المكتبة العامة بتطوان كما عرفتها ‪-‬ 3 ‪-‬

وقد تذاكرنا عن كيفية الحصول على صور لهذه المخطوطات العربية والعبرية، فتبين أن ذلك ممكن في إطار التبادل، وهذا ما أكدت عليه في ا الجلسة الختامية مع السيدة مديرة قسم التعاون بالوزارة. وبالمكتبة مصلحة خاصة متطورة بالأرشيف، وهناك وسائل متطورة فيما يرجع للحفظ والصيانة، وآلات … فيما إذا نشب حريق، ثم زرنا متحف المكتب الذي يحتوي على نوادر من المخطوطات النادرة والمهمة في جميع اللغات والديانات، ومن بين المعروضات مصحف كریم، مخطوط بخط جميل مزخرف، يرجع تاريخه إلى القرن الثالث عشر.

وقد كانت هذه الزيارة لهذه المؤسسة الثقافية العتيدة من أهم ما وقفنا عليه في هذه الرحلة.

وعلى الساعة 1.30 دقيقة، التحقنا من جديد بمقر الوزارة التي كانت تنتظرنا بها السيدة المديرة العامة المساعدة للأرشيف الإداري للدولة، وانضاف إلينا أحد المساعدين بالوزارة وهو مهندس معماري، وكانت هذه الجلسة مخصصة لدراسة بناية المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان، وما يمكن تقديمه من المساعدات من ناحية الصيانة، وإعادة النظر في تقسيم فضاءاتها، وموضع المختبر الذي سيتم إنشاؤه بها، وذلك بواسطة تصميم للمكتبة كان موجودا معنا، وقد استمرت هذه الجلسة لغاية 3 بعد الظهر.

وفي يوم الجمعة 1995/12/22 كان موعدنا مع مكتبة «الاسكريال»، حيث استقبلنا السيد المسؤول عن قسم المخطوطات، وقد اقتصرت زيارتنا على هذا القسم والعربي منه على الخصوص، قدم لنا السيد المسؤول – وهو أحد الرهبان – عرضا عن المكتبة، وعن قسم المخطوطات الذي يصل عدده إلى 5237 مخطوط، العربي منه 2000 مخطوطا، والعبري 76 مخطوطا فقط.

وفيما يرجع لتاريخ المكتبة، فقد أحدثت في منتصف القرن السادس عشر في عهد الملك «فليبي الثاني»، وذكر السيد المسؤول أن القسم كان قد تأثر بحريق شب بالمكتبة، وأن هناك مخطوطات تضررت ولحد الآن لم تعالج، نظرا لعدم وجود مختبر خاص بالمكتبة، ثم التحقنا بالقاعة الكبرى للبحث، فقدم لنا فهارس انتقينا منها بعض المخطوطات التمست من السيد إحضارها فأحضرها مشكورا.

وكانت زيارتنا مفيدة، وقد اعتنى بنا السيد المسؤول غاية الاعتناء مع بشاشة وارتياح كبير، ولما تذاكرت معه على المخطوطات العربية الموجودة في كل من «المكتبة الوطنية»، ومكتبة «الإسكريال» وقلتها، تأسف عن ما صدر عن الكنيسة سابقا في شأن التراث العربي وقال: «لو بقيت هذه الكتب العربية، لكانت إسبانيا أغنى دولة فيما يرجع للمخطوط العربي».

ومن المعلوم أن الموجود في مكتبة «الاسكريال» من المخطوط العربي هو نتيجة قرصنة قام بها الإسبانيون في عرض البحر ضد سفن كانت محملة بالكتب العربية في أواخر السعديين وهي ما تعرف بمكتبة السلطان زيدان.

و غادرنا المكتبة على الساعة 1.45 دقيقة متوجهين إلى مدريد، حيث كنا على موعد مع السيدة مديرة قسم التعاون بالوزارة، إذ أقامت لنا حفلا غدا حضرته السيدة المديرة العامة المساعدة للأرشيف الإداري للدولة، والسيد مدير خزانة الأفلام، وبعض المساعدين، وكان غذاء عمل حيث قدمت أولا عرضا عن الزيارة، استهلته بتقديم الشكر على تنظيم هذه الزيارة والتي مكنتنا من الوقوف على هذه المؤسسات الثقافية التي ضربت أشواطا متقدمة في طريق التقنية والتنظيم، ثم عرضت المراحل التي سبقت هذه الزيارة، وما تم فيها من اتفاقيات في إطار التعاون بين البلدين، ثم قدمت نظرة مختصرة عن الأيام التي قضيناها في مدريد، وما نتج فيها من زيارات لهذه المؤسسات، بعد ذلك اقترحت المشروع التنفيدي لهذا التعاون كما نتصوره وذلك في ثلاثة محاور:

1 – تحدي نوعية المشاريع مع التقييم المالي لها.

2 – تشخيص الجهات المنفذة.

3 – تحديد الزمن لإنجاز هذه المشاريع.

وفيما يرجع للمحور الأول، كان ترميم المكتبة وتجهيزها على رأس الأولويات، ثم إحداث مختبر على مستوى المكتبة، وتكوين الأطر لتسيير المكتبة بما في ذلك المختبر والأرشيف والإعلاميات، تحريك وتنشيط قسم التبادل والتعريف به؛ وذلك ضمن ربط اتصالات مع كل من الأرشيف الإداري والتاريخي و«المكتبة الوطنية» و»مكتبة الاسكريال» و»مكتبة الأشرطة»، تم استنساخ وتصوير المخطوطات والوثائق والكتب النادرة وتبادلها مع المؤسسات المذكورة، وفي هذا الباب لابد من التأكيد على ربط اتصالات «مكتبة طوليد» و»قرطبة» و»إشبيلية» و»غرناطة» وغيرها من المدن التي يوجد بها تراث مشترك بين البلدين الذي حان الوقت لبعثه من جديد، والعمل على الاستفادة منه، حيث يكمل بعضه بعضا، ثم قلت: «و لا أنسى أن أذكر بأن لدينا في المكتبة العامة بتطوان دراسات عن الموريسكيين، قد تنفرد بها هذه المكتبة حسب شهادة الباحثين الوافدين علينا من هذه الضفة، لهذا ينبغي تبادل الزيارات بالنسبة لهذه المدن حتى يقدم كل ما عنده في هذا المجال الحي الذي يعمل على تنمية وإحياء الروابط التاريخية والوشائج الوثيق بين البلدين».

ثم تكلمت على تحديد الزمن، لإنجاز هذه المشاريع، وبينت أنه ينبغي تقسيم هذه المشاريع إلى قسمين: مشاريع آنية كالتجهيزات التحتية والترميم وهذه على ما نعتقد – لا تنتظر زمنا، وإنما تخضع لإنهاء الدراسات الميدانية والتي ينبغي الشروع فيها.

أما التجهيزات الأخرى فينبغي وضع مسطرة زمنية لإنجازها، وهنا ينبغي أن نؤكد على وضع برنامج محدد لمتابعة هذه الأعمال، وذلك بالمراسلة، وتكرر الاجتماعات في المغرب وإسبانيا، ثم جرت مناقشة حول ما جاء في العرض الذي خصته السيدة المديرة بثناء وإشادات بتصوراتنا لهذا التعاون وقالت: « إنه تصور حكيم، ونحن على استعداد تام ـ تقول السيدة المديرة ـ وما عليكم إلا أن تتصلوا بنا باستمرار، وقررت السيدة إيفاد السيد المهندس المعماري إلى مكتبة تطوان، وفي التقرير الذي قدمته للوزارة حول هذه الرحلة قلت: والذي يمكن ملاحظته أن هذه المؤسسات لها ميزانيات ضخمة لصيانتها وتنميتها وتجهيزها، وإنها بهذه الميزانية وهذه الإمكانيات المتاحة أمكن لها أن تحتل ضمن المؤسسات الثقافية العالمية مراتب سامية ». وباختصار – قلت- فالنتيجة التي خرجنا بها من هذه الزيارة الخاصة لهذه المؤسسات، والتي جاءت في إطار التعاون بين البلدين لإحياء التراث المشترك، والعمل على تعهده وصيانته، وتبادل الوثائق والكتب والمخطوطات والنادر منها، والوقوف على ما وصلت إليه هذه المؤسسات من تطور فني وتقني خدمة للبحث العلمي أقول:  إن النتيجة التي خرجنا بها من هذه الزيارة، أن هناك حقبة مهمة من تاريخ إسبانيا عليها علامات استفهام، وأنها في الزمن الماضي لم تكن مطروحة، ولا تثير انتباه السادة المسؤولين، وهذا ما جعلنا نؤكد على السيدة المديرة أنه لابد من تبادل الزيارات .

 

الأستاذ العلامة عبد الغفور الناصر

عن Romaisae

شاهد أيضاً

جبل الحبيب في شعر الدبلوماسي الشريف التهامي أفيلال (1930-2020م)

تقديم: عُرف الأستاذ الأديب الدبلوماسي الشريف سيدي التهامي أفيلال التطواني بالتشبّث بالأصالة، والتّغنّي بالأمجاد، والحنين …

عبد القادر الخطيب لاعب جدي عملي واقعي

من باب ثقافة الاعتراف التي بدأت تظهر تجلياتها على الصعيد الوطني والمحلي أن يقوم بعض …

الأشخاص بدون أعراض محررو عالم الغد؟

… قد يكون بعض الأشخاص مُحصنين وراثياً ضد “كوفيذ-19” . و لعلَّ هؤلاء هم الذين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: