الفقيه العدل، الأديب محمد بن أحمد بن علال البختي الودراسي ثمّ التطواني

أسرة البختي بودراس:
تنتمي أسرة البَخْتي إلى قبيلة وادراس، القريبة من تطوان، وهي أسرة عريقة بها، معروفة بنسبها العمراني المتّصل بسيدي عمران دفين بني حسان، الذي يعَدّ رأس الشجرة العمرانية.
وأمّا مستقرّ الأسرة بودراس فهو مدشر عَلاَّلْشْ الواقع في المنحدر المقابل لعين الحصن في أحواز مدينة تطوان، ومنها كان الفقيه أحمد البختي والد المترجَم، الذي نزل في وقت متقدم إلى تطوان واستقر بها، وعمِل مدرّراً لطلبة القرآن بمكتب يقع قرب الزاوية الريسونية بحيّ الصياغين، وبتطوان تأهّل، فأصهر إلى أخواله أسرة ابن حمزة الودراسية، وأنجب عدة أبناء، منهم ولده الفقيه الأديب المترجَم به.
ويرجع الفضل في كثير من مواد هذه ترجمة الرجل، سواء المنشورة أو غيرها، إلى صديقه وتلميذه العلامة الشريف، أستاذنا سيدي محمد بوخبزة رحمه الله، على عادته في تقييد الأوابد، والاحتفاظ بمواد يندر وجودها عند غيرها، تستأثر بها كنانيشه المتنوّعة، ولحرصه وتقديره لشيخه المترجَم، أورد له جملة من الأشعار، ذكرنا معظمها هنا لتُستفاد، كما أورد له نماذج مهمّة من أسلوبه الفريد في كتابة الأصدقة، التي من بينها صداق سيدي محمد بوخبزة، وكريمته الكبرى، وغير ذلك من المواد. وعلى هذه المواد اعتمدنًا في هذه التّرجمة. كما أفردَ له ترجمة مهمّة اعتماداً على ما ذكرنا، أستاذنا العالم المحقّق سيدي عبد المرابط الترغي رحمه الله.

اسمه ونسبه وولادته:
هو العلاّمة الأديب، الشّاعر النّاثر، اللُّغَوي النّحوي، الفقيه العدل، المدرّس المتمكّن، محمد بن أحمد بن علال البختي الودراسي أصلاً، التطواني ولادةً ونشأة ووفاة، وقد اشتهر بتطوان بالفقيه (بن علاّل) وهو جدّه، وليس لقباً للأسرة، ، فاللّقب البختي. وقد ولد رحمه الله بحومة العيون من المدينة العتيقة بتطوان، عام: 1336هـ/ 1918م.

نشأته ودراسته:
تربّى الفقيه سيدي مُحمد بن علاّل البختي، في وسط ملؤه التديّن الصّميم، والتّربية على الأصول والقواعد المتعارف عليها، شأن الأسر الشريفة، وهكذا تولّى رعايته والده الفقيه المدرّر سيدي أحمد البختي، إلى بلغ سنّ التمييز، حيث أُلحق بكُتّاب (المسيد) لتعلّم القراءة والكتابة وقواعد العربية ومبادئ الحساب، وكان والده هو معلّمه في كتّابه، وتحت نظره وإشرافه.
ولمّا آنس منه المقدرة على الطّلب والتحصيل، وبعد أن حفظ القرآن الكريم حفظاً متقناً برسمه وضبطه، انتقل إلى مجالس العلماء المشهورين بتطوان ليدرس قواعد العلم الصّحيح، المعينة له على فتح مغاليق الكتب، وهكذا جلس إلى مختلف أهل العلم المشهورين بتطوان، بمختلف مساجدها وزواياها.
(ومنذ البداية في الدراسة، فقد تفتقت لديه ميول قوية إلى اللغة والأدب وعلوم الآلة من نحو وصرف وبلاغة وغيرها. فكرع منها وعب، وحصل منها ما حصل، فهيأته لكي يصبح من زمرة الأدباء يمارس قول الشعر ويتذوقه ويختبر آلياته ومقوماته ليصل إلى تحصيل ما فيه من الحسن والجمال والتأثير.ولم تطل به مدة الدراسة في حلقات شيوخ تطوان، حتى إذا بلغ موسم 1941 اشتاقت نفسه للرحلة إلى فاس لأجل إتمام دراسته بها، والاستزادة ” من العلم، فقرر السفر إلى فاس للانتظام بمجالس القرويين شأن غيره من الطلبة المتفوقين، بيد أن والده ــ الذي كانت تربطه به علاقة روحانية كبيرة، وكان الفقيه يظهر من إرضائه ما لا يتصور من شاب في سنه ــ نصحه بالزواج والاقتصار على ما حصل من العلم بتطوان، مشجعا له على الانخراط في الشغل من أجل مساعدته وضمان استقرار الأسرة. فما كان من فقيهنا ــ الابن البار ــ إلا أن وافق والده على اختياره، وأقنع نفسه بمتابعة مسيرة البحث والتعلم بأسلوب عصامي شخصي).

وقد ساعده ذكاؤه الفطري، ليحصّل في الوقت الوجيز ما لا يحصّله غيره في الزمن الكثير، وبذلك اكتفى بالدّراسة بمسقط راسه تطوان (وهي بنت فاس)، ولم يرحل إلى فاس كغيره من أقرانه، وممّن أخذ عنهم بتطوان:
1- شيخ الجماعة العلامة سيدي أحمد الزواقي:
فقد (لازمه في مجالسه العلمية وفي درس المصنفات التي كان يدير بها حلقته. فأخذ عنه واستفاد منه كثيرا. وكان الطالب معجبا إلى حد كبير بشيخه الزواقي وبسعة علمه وبمعالجاته في الدرس واستحضاره للموقف في كل أوجهه المختلفة، من لغة وبلاغة ومنطق وأصول و…. وغير ذلك. فكان يتكلم في كل شيء، وبالعمق اللازم. وكانت قدرة الاستحضار عنده قوية، فيورد النقول المناسبة مباشرة من حفظه. وقد ظل يحمل في نفسه أطيب المشاعر وأحلى الذكريات عن شيخه ودرسه في العلوم. فقد كان يذكر: بأن شيخه الأكبر ومعلمه المتميز كان هو الشيخ أحمد الزواقي، وقد كان لا يترك أي فرصة يذكر فيها الشيخ إلا واستحضر الحديث عن شيمه وعلمه الغزير وفضله العميم عليه ة وعلى الطلبة).
2- العلاّمة المحدّث سيدي محمد الفرطاخ:
وقد (أخذ عنه العلوم التي كان يدرسها حديثا وفقها وسيرة وبلاغة. فلاشك قد حضرعنده في درس صحيح البخاري وفي شرح همزية الإمام البوصيري. وسمع منه ما كان ينشده من أنظامه وأشعاره. وقد ظل يحمل عن شيخه هذا ذكريات الدرس الطيبة، فكان ممن وقف من شعراء تطوان عند وفاة الشيخ الفرطاخ ينشد قصيدة رائعة في رثائه، فبكى وأبكى الحاضرين).
3- الشيخ الفقيه الكاتب الأديب سيدي محمد بن عبدالسلام القلالوسي الزرهوني:
(أخذ عنه درس النحو وجلس إليه في شرح المكودي على ألفية ابن مالك. وكان هذا الشيخ كثير الوقوف على الاستشهادات الشعرية، فيشبع فيها الحديث شرحاً وأخباراً، ليخرج في ذلك من درس النحو الصامت إلى درس الأدب الناطق).
4- الفقيه العلامة القاضي سيدي أحمد بن محمد بنتاويت:
(أخذ عنه ولازمه في دروس النحو والبلاغة والأصول، وقد استفاد منه أيّما استفادة. وكان معجبا بدرسه وبفهمه كثيراً. وقد ظل يوجّه إلى هذا الشيخ كل من يريد أخذ هذه العلوم).
5- الفقيه العلامة سيدي محمد الفحصي:
(حضر عنده في درس الفقه فقرأ عليه تحفة ابن عاصم بشرح التاودي بنسودة واستفاد منه).
كما حضر مجالس غيرهم من كبار العلماء الموجودين بتطوان آنذاك، في عدد من الجوامع والمسجد والزوايا.
وقد عُرف عن الفقيه سيدي محمد بن علال البختي تمكّنه من فن الأدب شعره ونثره، مع مهارة فائقة في المعرفة بعلم النّحو، وهو ما جعله يكتب الشعر الرّقيق، والترسّل بأسلوب طلي، وقد كان متمكّناً من ناصية اللّغة، عارفاً بأسرار العربية.

وظائفه:
لم ينل مترْجَمنا حظّاً من متاع الدّنيا وزخرفها، ولم يكن من نصيبه المناصِب العليا التي يستحقّها، وهكذا كان ممّن أدركتهم حُرفة الأدب، وأعرضت عليه الدّنيا كعادتها بالشرفاء الأحرار، فتقلّد مناصب لا ترقى لمستواه المعرفي، حيث اشتغل معلما بالتعليم الابتدائي بمدرسة الغنمية، بتطوان فبعض المدارس الأخرى بالمدينة، ليصبح مديراً بمدرسة علي بركة (بالوطية)، “ويصطدم بالكثير من الإرادات الإدارية في هذا المجال، فيعامل معاملة غبر لائقة ويحرم من ترقياته الإدارية، ” إلى أن وكل إليه ــ أخيراًــ الإشراف على مدرسة ورش القرآنية ــ بحومة الجنوي من تطوان ــ وقد أحيل على التقاعد في وضعية إدارية مزرية لا تليق بحال العلماء العاملين “. كما اشتغل عدْلاً مدّة من الزّمن، حرّر خلالها مختلف العقود بأسلوبه الفريد.

مشاركته في التّدريس:
شارك الفقيه الأديب سيدي محمد البختي في تدريس عدد من المواد، وقد كانت دروسه مقصودة من طرف كبار الطّلبة ونجبائهم، وكان ممّن جلس إليه (مدّة قصيرة) أستاذنا الفقيه العلامة الشريف سيدي محمد بوخبزة جلسة خاصة في بيته، أخذ عنه النحو بالخلاصة وشرحها لابن عقيل وحاشية الخضري رُفقة ثلاثة من أصدقائه –حسبما حدّثني-، ووصف درسه بقوله: (يطيل الدرس جدا ويباحث الشارح والمحشي بتؤدة وصبر ويقول لنا ليس المقصود من هذه المذاكرة دراسة النحو، فعندنا ــ يقول ــ ما يكفينا ولله الحمد، وإنما المراد تربية الملكة ومنهاج البحث العلمي والتحقيق في المسائل، مهما كانت).
(وقد أسند إليه كرسي النحو والبلاغة ضمن الكراسي العلمية التي استحدثت بالجامع الكبير بتطوان، فكانت فرصة للاطلاع على علمه وعلى عمق التناول وهو يدرس الأدب واللغة والنحو)، وقد حكى لي أستاذنا الشاعر الشريف سيدي عبد الواحد أخريف بجامع الكبير، أنّ الطّلبة طلبوا من المترجم أن يدرس معه مادة الأدب واللغة، فوقع اختيارهم على كتاب العقد الفريد، وقد تعدّدت الدروس ولم يكملوا منه سوى المقدّمة، ثمّ استبدلوه بالكامل للمبرّد، ومع ذلك لم يتمّوا الكتاب لكثرة تدقيق المدرّس، وجلبه لعدد من الاستطرادات الهامّة.
(كما كان يحضر المجالس العلمية التي يقيمها الشيخ الفقيه المرير في بيته كل يوم جمعة، وكان موضوعها تفسير القرآن الكريم، معتمدا فيها على تفسير ابن كثير، فكان الفقيه البختي في البداية هو السارد بين يديه، قبل أن يصبح قطب هذه الجلسات)، فقد ذكر تلميذه الفقيه سيدي محمد بوخبزة في بعض كنانيشه رواية عن بعض الحاضرين لهذه المجالس ” قال لي بعض الحاضرين فكان المترجم له يتكلم على مسائل دقيقة في البلاغة والنحو واللغة، وأدرك الفقيه ــ أي المرير ــ أنه يقصر من شأوه، فطلب منه أن يتكلم وحده”.
ولمّا توفّي الفقيه المرير، استمرّت تلك الفوائد والعوائد، وانتقلت النّدوة إلى بيت الأستاذ السفير الطيب بنونة رحمه الله، الذي كانت تربطه بالمترجم علاقة خاصّة، ولمّا توفّي الطيب بنّونة، استمرّت كذلك في بيت صنوه الوجيه عبدالكريم بنونة في شقّته التي توجد قرب شارع محمد الخامس، ولم يعد مدار الحديث عن التّفسير كما كان أيام الفقيه المرير، وإنّما كانت اللّقاءات متنوّعة، يتجاذبون فيها أطراف الحديث، ويتوسّعون في مناقشة ما يرد من إشكالات، وكان أبو عذرتها دائماً، هو الفقيه سيدي محمد البختي.

مؤلّفاته:
لم يترك الفقيه محمد البختي مؤلّفاً مستقلاً، أو رسالة مفردة، وما وجد من آثاره تلك الحواشي التي كان يعلّقها لنفسه علة كتب اللغة والأدب والفقه، بالإضافة إلى ما حرّره من عقود أيام تعاطيه العدالة، وبعض الأشعار المختلفة، والفتاوى التي تضمّنها كنانيشه.

الفقيه (ابن علال) الأديب:
تحدّثنا عن المترجَم له، وقلنا بأنّ السّمة الغالبة عليه كانت هي اللغة والأدب، وقد شهد له تلميذه –وهو من هو- بأنّه كاد أن يصبح أديب تطوان الأوحد، (ولولا العالم الوزير الشاعر المُفْلق محمد بن موسى المراكشي الأصل، لانفرد صاحبنا بفنه). وهي شهادة لا تخلوا من مبالغة.

نماذج من أسلوبه:
1- نثره: أورد أستاذنا بوخبزة في أحد كنانيشه هذه الخطبة التي أنشأها لتقرأ في حفل عَقد قران شقيقه السيّد عبد السلام، بكريمة السيّد مَحمد السطاسي، ونوردها هنا كشاهد على أسلوب المترجَم، وهذا نصّها:
(الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وتُدِرُّ الخيرات والبركات، وتنشأُ سحائب بِرِّهِ الحافلات، فتسقي البقاعَ أمطارُ فضله الوابلات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف رُسُله، عبده الهادي إلى أقوم سُبُلِه، الدال عليه بقوله وعمله، المبين لأمته ما به رَشادها وصلاحها، ورائدها الميمون لما به سعادتها وفلاحها، وعلى جميع إخوانه من النبيئين والمرسلين، وآله الغر الميامين، وأصحابه الذين كانوا خير أمة أخرجت للعالمين.
أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى اسمه، وتقدست آلاؤه وصفاته، جعل النكاح من شرائع الدين، وإقامة حدوده من الفوز المبين فقال عز شأنه، ونفذَ أمره، في معرض الامتنان على عباده الذين يتدبرون، ﴿ومن آياته أن خلق لكم من انفسكم أزواجاَ لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾، ونبه سبحانه للاعتصام به من الشهوة العمياء، والرذيلة الصماء، وأرشد إليه من كان تقيا حنيفا عفيفاً، فقال عز من قائل: ﴿وخُلق الانسان ضعيفا﴾، وأمر به رسوله الأعظم، صلَّى الله عليه وآله وسلم، أتباع ملته، وأنصار شريعته، ورغَّبَ فيه شباب أمته، صيانة للمقتدي به أن يركب مركباَ خشنا من الهوى والفحشاء، وخوفا من متبعه أن يستهدف للظنون السيئة ويرمى بالشنيعة النكراء، فقال عليه أزكى الصلوات وأطيب السلام: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وْجاء)، وقال عليه الصلاة والسلام: (أربع من سنن الأنبياء والمرسلين؛ الزواج، والسواك، والتعطر، والحياء) وفي رواية: (الحناء) بالنون بدل الحياء، وقال عليه الصلاة والسلام: (ثلاثة حق على الله عونهم؛ المجاهد في سبيل الله، والمتزوج الذي يريد العفاف، والمُكاتَب الذي يريد الأداء)، وقد تبرأ صلَّى الله عليه وسلّم من المعرض عن هذه السنة المتجني، فقال من كلمة ينهى فيها عن التبتل: (لكني أصوم، وأُفطر، وأُصلي، وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
وقد رغِب في امتثال هذا الأمر النبوي العظيم، وبادر إلى الاستجابة لهذا الخطاب المقدّس الكريم، الشاب الفاضل المؤدب، الأستاذ النشيط الذكي الأنجب، الشريف سيدي عبد السلام بن سيدي أحمد علال البختي الإدريسي الحسني، فاختار قرينته من بيت النبل والنباهة، واصطفى لباسه من عناية المكارم والنزاهة، فخطب عن الوجيه الوقور، المفضال المحترم الغيور، الخيِّر الأجل، التالي لكتاب الله عز وجل، سيدي محمد بن سيدي عبد الكريم المسطاسي كريمته المصونة، ودرته الطاهرة المكنونة، فتقبل باليُمن خِطبته، وتلقى بالبِشْرِ والإسعاف طِلْبَتَه، فتم بالسعادة عَقدهما، وانتظم بالخيرات عِقدهما، بارك الله لهما، وأنجب منهما ذرية صالحة، وأدام لهما الأنس والصفاء، والكرامة والوفاء، ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾، ﴿واتقوا الله الذي تساءلون بهو الارحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم﴾، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين﴾. قلتُ (بوخبزة): وكانت هذه الخِطبة في تاسع شوال الأبرك عام 1376ه الموافق ل 9 مايو 1957م.
2- شعره:
شارك الفقيه البختي في قرض الشعر، وكان من الوفّقين فيه، وتميّز بمقطوعاته الصغيرة الجميلة، التي صاغها علة نمط الأدباء الكبار، وما يميّز شعره الرّقّة في الشعور، والدّقّة في الوصف، ومن شعره:
• قوله مهنّيئاً بعض لإخوانه بمولود: [مجزوء الخفيف] أقبلَ السّعد باسِما==ومناكم نواسما
فهنيئاً أجاده==قلَم القَدْر راسما
فتمَلّوا حيَاتَكمْ==لكم العيسُ ناعما
وليدم جمعُ عِقدكم==حسَنُ النّظم سَالما
• وله متغزِّلاً:
لله ما ألقى على بُعدكم==من حُرق الصّدر وخفْق الحشا
وكم شنّج البين من عَصبي==مذ نفد الدّمع وما إن أشا
….
عليك ناج سرّي همْساً ففي==نجواك طبّ بعض ما قد فشا
لا تبعد يا إنسان باصرتي==رُحمى الإلهِ ذاك حقّ العَشا
عِطْر ملامي أرِجاً عَبٍقاً==أزُفُّه لك هُبوب النّشا

• وله أيضاً هذا البيت من أبيات ضَنّ بها تورّعاً، وقد أوحى بها منظر غادةٍ تشرَبُ اللَّبَن:
رأيتها تجَرِجِرٌ اللّبَنا==فقلت: آهِ لو سَلكْتُ أنا

• ومن شعره ما قاله ناسجا على بيت للعارفة رابعة العدوية ومذيلا له بما راق من حقائق الصوفية: [المتقارب]

أَرَامِـيَ قلبي فأصمـاه نــزعـا== أفيك حــنان فــــآوي ذُراكْ
” أحبك حبين حب الهـــــوى ==وحــبا لأنــك أهـــــل لـــذاك”
غـــــزالٌ نـــفور، فــؤادي لـه== كِـنَاس فليس يـَرِيـم هَـــــنـاك
فـمُـنَّ بوصـل لعـلــي أعـــــــلــــــــــ==ــــــــلـل نفسا تلظــى إذا لا تـراك
وأطمعها بالمــنى مــنـك حــتــــــــــــــ==ــــــتـى تـقـر فـتشـدو بلحــن هـواك
وأحـرقتُ فيك حشايَ جـــوىً== فيـالـيت شـعري كـذاك حشــاك

• وله هذه القطعة التي أوحى إليه بها منظر آدمية تسبح في البحــر: [الوافر] غبطت البحـر إذ أمسـى جهارا== يعانقها ويحضنها بـــــــــــدارا
يداعـــبها فتخــتـلــه وتــــــلــهـو ==وتسخـــر مـن صبابتـه اغترارا
ألا يابـحر أقصر لست تـدر ي== خـداع الغــيـد يطـمـعـن المـزارا
فإن تعلق بهن الدهـــــٍر أخشى== عليك السهد يسلبك القــــــرارا
ألـم يفطمك عن حب الغــواني== قرون بعضها يهـدي البــوارا
أمـا أبصـرت مـا فعل الحسان== بقـلبـي الصـب إن أبرقن طارا
ألم يبلغك ما فعل اللــــــــواتي== فــتــن القلب حتى قـيل بــــارا
وبات الضد يأسف لي حنـــانا ==ويسعــى كي يساعدني مـــرارا
أغـرك أنـني أخفـيت حــــــبي==فرحت تخال أني لــن أغــارا
لقـد أخطأت إني مستهــــــــا م ==غيـور عـاشـق كـره الجـــوارا
فيارحمـان أدركنـي بلـــــــطف ==يجـلي الكــرب والحـزن المغارا

• ومن صادق شعره وبليغه ما قاله في رثاء صديقه السيد إدريس الابن الأكبر للفقيه السيد عبدالسلام بلقات التطواني، الذي توفّي غريقاً بوادي المحنّش في مقتبل عمره، وقد قدم لهذا الرثاء بكلمة هذا نصها: ” رثيت بهذه الأبيات أخا من إخواني اغتبطه الموت في زهرة شبابه ونعومة إهابه. وكنا زمانا كالفرقدين لا نكاد نفترق، حتى حمل الحسد بعض الشياطين على استهوائه، فتبعهم في مهامه الضلال تائها حيران. فما زالوا يطوفون به ويطوحون إلى أن قشعت عنه ضبابة غيه، فنظر فإذا هو من صحبتهم في سراب خادع، وكأنما هو لأنفه جادع. فحينئذ عاد يتلمس ما درس من معالم الصفاء بيني وبينه. ولكن ما استقام منه على لاحب، حتى قام عليه ناحب، فرحمه الله تعالى وغفر لنا وله:
بينا الحياة مع المنى تجــــري ==هاج الغــواة وساوس الهجـــــر
وأتى على حين المطامع تعـــــــــــــ==ـــــــــــظم ناعي الشجو لدى سنا الفجـر
خشع الفؤاد من المصاب بمـــــن ==أحـيى زمانا يبري كالقطــــــــــر
عـف إذا الآثــام لحـن لـــــــــه ==جــم الحيــاء كـغادة الخـــــــــد ر
سافيته أدب الأريــــب فـلـــــــم== أذممـه أن أغضـى عـن الخيـــــر
روحي ــ لو ان قبل ــ الفداء له سلبت شمائله شذا الــــــــــزهــــر
هيهات نادته المنايا فــمــــــــــا ==ألوى وأعــنى غير ذي ذعــــــر
وبقيت إلف الحــزن في سهُد== من رزئه يالـيته يســــــــــــــر ي
أنــس الفؤاد تركت حظــي من== لطف الحديث وحــاوح الصــد ر
يانـور باصرتي لا أنــــــسـى== عهدا تقضـى لـنا على البــشـــــــر
إني لست ناسيــه ولا حـــزني== بخفوق جسمك في حشـا الحـفــــر
ياروح وجهي في المصيف ثوى== رهـن الصفـا وجنـادل القــبــــــــر
أوه تغــشـتـك المنــايـا فـــي== وضـــح الشبـاب ومـيعــة البــشـر
فلئن أعمــر بعد صحبي… لا== ألقاهـم فـهم لـفـي ذ كــــــــــــــــر
غاداك خلي رضى إلاهي ما== د مــنا لـنـعمــاه أولي فــقــــــــــــــر
وتـفـيـــا ظــل الخـلـد مـرتـادا== ما تشتهي، لا إثـم في الخـمــــــر
وقد علق أستاذنا الفقيه بوخبزة على هذه القصيدة بقوله: ” يشير لاالشاعر بقوله أخيراً: (لا إثم في الخمر ) إلى ما عرف عن صاحبه المرثي من ولوعه بشرب الخمر بعد أن استهوته الشياطين في الأرض حيران، ولكنه أقلع وتاب حينما عاد يتلمس ما درس من معالم الصفاء، مع صفيه الشاعر، وقد أقام الشاعر على وفائه فرثاه بهذه الأبيات الحزينة المترجمة عما يعتلج في الصدر من الحسرة وصدق الإ خاء حتى بشره بوفرة الخمر في الجنة التي هي (لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ). ”

• وله من قصيدة في رثاء أستاذه الفقيه الفَرِطاخ في جماعة من الأساتذة حَبَّرُوا النّظم والنّثر في رثاء المذكور، ولكن الأديب البختي بذّهم، ومنها:
قدحْت الشجون بقلب الشجي==ورقرقْتَ دمعي من المُهَج
وأيْبَسْتَ بَلّة ما بالحشا==أناعيَّه جئتَ بالحَرج
ومنها بعد أبيات:
لقدْ كان بَدْراً منيراً أضا==به السّاري في الفقر واللّجَج

ومن نباهته وقوة عارضته وسرعة بديهته، ما حدّثني به تلميذه وصديقه، شيخنا الشريف سيدي محمد بوخبزة رحمه الله، أنّ العلاّمة الأديب المؤرّخ الوزير، المختار السّوسي لمّا زار تطوان في بداية استقلال المغرب، وطُلب منه أن يلقي محاضرة، كان من بين الحاضرين؛ المترجَم له، وأثناء كلام المحاضٍر المختار السّوسي، ارتجل شطر بيت ضمّنه ماضيه وحاضره، وهو قوله: (ومن حبسٍ إلى حُبُس) يعني أنه كان ضمن المعتقلين من أبناء الحركة الوطنية، وأصبح فيما وبعد وزيراً للأحباس، فأجابه العلامة البختي لما سمع: (ومن حبِس إلى حُبُس==) أجابه بقوله: (إلى نُعِمَى فإتمامِ)، وبهذا الشطر يكتمل البيت، ولّما سمعه العلامة المختار السّوسي قال له أمام الملأ: لله درّك.

وفاته ومقبره:
توفي الفقيه الأديب الشاعر النّاثر، الشريف سيدي محمد بن أحمد علال البختي يوم الاثنين 7شعبان عام 1410هـ/موافق 5 مارس سنة 1990م، بعد معاناة مع المرض، وقد كان سبب وفاته أنّه سقط أرضاً فاقداً وعيه في الشارع خارج داره فنقل فوراً إلى منزله، ولم يلبث أن توفي إلى رحمة الله عن سن الثمانين. ودفن من غده الأربعاء بمقابر تطوان. رحمه الله رحمة واسعة وغفر له.

 

يونس السباح

عن Romaisae

شاهد أيضاً

“التوسع البرتغالي في المغرب”

حظيت ظاهرة الغزو الإيبيري التي ضربت بلادنا خلال مطلع العصور الحديثة باهتمام متزايد لدى قطاعات …

عودة مفقود اختفى منذ عقود: «دليل الحج والسياحة»

ذكريات شامية وتنويه بالانتداب ولا تخلو رحلة الهواري إلى الشام، وهوفي طريق العودة إلى المغرب، …

“الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال”

صدر كتاب “الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال (1912-1956)” لمؤلفه الأستاذ إدريس خليفة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: