القضية وطن…

يعيش المغرب حاليا على وقع مأساة خطيرة تتعلق بقضية قتل الطفل عدنان بوشوف بعد اغتصابه ودفنه بطريقة لاإنسانية فيها الكثير من البشاعة. وقد ما صاحب هذه المأساة الوطنية نقاش عمومي حاد انتشر على مستوى جميع وسائل التواصل الاجتماعي. نقاش سار في اتجاهات متعددة، منها ما انصب على إدانة هذا الفعل الشنيع، ومنها من خاض في طبيعة العقاب المفروض أن ينزل بالجاني.

ويبدو، للوهلة الأولى،  أن هذا النقاش العمومي طبيعي ومطلوب بحكم أن الجريمة تمس قضية حيوية في مسار مجتمعنا، وهي ما يتعلق بوضع ومآل الطفولة المغربية، وما يهددها من مخاطر وانزلاقات لا أخلاقية. إلا ان هذا النقاش في كثير من جوانبه انزاح عن جوهر وصلب القضية الحقيقيين، واتجه نحو نقاشات قد تبعد قضية الطفل عدنان عن أفقها الحقيقي.

النقاش العمومي حول الإعدام من عدمه هو تحوير منهجي لمسار قضية حساسة تتعلق بتهديد خطير يتربص بالطفولة المغربية، قضية تقتضي توفير مناخ نظري شامل تتم فيه عرض وجهات نظر عميقة تؤطر سبل حماية الطفولة المغربية وضمان حقوقها.

الإعدام من عدمه موكول إلى السلطة القضائية، وهي المرشحة الأولى في تقدير إمكانياته، كما انه  أمر محسوم من الناحية القانونية مادام أنه منصوص عليه في المساطر المرتبطة.

ما نتجه نحن نحو الخوض فيه هو ضرورة التنصيص على عدم الإفلات من العقاب الملائم لبشاعة الجريمة، وضمان كل شروط المحاكمة العادلة ما دمنا نتحرك في أطار دولة يحكمها القانون ويؤطر مآلاتها.

ما يهمنا أيضا أن العقاب ينبغي أن يكون بالصيغة التي توفر إمكانيات تحقيق الردع الكامل، وإمكانيات عدم احتمال تكرار نفس الجريمة، وتوفر الترسانة القانونية اللازمة لدفع المجتمع نحو مزاولة طفولة خالية من أي تهديد كيفما كانت طبيعته وحدته.

ما يهمنا أكثر أن يتجه النقاش العمومي والخصوصي نحو اعتبار قضية عدنان قضية وطن وليست قضية فرد. ولأجل ذلك ينبغي أن تنهض كل المؤسسات ذات الصلة بمزاولة واجبها على نحو كامل في الالتفاف حول قضية عدنان من أجل سن ما يتطلبه الأمر من ترسانة قانونية واجتماعية وثقافية تحمي طفولتنا.

ينبغي أن يتبنى البرلمان المغربي قضية عدنان بوشوف، وبذلك سنكون فعلا قد اتجهنا بالنقاش العمومي حولها نحو وجهته الحقيقية، وبذلك ستتضافر جهود السلطة التشريعية والقضائية من أجل صون كرامة طفولتنا المغربية عبر النصوص والبنود اللاززمة، وعبر السلطات المؤسساتية.

من المفرض أخلاقيا وإنسانيا أن نترفع عن الاستثمار السياسوي في مأساة طفل. من المفروض أن نترفع عن استغلال مآسي المجتمع من أجل تصريف المعتقدات الإديولوجية.

إننا  الآن أمام قضية باعتبارها وطن، أي أننا أمام قضية بحجم وطن. قضية عدنان بوشوف سامية، ولن يعطيها سموها الحقيقي إلا عندما نرتفع بها كي تصبح قضية وطن بمعناه المؤسساتي.

ينبغي أن تتبنى الأحزاب والهيئات المدنية من جانبهما  قضية عدنان بوشوف، ينبغي أن تساهم بدورها في الرفع من مستوى النقاش العمومي والاتجاه به نحو أفقه المطلوب باعتباره نقاشا بانيا لمستقبلنا ومآلنا.

أكيد أنه من حق عموم المغاربة التعبير عن غضبهم وخوفهم واستيائهم واحتجاجهم مما حصل لعدنان، غير أننا نؤكد أكثر وبكل الوعي أن هذا الحق الطبيعي كلما انتظم في إطار مؤسساتي كلما كانت نتائجه أقوى وأوصل.

 

• عبد الإله المويسي

عن admin

شاهد أيضاً

مراقبة الكمامات…

في إطار التدابير التي كانت قد اتخذتها الدولة المغربية لمواجهة تفشي كوفيد-19، وحفاظا على صحة …

تثقيف القراءة وقراءة التثقيف

تنبني الدلالة اللغوية للقراءة على فعل الجمع، ذلك أن أصل معنى لفظ القراءة هو الجمع؛ …

فرصة مفتوحة من أجل إنقاذ شريحة واسعة من الطفولة المغربية

التربية والتعليم مفتاح المستقبل لكل مجتمع يطمح إلى تأهيل رأسماله البشري، وأمية الأطفال معضلة كبرى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: