“القصر الكبير: معطيات تاريخية وثقافية”..

كتابات في تاريخ منطقة الشمال:

“القصر الكبير: معطيات تاريخية وثقافية”

 

الحاج محمد أخريف.. رجل البحث التاريخي المحلي بامتياز. الحاج محمد أخريف.. رجل الوفاء للمدينة ولرموزها المادية ولأعلامها الخالدين ولشواهدها الأثرية القائمة. لقد استطاع هذا الباحث الفذ تحقيق تراكم علمي نفيس في مجال الولع بالبحث وبالتنقيب في تحولات ماضي مدينة القصر الكبير، داخل وسطها المحلي الضيق، وبامتدادات ذلك على الوسط الإقليمي بمنطقة الشمال، ثم على المستوى الوطني المتشعب. فكانت النتيجة، صدور مجموعة منتظمة من الأعمال المونوغرافية والقطاعية والبيوغرافية المسترسلة، مما يشكل خزانة هامة من المواد الارتكازية لدراسة كل منعرجات الماضي الطويل لمدينة القصر الكبير، بدء من الحقبة الرومانية السحيقة، ومرورا بإفرازات الحقبتين الوسيطية والحديثة، وانتهاء بالتباسات المرحلة المعاصرة والراهنة. في هذا الإطار، قدم الأستاذ محمد أخريف سلسلة تجميعية موسوعية غير مسبوقة، اختار لها عنوان “القصر الكبير: وثائق لم تنشر”، احتوت على ذخائر غميسة من المواد الوثائقية الضرورية لكل محاولات كتابة تاريخ مدينة القصر الكبير، وعزز ذلك بإصدار سلسلة من الأعمال القطاعية التي اختصت بقضايا متنوعة من ماضي المدينة، مثل واقع الطائفة اليهودية بالمدينة، وحفريات مطفية الجامع الكبير، وتجارب المقاومة والعمل الوطني بالمدينة،… إلى غير ذلك من الأعمال المؤسسة التي أنجزها بشكل فردي أو بمعية رفيقه وزميله الذي تقاسم معه نفس العشق لأحضان مدينة القصر الكبير، وأقصد به في هذا المقام الأستاذ محمد العربي العسري.

وعموما، يمكن القول إن الأستاذ الحاج محمد أخريف يظل معلمة منيرة داخل دهاليز المشهد الثقافي والعلمي والجمعوي لمدينة القصر الكبير. ويعود له الفضل في تحقيق سبق محمود، ليس فقط على المستوى المحلي والجهوي، ولكن –كذلك- على المستوى الوطني، في مجال الجمع بين الانشغالات العلمية الخالصة المرتبطة بدرس التاريخ المحلي من جهة، وبين العمل الجمعوي الراشد والمبادر من جهة ثانية. وبطبيعة الحال، فإن هذا العمل الجمعوي الراشد قد وجد تعبيراته النوعية في عمل جمعية البحث التاريخي والاجتماعي بالقصر الكبير، وهي الجمعية التي استطاعت أن توفر الحضن الأصيل لصهر الانشغالات العلمية بالبحث في تاريخ المدينة، داخل بوتقة العمل المدني المؤسساتي الكفيل بتعميم الوعي الجماعي بأهمية استحضار البعد التاريخي وشواهده الحضارية الكبرى في كل مشاريع النهوض الآني، وفي التأصيل لهوية مدينة القصر الكبير من موقعها كنقطة إشعاع حضاري امتد تأثيرها على نطاق واسع منذ العهود الماضية وإلى يومنا هذا.

كل من يعرف الأستاذ محمد أخريف، يقدر قيمة الجهد الذي بذله الرجل من أجل إشباع نهمه بالبحث في ماضي المدينة، عبر تجميع الوثائق الدفينة، وتصنيف البيبليوغرافيات المتنوعة، واستنطاق الروايات الشفوية، وإنجاز الترجمات الضرورية، وتفكيك مكونات التراث الرمزي المشترك، والانفتاح على التنقيب الأركيولوجي المتخصص، وتوظيف التراث الإبداعي مثل الشعر والموسيقى والأهازيج الشعبية، وتأطير العمل الجمعوي المتخصص، ثم تقديم نتائج كل ذلك في سلسلة الإصدارات والندوات التواصلية العديدة داخل المغرب وخارجه. وقبل كل ذلك، وقبل كل هذا العمل الذي لا شك وأنه سلخ من صاحبه الكثير من الجهد ومن الصبر ومن الأناة ومن الوقت، يظل الأستاذ أخريف رجل الأخلاق بامتياز، بتواضعه الجم، وبفضيلة الإنصات/وحسن الإنصات لديه، وباستعداده الدائم لتقديم كل أنواع المساعدة للباحثين وللطلبة وللمهتمين. ولن أنسى –أبدا- المناسبة التي قصدته فيها خلال إحدى أيام سنة 1991، بتوجيه من الأستاذ المؤرخ إبراهيم بوطالب، عندما كنت بصدد إنجاز بحث جامعي حول سيرة السوسيولوجي الفرنسي إدوارد ميشو بلير. يومها، فوجئت بمستوى الترحيب الذي استقبلني به الحاج أخريف، بعد أن فتح أمام وجهي باب مكتبته الخاصة، بوثائقها النادرة وبمؤلفاتها الفريدة وبمكنوناتها القيمة مثل الصور والخرائط والشهادات. ومنذ ذاك التاريخ، وأنا أرتبط بالرجل بعلاقة ود وتقدير متبادلين، نجحت في استثمار ثمارها في الكثير من الأعمال العلمية التي استطعت إنجازها، وكذلك في توجيه العديد من الطلبة والباحثين المشتغلين على ماضي مدينة القصر الكبير العريق.

ويمكن اعتبار الكتاب الصادر  خلال بحر السنة الجارية (2020) تحت عنوان “القصر الكبير: معطيات تاريخية وثقافية”، باللغتين العربية والإسبانية، تحت إشراف بلدية مدينة القصر الكبير، في ما مجموعه 159 من الصفحات ذات الحجم المتوسط، تجسيدا للأفق العام لاشتغال الأستاذ محمد أخريف داخل مسار الربط بين الاهتمامات التاريخية من جهة، وبين التأطير الفعال لاستثمار هذه الاهتمامات لتحقيق التنمية الثقافية المنشودة من جهة ثانية. فالكتاب يقدم “تقريرا” مركبا حول دور التاريخ والثقافة في تحقيق التنمية المحلية وفي تطوير التعاون الدولي الفعال والمنتج، عبر الاستغلال الأمثل لعطاء الديبلوماسية الثقافية الموازية. ولإضفاء طابع إجرائي على هذا البعد، حرص المؤلف على تقسيم عمله بين أربعة محاور متكاملة، اهتم في أولاها بالتعريف بموقع مدينة القصر الكبير وبأهميتها التاريخية، مصححا بعض الأخطاء المتداولة حول وقائعها المدونة. في هذا الإطار، كانت له وقفة مع الأصول الرومانية للمدينة، إلى جانب روافدها التي صنعت تركيبتها السكانية بمكوناتها الأمازيغية والعربية والأندلسية واليهودية. وفي المحور الثاني، انتقل المؤلف للبحث في جذور العلاقات الثقافية بين مدينة القصر الكبير ودولة البرتغال في ضوء العلاقات الديبلوماسية للدولة المغربية خلال القرن 16م. أما الفصل الثالث من الكتاب، فقد خصصه المؤلف للحديث عن معركة وادي المخازن التي انهزم فيها الجيش البرتغالي على أبواب مدينة القصر الكبير سنة 1578م. وفي الفصل الرابع والأخير، انتقل المؤلف لتقديم حصيلة استثمار الجهد المبذول في مجال البحث التاريخي، جمعويا وأكاديميا ورسميا، من أجل تحقيق التنمية المنشودة للمدينة ولمحيطها الإقليمي، من خلال تفصيل الحديث عن حيثيات توأمة مدينة القصر الكبير مع مدينة لاغوس البرتغالية، والتوقعات الإيجابية المنتظرة لجهود تجاوز عقد الماضي ومنغلقاته، في أفق التأسيس للاستغلال العقلاني للعلاقات الثقافية بين مدينتي القصر الكبير ولاغوس، وبين دولتي المغرب والبرتغال.

وبهذه المبادرة، أصبح بالإمكان وضع شروط الانطلاق في وضع لبنات تغيير الرؤى العدائية التي طبعت علاقة المغاربة بجيرانهم البرتغاليين على امتداد القرون الماضية. ولعل هذا ما اختزلته الكلمة المعبرة التي ألقاها المهندس المعماري البرتغالي فردريكو باولا يوم 11 نونبر من سنة 2019، على هامش زيارته للمدينة رفقة وفد رسمي ومدني هام من دولة البرتغال، عندما قال: “هذه زيارة للقصر الكبير ذات أهمية خاصة، لأنها لحظة تاريخية أخرى بين البرتغال والمغرب، في فترة تاريخية مضطربة، معركة مأساوية للبرتغاليين، معركة مجيدة بالنسبة للمغاربة. إننا ننظر لهذا الماضي بدون عقد، ونتطلع لما هو أهم، وهو تحويل هذا الماضي من صراع إلى مستقبل مفعم بالصداقة والتعاون. ومن أجل ذلك، نحن هنا لتقوية وتعزيز أواصر الصداقة بين مدينتي لاغوس والقصر الكبير، وبين البرتغال والمغرب، تبعا لبروتوكول التوأمة…”.

يتعلق الأمر برؤية مجددة، لها كل الاستعداد لتجاوز أحقاد الأمس ولاقتحام حقل الطابوهات، قصد ترشيد التطلع الجماعي نحو المستقبل المشترك بين شعبي المغرب والبرتغال. ومبادرات الأستاذ أخريف تظل عناصر مؤسسة، لابد وأن نجني ثمارها اليانعة داخل حقل الديبلوماسية الثقافية الموازية.

 

أسامة الزكاري

عن admin

شاهد أيضاً

“شربيل حليمة”.. متعة الافتتان بوجوه جبالة العميقة

     يتابع المبدع المسرحي الدكتور الطيب الوزاني نحت معالم مسار تجربته الثرية مع الكتابة …

العلامة المدرّس، الفقيه الواعظ سيدي محمد (الولي) بن عبد الصمد التجكاني التطواني

اسمه ونسبه وولادته: هو الفقيه العلاّمة، الخطيب الواعظ، المدرّس النّفّاعة، الشريف سيدي محمد بن عبد …

أديب تطوان ومجاور الحرم المكي الدكتور حسن الوراكلي 1941/2018 (مسيرة وعطاء)

كانت فكرة مجاورة الحرم المكي مما استأثر باهتمام الكثيرين من علماء المغرب الأقصى، حيث رأى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: