل مركز إشعاع حضاري واسع غطى بتأثيراته مجالات جغرافية ممتدة على نطاق كبير داخل المغرب وخارجه. وإذا كانت المدينة قد عرفت باعتبارها واحدة من بين أعرق الحواضر المغربية التي بزغت إسهاماتها في مختلف حقب التاريخ المغربي الطويل، القديم والوسيط والحديث والمعاصر، فإن تزايد الوعي بالقيمة النوعية التي راكمها أعلام المدينة في مجالات الفكر والعلم والثقافة والفن والإبداع، قد دفع بأبناء المدينة وبباحثيها وبمؤرخيها إلى خوض غمار البحث في خبايا الذاكرة العلمية للمدينة، تجميعا للوثائق وللمخطوطات وتوثيقا للشهادات وترتيبا للمخلفات المادية وتعريفا بالسير وبالإسهامات. فكانت النتيجة، صدور سلسلة من الأعمال التي تراوحت في قضاياها وفي اهتماماتها وفي أسئلتها، وإن التقت جميعها في الولع بدرس التاريخ وفي الحرص على جعل هذا الولع يتحول إلى رافعة للتنمية الثقافية المؤجلة للمدينة ومحيطها. ونكاد نجزم أن مدينة القصر الكبير قد اكتسبت الكثير من عناصر السبق مقارنة بباقي المدن المغربية، خاصة على مستوى تواتر النشر المتخصص في قضايا التاريخ المحلي، وبروز أسماء محلية أضحت لها سمعة وطنية مرموقة، بعد أن جعلت من إسهاماتها مراجع أساسية لكل طالبي المعرفة التاريخية المجهرية الخاصة بواقع مدينة القصر الكبير وبرجالاتها وبأعلامها وبتراثها الرمزي القائم. ويكفي أن نحيل –في هذا المقام- على سلسلة الدراسات التي رأت النور خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث أصبحت الغلة ثمينة ومرصعة بأسماء وازنة وخبيرة في مجال اشتغالها، مثلما هو الحال –على سبيل المثال لا الحصر- مع أعمال الأساتذة عبد السلام القيسي، ومحمد بنخليفة، ومحمد بوخلفة، وبوسلهام المحمدي، ومحمد أخريف، ومحمد العربي العسري، ومصطفى الطريبق،…

في سياق دوام توهج عطاء هذا النهر الدافق، يندرج صدور كتاب “الدراسات القرآنية في القصر الكبير ونواحيه”، للأستاذ محمد بووانو، مع عنوان فرعي: “من البدء إلى القرن الرابع عشر الهجري- أبو محمد عبد الله بن مسلم القصري أنموذجا”، وذلك في ما مجموعه 269 من الصفحات ذات الحجم الكبير. والكتاب، في الأصل، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة من كلية أصول الدين بتطوان سنة 2007. وبهذه الصفة، فالعمل ينهض على رؤية علمية دقيقة في تجميع المعطيات وفي استثمار الأدوات المنهجية في الضبط وفي التدقيق وفي تطويع فقرات البحث ومكونات متونه المتكاملة. ويمكن القول، إن الكتاب نجح في استثمار مواد مصدرية مرجعية غنية ومتنوعة، منها المخطوط والمطبوع، وأدمج ذلك في إطار مقاربة تاريخية وتصنيفية، انشغلت بتقديم معطيات مدققة عن سير أعلام ورجال كان لهم دورهم المركزي في طبع معالم البهاء العلمي لحاضرة القصر الكبير ولمحيطها الجغرافي القريب. لذلك، فالعمل يشكل إضافة هامة لكتب التراجم التي خلفها رواد البحث التاريخي الوطني ممن أسسوا لهذا الفرع العلمي النبيل، من أمثال عبد الله كنون، ومحمد المنوني، ومحمد داود، والمختار السوسي، وعبد الله المرابط الترغي،…

ولإبراز القيمة المعرفية الكبرى لعطاء هذا الكتاب في علاقته بحيوية التراكم العلمي لمدينة القصر الكبير، يقول الدكتور أحمد الريسوني في كلمته التقديمية للكتاب: “وأما فائدة الكتاب، فهي فوائد متعددة متنوعة، أساسها وعمدتها، الكشف عن صفحات منسية، أو مطوية، من التاريخ العلمي والثقافي لمدينة القصر الكبير والقبائل المحيطة بها. وفي ثنايا ذلك تراجم وتعريفات بعدد من العلماء والمؤلفين ومؤلفاتهم ومواقفهم، ومراكزهم العلمية والتعليمية، وخاصة ما تعلق منها بالقرآن الكريم وعلومه، مع تقديم لمحات تاريخية وجغرافية واجتماعية عن المدينة ونواحيها. فالكتاب يسد عدة ثغرات معرفية، في التاريخ، وفي الحركة العلمية بمدينة القصر الكبير وروافدها، وسيستفيد منه كل باحث ومهتم بهذه المجالات…” (ص. 9).

ولتوضيح الإطار العام الموجه لمضامين الكتاب، ولأهداف التأليف، يقول المؤلف في كلمته التقديمية: “كان جديرا بكل مثقف أو مهتم أو باحث بأن يتعرف على تاريخ بلده، والاطلاع على تراثه وأعلامه، والإسهام في التعريف به وإشهاره في المحافل العلمية، وإعداد البحوث الجامعية فيه، وأيضا تحسيس الجيل الصاعد بأهميته… ومدينة القصر الكبير ونواحيها من المناطق المغمورة رغم المكانة التاريخية والعلمية والحضارية التي تحتلها بين الحواضر المغربية الأخرى… وأن هذه المدينة زاخرة بالعلماء في مختلف المجالات، ولكن الكثير من أبنائها لا يقدرون مكانتها العلمية ولا يعرفون تراثها الذي أبدع فيه أصحابها إبداعا متميزا، شهد به أعلام بارزون… فصار من الواجب على الباحثين وخصوصا من أبناء هذه المنطقة العريقة الاطلاع على تراثها العلمي المتميز، والتعرف على رجالاتها وأعلامها في مختلف المجالات، والمساهمة في إعادة إشعاعها وبريقها ومكانتها التاريخية والعلمية، وإبراز موقعها الجغرافي حيث تقوم بمهمة الوساطة العلمية الكبرى في الغرب الإسلامي مثل الأندلس وسبتة ومراكش وفاس… ثم إن الموضوع الذي وفقني الله تعالى لاختياره وهو “الدراسات القرآنية في القصر الكبير ونواحيه” لمن أحسن وأهم المواضيع في العلوم الشرعية والإنسانية بصفة عامة، لأنه يتعلق بخير كتاب يُتعبًد به وهو القرآن الكريم، وأن هذا الموضوع لم يُسبق إلى البحث فيه في هذه المنطقة، حسب ما علمته من خلال عدة اتصالات قمت بها ببعض العلماء والباحثين والمهتمين بالتراث القصري…” (ص. 14-15).

تتوزع مضامين الكتاب بين ثلاثة فصول متكاملة، سعت إلى وضع الموضوع في سياقه التاريخي والثقافي والمجتمعي الخاص بمدينة القصر الكبير وأحوازها. ففي الفصل الأول، اهتم المؤلف بتقديم دراسة عن مدينة القصر الكبير ونواحيها، من خلال التركيز على قضايا مركزية مثل تاريخ نشأة المدينة، وحقيقة اسمها التاريخي، ومحيطها المجالي المكون من قبائل الخلط وآل سريف وبني يوسف وبني زكار وسماتة وبني خلاد، ثم خصائص حياتها الاجتماعية والسياسية والعلمية في علاقة ذلك بالتطورات الوطنية الشاملة. وفي الفصل الثاني، توقف المؤلف للتعريف بحصيلة الدراسات القرآنية في مدينة القصر الكبير ونواحيها، وخصص الفصل الثالث للتعريف بأعلام الدراسات القرآنية بالمدينة المذكورة، مقدما تفاصيل غزيرة حول كل علم من أعلام مجال الدراسة، استنادا إلى حرص منهجي لضبط الاقتباسات وتدقيق الإحالات والتأكد من السياقات. وقد ركز المؤلف في هذا المسعى على شخصية أبو محمد عبد الله بن مسلم الأنصاري القصري السبتي، المتوفى سنة 773ه، وعزز كل ذلك بإدراج فهارس تصنيفية وتوضيحية دقيقة ومفيدة، لا شك وأنها تساهم في تيسير عمليات البحث والتدقيق بالنسبة للباحثين. يتعلق الأمر بمعجم مؤلفات أعلام الدراسات القرآنية في القصر الكبير، وبفهرس الآيات القرآنية، وبفهرس الأحاديث النبوية، وبفهرس المصادر والمراجع، وبفهرس الأعلام، وبفهرس الأماكن والبلدان.

وبذلك، استطاع الأستاذ محمد بووانو تقديم عمل تنقيبي غير مسبوق، يقدم إضافات كبرى لمجال التاريخ المحلي، خاصة في شقه المرتبط بعطاء النخب المحلية، وبدورها في تشييد معالم الهوية العلمية والثقافية المميزة للمنطقة. ولا تقف قيمة الكتاب عند حدود مدينة القصر الكبير، بل إن العمل يعيد تسليط الضوء على الكثير من الإسهامات العلمية التي انطلقت من الأقاصي المنسية بعمق المناطق القروية. ولعل في ذلك ترسيخ لمشروعية الدعوات العلمية التي أضحت تنصف تراث هذه الأقاصي، في إطار البحث المونوغرافي المجهري المسكون بسؤال النبش عن الخصوصيات الدقيقة وعن الجزئيات التي تصنع خصوبة الهامش وعمق عطائه وطراوة فطرته.

أسامة الزكاري

عن Romaisae

شاهد أيضاً

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: مجلة “الحديقة”

شهدت مدينة تطوان خلال عقود الاستعمار الإسباني للقرن 20 نهضة ثقافية وفكرية مثيرة، جعلتها تتحول …

التجليات الأندلسية في المتن الشعري النسائي “هل أتاك حديث أندلس” لسعاد الناصر أنموذجا 2/1

تتميز التجربة الشعرية المغربية بخصوصيات تجعلها متفردة من حيث المضامين والأغراض، وتحفل ساحة الشعر العربي …

مؤتمر طنجة المغاربي

بالعودة إلى نص الكلمة القيمة والموجهة التي ألقاها الأستاذ محمد اليازغي – حفظه الله – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: