كتابات في تاريخ منطقة الشمال:
“العلاقات المغربية البرتغالية”
على الرغم من أن الظاهرة الاستعمارية قد أصبحت جزءا من الماضي المشترك في علاقة المغرب بجاره البرتغالي، فإن آثارها المادية والرمزية لازالت ماثلة للعيان سواء بهذه الدولة أو تلك. ونظرا لعمق هذه التأثيرات وأهمية مساهمتها في رسم المخيال الجماعي المشترك بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية، فإننا نعتقد أن التأثير البرتغالي في النظم المعيشية للمغاربة وفي أنماط تفكيرهم يعتبر الأكثر أهمية من كل التأثيرات التي خلفتها موجات الاحتلال المتتالية التي تعرضت لها بلادنا على امتداد تاريخها الطويل، مثلما هو الحال مع الاحتلال الوندالي، أو الروماني، أو الفرنسي، أو الإسباني. ولن نجد صعوبة تذكر إذا أردنا رصد مظاهر التأثير البرتغالي داخل وسطنا المعاصر، ليس فقط على مستوى الشواهد المادية المباشرة المنتصبة كأسوار وكأبراج وكقلاع على امتداد جغرافية العديد من المدن المغربية العريقة الساحلية، ولكن كذلك –وهذا هو الأهم– على مستوى التراث الرمزي المشترك، تراث يتجاوز حالة التنافر الديني بين هذا الشعب أو ذاك، وكذلك حالة التصادم الحضاري “المفترض” الذي رسخته أرصدة هائلة من الإسطوغرافيات التقليدية سواء منها العربية الإسلامية أم الإيبيرية الكلاسيكية. ولعل المتأمل في المضامين الإنسانية للتراث الثقافي والرمزي المشترك، سيقف على الكثير من القيم التي تتقاطع في تمظهراتها السلوكية والفكرية مع مسلكيات يومية بسيطة نجدها منتشرة بين صفوف المغاربة، مثلما نجدها قائمة الذات بين صفوف الساكنة البرتغالية. فعلى المستوى اللغوي مثلا، يمكن حصر حالات كثيرة من أشكال التأثير اللساني هنا وهناك. وعلى المستوى الأنتروبولوجي، أمكن الوقوف على حالات عديدة لطقوس اجتماعية مغربية انتقلت إلى البرتغال وتحولت إلى ممارسات إيبيرية خالصة. وحتى على مستوى أسماء الأشخاص والأماكن، يمكن الوقوف بالبرتغال على مظاهر شتى لهذه التأثيرات، من قبيل انتشار أسماء مثل فاطمة، القنطرة، مازغان،… على نطاق واسع واكتسابها لصفات إيبيرية خالصة. لكل ذلك، وغيره كثير، أمكن القول إن الحضور المغربي في الفضاء العام للبرتغال أو الحضور البرتغالي في الفضاء العام للمغرب، تظل أمورا غير قابلة للتجاوز، بفعل انتصابها كحقائق قائمة فرضتها الجغرافيا ورسخها التاريخ وزكاها التراث الثقافي المشترك.
في هذه السياق، يندرج تطور تراكم حصيلة البحث العلمي التاريخي المغربي المعاصر المتخصص في تفكيك أوجه العلاقات المتشعبة التي ظلت تجمع بين دولتي المغرب والبرتغال. ويعتبر الأستاذ عثمان المنصوري واحدا من بين أبرز المؤرخين المغاربة المعاصرين المتخصصين في تحولات العلاقات المغربية البرتغالية خلال الفترات المعاصرة الممتدة بين القرنين 18 و20. وقد استطاع تحقيق تراكم علمي رفيع مرتبط بمجال اشتغاله، توجه بتقديم أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه سنة 2001، صدرت سنة 2005 تحت عنوان “العلاقات المغربية البرتغالية (1790-1844)”، في جزأين متكاملين، احتوى أولهما على نتائج أطروحته الجامعية المذكورة، في حين خصص الجزء الثاني لنشر ذخيرة هائلة من الوثائق المحفوظة بأرشيف القنصلية البرتغالية بطنجة. ويمكن القول إن هذا العمل يساهم في تجاوز الكثير من حالات الغموض التي تعتري تطور العلاقات المغربية البرتغالية خلال الفترة المعاصرة، مادام تركيز الباحثين قد انصب –أساسا- على دراسة آثار الغزو الإيبيري البرتغالي لبلادنا خلال القرنين 15 و16 الميلاديين. فسواء بالمغرب أم بالبرتغال، انشغل المؤرخون بالبحث في تداعيات هذا الغزو، في حين ظلت مرحلة ما بعد القرن 17م غائبة بشكل شبه مطلق. ويعود الفضل للأستاذ عثمان المنصوري في إثارة الانتباه إلى خصوصيات تطور العلاقات المغربية البرتغالية بعد معركة وادي المخازن الشهيرة لسنة 1578م. ولقد أجمل الإطار العام الموجه لعمله الأكاديمي الرصين بشكل دقيق في كلمته التقديمية للكتاب موضوع هذا التقديم، عندما قال: “اهتم الباحثون البرتغال ومعهم كثير من الباحثين الأوربيين والمغاربة بالعلاقات المغربية البرتغالية في الفترة الحديثة، وكتبوا فيها كثيرا، وركزوا بالخصوص على فترة التوسع البرتغالي في الثغور المغربية، التي تشكل أوج تاريخ التوسع البرتغالي. وظهر هذا التركيز واضحا من خلال المجهود الذي بذل خلال الفترة الاستعمارية لنشر الوثائق المتعلقة بهذه الفترة ضمن وثائق دوكاستري، في المجموعة البرتغالية التي تقف عند حدود معركة وادي المخازن سنة 1578. ولم تحظ الفترة التالية لمعركة وادي المخازن باهتمام الباحثين، سواء في البرتغال أو في المغرب. ولعل ذلك يعود من جهة إلى تركيز الباحثين البرتغاليين على فترة الاكتشافات التي تمثل بالنسبة لهم فترة عظمة الدولة البرتغالية. كما يعود من جهة ثانية إلى اعتقاد معظمهم بأن الفترة المعاصرة لا تتضمن معطيات جديرة بالاهتمام، وأن العلاقات بين المغرب والبرتغال لم تكن آنذاك بالأهمية التي تبرر الكتابة عنها. وتعكس المؤلفات التي وضعها المؤرخون البرتغال لتاريخ بلادهم هذا الاعتقاد، بحيث نجدهم يسهبون كثيرا في مراحل التوسع البرتغالي، ويجملون الحديث عن معركة وادي المخازن ونتائجها. أما بعد ذلك، فيصبح الحديث عن المغرب وعلاقاته بالبرتغال نادرا جدا وكأن العلاقات بين البلدين انقطعت تماما. وحتى المؤلفات التي تخصصت في دراسة علاقات البرتغال مع غيرها من الدول لا تخرج عن هذه القاعدة، بحيث لا يتجاوز ما تقدمه عن العلاقات بين البلدين في الفترة المعاصرة بضعة أسطر…” (ص. 7).
ولتجاوز معالم هذه الثغرة في تركيب صورة العلاقات المغربية البرتغالية خلال الفترات المعاصرة، انبرى الأستاذ المنصوري لاستغلال ذخائر غميسة من الأرشيفات المحفوظة بالمغرب وبالبرتغال، في إطار تصور علمي أحسن استثمار المواد الارتكازية في البحث وفي التنقيب وفي التركيب. فكانت النتيجة، تقديم عمل غير مسبوق في مجال تخصصه، لا شك وأنه تحول إلى أهم مرجع أكاديمي لكل دارسي تطور العلاقات المغربية البرتغالية خلال الفترة المعاصرة. وهو بذلك يساهم في استكمال حلقات الدراسة التي بلورها الأستاذ أحمد بوشرب المتخصص في رصد تفاصيل هذه العلاقات خلال المرحلة الحديثة الممتدة بين القرنين 14 و16 الميلاديين.
وعلى الرغم من أن أطروحة الأستاذ المنصوري قد ركزت على مجمل أوجه العلاقات المغربية البرتغالية خلال عقود القرنين 18 و19، فإن حضور حواضر منطقة الشمال ظل قويا ومؤثرا وموجها بشكل واضح، من خلال الاستثمار المتواصل لتراكم التاريخ ولواقع الجغرافيا، بما لذلك من دور حاسم في رسم حدود التواصل الحضاري الممتد بين الضفتين. ولعل ذلك مما ساهم في إعادة تصحيح الرؤى غير الدقيقة حول البعد التنافري لعلاقات الطرفين ببعضهما البعض، ليس فقط في المجال السياسي، ولكن –أساسا- في مجمل العلاقات الثقافية والاجتماعية العميقة والمتداخلة.
أسامة الزكاري









































































PDF 2025

