المتصوفة الأندلسيون بحاضرة مراكش – من خلال السعادة الأبدية لابن المؤقت – 2/1

تحاول هذه المقالة -سيرا على نهج سابقاتها- تتبع الحضور الأندلسي في المجال الأدبي والجغرافي المغربي، فحضور الرموز الأندلسية في الأدب عامة والشعر على وجه الخصوص، تأكد من خلال تتبعي للشعر العربي بالمغرب والزجل والنثر الفني المغربي والدراسات الأكاديمية للباحثين المغاربة، فقد توقفنا عند هذه الفنون والأصناف محاولين رصد حضور واستحضار الأندلس من خلال الأعلام والحواضر والأحداث.

ستحاول هذه المقالة الانتقال إلى مستوى آخر من الرصد والتتبع للعلاقة المغربية الأندلسية وذلك من خلال البحث عن الشخصيات والمشاهير الذين انتقلوا من الأندلس إلى المغرب فاستقروا به وتفاعلوا مع ثقافته وتاريخه ورجاله، انتقال له دوافع عديدة منها الشخصي طلبا للعلم ورغبة في السفر والاكتشاف، ودوافع سياسية نتيجة لمخلفات المد الصليبي وما رافقه من اضطهاد وتعذيب دفع الأندلسيين للهجرة.

سأعتمد في تتبعي ورصدي لهجرة الأندلسيين للمغرب على مصدر مهم في تراجم الرجال والتعريف بهم، إنه مؤلف “السعادة الأبدية في التعريف بمشاهير الحضرة المراكشية لابن الموقت المراكشي.”

يصنَّف الأدب المغربي بأنه من الآداب المشتهرة والمعروفة بالتأليف في التراجم، فكثرة كتب التراجم والسير تميز تآليف المغاربة، فكلما توقفنا عند مؤلفي عصر من العصور نجد مؤلِّفا أو مؤلفين خصوا رجال مرحلة أو طبقة بالتعريف والترجمة، فعددوا مناقبهم وأفضالهم وكراماتهم التي اشتهروا بها، وتختلف المعايير التي يعتمدها المؤلفون في اختيار مترجَمِيهم، فنجد كتب تراجم اعتمد أصحابها على المعيار الزمني فخصصوا تراجمهم لرجال قرن معين (نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي للإفراني، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني للقادري، الصفوة، التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر من أخبار وأعيان المائة الحادية والثانية عشر لمحمد بن الطيب القادري..) ونجد من المترجمين من اعتمد المعيار المكاني فجاءت تراجمهم خاصة برجال مكان محدد (السلوة، والسعادة الأبدية، والإعلام، والاغتباط..)، ونجد من المؤلفين من اختار الترجمة لرجال موطن معين وقطر محدد فنجد مثلا (سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس فيمن أقبر من الصلحاء بمدينة فاس لمحمد بن جعفر الكتاني)

بالإضافة إلى اختلاف معيار تحديد المترجم لمترجميه تختلف مضامين كتب التراجم، فبعضها يضم تراجم تاريخية والبعض الآخر يشمل تراجم أدبية، كما نجد التراجم المنقبية، فما هي الترجمة المنقبية؟ وماهي نماذجها؟

الترجمة نوع من الكتابة يتم بها كشف وجوه خاصة بشخص ما والتعرف عليه، فالمؤلف/ المترجِمُ يورد عدة أجزاء تتراص فيما بينها لتشكل صورة عن المترجَمِ له.

وعناصر الترجمة كما حددها الأستاذ عبد الله المرابط الترغي –رحمه الله-هي:

  • تقديم المترجم به اسما ونسبا وكنية وبلدا وولادة؛
  • الحديث عن النشأة والدراسة وطلب العلم والرحلة إليه؛
  • عرض أسماء شيوخ المترجم به وإجازاته؛
  • عرض أسماء تلامذته والمستفيدين منه؛
  • ذكر نشاطه في التدريس؛
  • ذكر نشاطه في القضاء؛
  • ذكر تآليفه؛
  • إيراد نماذج من أعماله واجوبته وكتاباته وأشعاره؛
  • ذكر تاريخ الوفاة وتعيين محل الدفن؛

هذه الثوابت قد يرد ذكرها جملة واحدة في نص الترجمة، وقد لا يتم ذلك بشكل متتابع مباشر؛ والترجمة المنقبية ضرب من ضروب التراجم، لكن لا يهمها التعريف بالمترجم به فحسب، بل تسعى إلى التبرك به وخلق تواصل بينه وبين القارئ، “والمنقبة عبارة عن موقف وحدث يتلازمان في مبادئ المترجم به.. ولا تقتصر الإفادة فيها على واقعها الخبري أو مضمونها الحرفي.. وإنما يكون للمنقبة إطار خاص يتمرد على طاقة الحدث.. لأنه يحمل من التأويل لهذا الواقع ما تتلاقى به الرغبة في الحدث والإمكان في هذا الحدوث.”[1]

وبذلك تتحول المنقبة إلى كرامة تخرق العادة وتتجاوز الممكن إلى المستحيل، المنقبة غوص في عوالم حياة الزهاد، ومحاولة لرسم صورة تتفاعل فيها الأحداث بالأحاسيس والمشاهدات بالغيبيات، وعادة ما تختص المناقب بشيخ صالح أو ولي مشهور، وتختلف أهداف التراجم المنقبية بين محاولة للتبرك بالشيخ وتربية مريديه بذكر ترجمته، وبين محاولة إثبات الولاية وتزكية الطريق من خلال هذه الترجمة.

هذه الأهداف لا يكفي لتحققها ذكر اسم المترجَمِ والتعريف بمولده ونشأته بل تتجاوز ذلك إلى سرد الكرامات والأمور التي فاق بها الشيخ بقية الناس، فيتداخل في المناقب الممكن بالمستحيل، والغيب بالشهادة، مما يجعلها أقرب إلى صورة خيالية وتجريدية. فإذا كانت التراجم العلمية تبرز أوجه الحركة العلمية و النشاط التدريسي، فإن الترجمة المنقبية تتحدث عن الكشف والكرامة والتأثير والتوجيه مما يشكل ثابتا من ثوابتها، هذه الثوابت التي تتفق مع الترجمة العامة وتختلف معها في بعض المظاهر، منها:

  • التعريف بالأصل والنشأة؛
  • عرض المواقف التي يبرز فيها عنصر الكرامة؛
  • عرض ما يمثل الثقافة الصوفية عند الشيخ بما يفسره من قرآن وحديث؛
  • عرض ما صدر عنه من كلام يبرز تكمنه من الطريقة؛
  • إيراد لوائح الأتباع؛
  • ما قيل فيه من شعر مدحا أو رثاء؛

وتتعدد كتب التراجم المنقبية التي تعتمد على هذه العناصر، وتسير في هذا الاتجاه الصوفي. ويمكن تقسيم اتجاهات كتب المناقب إلى قسمين رئيسين هما:

  • التراجم المفردة؛
  • التراجم الجماعية؛

القسم الأول من المناقب يقوم على إبراز دور الشيخ وأهميته في وراثة السر، وذكر ما حصل من التبرك به، ويركز هذا النوع على المواقف التي ظهرت فيها كرامات الشيخ. في هذا الإطار نجد كتب عبد الرحمان الفاسي، وهي سلسلة حاول من خلالها إثبات ولاية أبي المحاسن الفاسي ووراثته للسر؛ هذه الكتب هي:

  • ابتهاج القلوب بخبر الشيخ أبي المحاسن وشيخه المجذوب؛
  • أزهار البستان في مناقب أبي محمد عبد الرحمان؛
  • عوارف المنة في مناقب سيدي محمد بن عبد الله محيي السنة؛
  • تحفة الأكابر بمناقب الشيخ عبد القادر؛

كما نستحضر في هذا السياق كتاب (المقصد الأحمد في التعريف بسيدنا عبد الله أحمد) وهو كتاب في ترجمة الشيخ أبي العباس أحمد بن معن، ومن هذه التراجم (مناقب الشيخ احمد بن ناصر) لأحمد بن عبد الله الهشتوكي.

هذه إذن نماذج لتراجم منقبية مفردة، خُصصت لشيخ معين.

أما التراجم الجماعية فتختص بتراجم جماعات، فتستوعب طبقة معينة من الأولياء والصلحاء، ومن الكتب التي تمدنا بتراجم جماعية كتاب (ممتع الأسماع في أخبار الجزولي والتباع) لمحمد المهدي الفاسي ومن خلال العنوان يظهر المنحى الجماعي في الترجمة، وكما نجد كتاب (الروض العاطر الأنفاس في أخبار الصالحين من أهل فاس) لابن عيشون الفاسي وهو في تراجم مناقب صُلاح فاس يضم قرابة 90 ترجمة، ومن كتب التراجم الجماعية مؤلف (درر الحجال في مناقب سبعة رجال) للإفراني، يعرف فيه بمناقب رجال مراكش.

والموضوع الذي سنحاول رصد بعض مظاهره وتجلياته، ونستكشف القليل من تمظهراته وتوليفاته، هو رصد وتتبع رجال التصوف الأندلسيين الذي استوطنوا الحاضرة المراكشية.

التصوف والكرامات وجه من أوجه الصلاح الديني والسمو الأخلاقي، وانتشار التصوف في العالم الإسلامي موضوع تتشعب فيه الطرق والمسالك، لكن ما يهمنا هنا هو العلاقة القائمة بين المغرب والأندلس المسلمة، وهي علاقة متجذرة متأصلة منذ الفتح الإسلامي مرورا بعصور المماليك ثم الدول المتعاقبة انتهاء بالسعديين، فالأكيد أن حضور الرموز الأندلسية في الحواضر المغربية يحمل دلالات عديدة وله تأويلات كثيرة.

والمصنف الذي اخترناه لتتبع وتصنيف المتصوف الأندلسيين بحاضرة مراكش، هو كتاب السعادة الأبدية في التعريف بمشاهير الحضرة المراكشية لابن المؤقت المراكشي.

الكتاب من تحقيق هرمي الأدب المغربي الأستاذ حسن جلاب والأستاذ أحمد متفكر عن منشورات مؤسسة آفاق للدراسات والنشر الطبعة 2 سنة 2015.

[1]  السعادة الأبدية ص19

 

د. محمد التويرة

عن Romaisae

شاهد أيضاً

نزار كنوني يناقش بنجاح أطروحة دكتوراه في العلوم بالمعهد العالي البوليتقني بتولوز.

ناقش الطالب الباحث نزار كنوني،  الأبن البكر للصحافي القدير الأستاذ عزيز كنوني،  بنجاح ،  أطروحة  …

قراءة في كتاب “الرحلة الخاطفة” للأستاذ التهامي الوزاني رحمه الله 2/1

خُصوصية الرّحلَة إن أول ما يُعن لِدارِس للأدب الرّحلي عموما ولـ«الرحلة الخاطفة » للتهامي الوزاني …

عن دور الصفحات والملاحق الثقافية للصحف المغربية نموذج : جريدة “العلم”

كان من كتاب صفحة ” أصوات ”  الذين كانوا يدرسون  في كلية الآداب في ظهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: