الزمن الجميل

“الزمن الجميل”: هذه العبارة الرومانسية التي تتردد على ألسنتنا قد يقصد بها غالبا الطفولة- مرحلة البراءة والطبيعة- أو المراهقة و الشباب – مرحلة الطموح وما يرتبط به من أحلام وأماني-، وقد يذهب قصد البعض بهذه الجملة الوصفية إلى معنى الغنى الثقافي أو الفني أو السياسي أو المادي…، أو يكون القصد منها المعنيين معا.

استعادة “الزمن الجميل” قد تشعله أغنية، صورة، لقاء، شعار، كتاب، اسم، حكي، مقال أو وقوف بالمكان أو تسار…؛ “الزمن الجميل” له نكهة فردية بحمولة جماعية قد تتسع إلى ما هو قومي أو أممي وقد تضيق إلى ما هو شخصي أو ثنائي أو مرتبط بجيل أو زمن أو فضاء أو مجال..

“الزمن الجميل” لا يأخذ معناه كفقد و حنين، و كذكرى و شوق إلا لما يضيق الحلم و تعسر الرؤية، و يظلم الأفق الجماعي أو يغيب، و لو أن ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل؛ فأرواحنا الجماعية و الفردية قد لا تتحمل حالة التيه التي قد تفرضها علينا قسرا الخيبات المتكررة و النكسات العبثية..

الأمم كما الأفراد مثل الأرض قد تجد من يحييها و قد لا تجد، وقد يطول الجدب فيها و قد يكون محلا ظرفيا، لكن إذا ساد الجدب و امتد و طال في قوم أو أمة قد يصيبهما الهوان، و أصعب مرض قد يصاب به قوم أو تبتلى به أمة هو فقدان عوامل النهضة، و تآكل لحمة النسيج الجماعي و العجز عن بلورة أفق المشترك، إذ انكسارات الأفراد قد تجبر إذا كانت الأمة قوية، لكن انكسار أمة لا يغني عنه قوة أو رفاه أفراد أو شلل..

“الزمن الجميل”: هل هو ترياق أم نفث للنفوس العليلة، هل هو بحث عن التعويض عن انكسار أم نداء لغير العائد، هل هو أمل في استعادة مجد قديم  أم نبع لبعث جديد؟..

لا أدري، ما أحس به هو الحزن والغضب والرجاء رغم و رغم…، فإشارات الحاضر لا تطمئن بإيقاظ أمة، بالفرد والجمع، كان ماضيها تليدا و زاهرا لقرون، ثم انتكست حتى كاد كل ما فيها يموت، فنا وفكرا و علما و فضيلة…، بل إن الأمم تكالبت عليها مزقا مزقا وهي في حراب عبثي إلا من رحم ربك..

“الزمن الجميل”: هو الفن الراقي الرائق، هو الأدب الجميل الممتع، هو العقل الحر الكاشف للمجاهيل، هو الإحساس بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة، هو الأمل المشترك في النهضة، هو امتداد يد الأخوة من المحيط إلى الخليج، هو إرادة الكرامة لأمة بين الأمم…

“الزمن الجميل”: قد يكون أغنية بلحن جميل وشعر شفيف وصوت شجي تحملك على جناحها فتطرد عنك سأم الخراب و ضوضاء الخواء و ظلمة اليأس، إنه ابتسامة هدوب أو  انشراح قلب أو انتفاض عقل و سط لهيب المأساة..

عبد الحي مفتاح

عن Romaisae

شاهد أيضاً

هدية معبرة لرأس السنة…

من غرائب الزمان، أن تجدها تتكاثر، فتتجاوزالعجائب السبعة، إذ لم يعد هناك ما يمكن تسميته …

حِكمُ التهاني في بلوغ الأماني..

تلقيت عدة تهانٍ بمناسبة العام الجديد.. واستوقفتني حكمةُ تهنئةٍ خاصة في ثوب لغوي راقٍ.. وتعميما …

الجهوية المتقدمة ومستلزمات الحكامة الترابية -2- تنمية الموارد المالية

يعد الارتقاء بالجهة لمراتب متقدمة في التنظيم الإداري للمغرب منطلقا أساسيا في إعداد السياسات العمومية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: