الملكة خناثة (أول عمل روائي مغربي) للسيّدة آمنة عبد الكريم اللّوه -2-

تقديم:

يسرّ هيئة جريدة الشّمال، أن تعيد -من خلال هذه الحلقات- نشر هذا النّص السّردي المتعلّق بقصّة فتاة مغربيّة كانت لها مكانة في البلاط الإسماعيلي، نسجتها من خيوط التّاريخ والخيال، الدّكتورة آمنة اللوه رحمها الله، والذي نالت به جائزة المغرب للآداب عام 1954م.

مجلس الـبـخـاری

 ولما انطفأت جمرة الظّهيرة، وحانت ساعة الأصيل، وهو الوقت الذي يخرج فيه المولى لصلاة العصر ويجلس، خرج القوم في زينتهم ولبثوا وقوفاً بباب الفسطاط ينتظرون الإذن، وفيهم العلماء والوزراء والأمراء والقوّاد ورجالات الصحراء وشيوخها، فكانوا يدخلون على الملك أفراداً، سامحاً لهم بتقبيل اليد الكريمة، مهنئين إيّاه بسلامة الوصول، ومتمنين له إقامة طيبة وعودا حميداً.

وبعد أن أخذوا أماكنهم بين يديه، تقدم وصيفان من عَبيد البخاري بتابوت أحضر مرصع، فأذن المولى لإمـام حضرته، الشيخ أبي الحسن على بن إبراهيم الزياني أن يتقدم، ففتح التابوت وتناول منه جزءا من صحيح البخاري الذي لا يفارق المولي اسماعيل حضراً ولا سفرا، فأخذ الإمام يتلو منه بصوت شجي: “باب من غبر قدميه في سبيل الله” والكل ضارع خاشع يحمدون الله على أن جعلهم ممن غبر قدميه في سبيل الله

 نُطق مَلَکي

 وما كاد الشيخ ينتهى حتى تكلم أمير المؤمنين والأبصار إليه شاخصة بلسان فصيح وصوت يأسر القلوب:

“أفراد رعيتنا وقواد محلتنا ورجال دولتنا، تعلمون جميعاً أننا ما خرجنا في وجهتنا هذه إلا لقصد جميل، وما اعتمدنا إلا على نصر من الله القوى المعيـن، قد تجشمنـا مشقة هذا السفر الطويل، واعتسفنا هذه الصحاري والبراري غير مبالين بأهوالها التي كادت تنقطع دونها الآمال لولا حبل الله المتين والإيمان الراسخ، وها أنتم ترون حسن العقبي ومغبّة الصبر الجميـل، اجتزنا الصحراء بحمد الله في يسر من غير أن نفقد نفساً أو يضيع منا عقال، وهي التي طالما حذرنا منها الرواد وخوفتنا الأخبار، فذلك لعمرى عاقبة المتوكلين على الله المحتسبين الأجر عنده. وإنا لنرجوه سبحانه أن يحسن في الأخرى كما أحسن في الأولى ويمنّ بعودة حميدة وسلامة تامة. والآن نعلمكم أن هذه التّخوم أقصى غايتنا ومنتهى رحلتنا، سنكتفى عما وراءها مـن بـلاد السودان والسنغال ببث السرايا وبعث البعوث تتفقدها نيابة عنا وتدوّخها لتقطع دابر المفسدين وتجتـث جرثومة العصـاة المخالفين، ونحن نقيم هنا قصد الراحة والاستجمام إلى أن يتمّ الله ما نريد بحول الله.

اسـتـشـارة

وزاد المولى يقول: “وإن في نفسي أمراً آخر أردت ان استشيركم فيه، ولا خاب من استخار ولا ندم من استشار، وهو أمر كنت نويته من زمن بعيد، ولما دخلت هذه الديار ازدادت رغبتي إليه فأردت أن أغتنم وجودي هنا لأسعى في تحقيقه نظراً لما أرى فيه من صلاح الرعية عامة ومـن صـلاح هـذا الإقليم خاصة. فغير خاف عليكم أننا منذ ولاّنا الله هذا الامر ونحـن لا نألو جهداً في توثيق عرى الروابط وتمتين الصلات بين أطراف المملكة بكل وسيلة ممكنة، وكان من أهمها ما الهمنا الله إياه من عقد روابط المصاهرة بيننا وبين سادات القبائل ورؤسائها، مقتدين في ذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يصاهر سادات العرب تقوية لشركة الإسلام وتأليفا للقلوب. لذلك وقر في صدري لما شاهدت من حسن استقبال القبائل الصحراوية لجنابنا ومن إخلاصهم في الطاعة والولاء لشخصنا، أن أجعل لأولادي فيهـم خئولة تبقى للأخلاف عن الأسلاف، فيزداد بها حبلنا متانة وملكنا قوة ورسوخاً. زيادة على ما في ذلك من صلة الأرحام ووشيج الأنساب بيننا وبين أبناء عمومتنا وخئولتنا سكان هذه الصحراء. فأشيروا عليّ بمن ترونه أهلا لذلك من الرؤساء، فإن منكم من بذلك أدرى…”.

تحبيذ

فتكلم الوزير الأكبر أبو العباس أحمد اليحمدي وقال: “ليحمد سیدنا حسن تدبيره وسداد رأيه، فإن الله تعالى ما عوده إلا التوفيق في مساعيه والتحقيق لمراميه، كيف لا وهو قد زايل راحتـه وركب متن هذه الصحراء العتية التي ما ركبها أحد إلا وكلل الله سعيه بنجاح وقارن اجتهاده بفلاح. وإن مولانا استشارنا في أمر هو أدرى الناس بنتائجه الطيبة، فلا نملك معه إلا التحبيذ والتأييد. وإذا كان ولابد من أن يسمع سیدي قول أحد في هذا الصدد، فلا أرى أحق بذلك من خادم مولانا القائد محمد بن عطية إذ هو من أهل هذه الديار، وأهل مكة أدرى بشعابها، وها هو القائد في حضرة مولاي فإذا شاء أذن له في الكلام”.

الـمـغـافـرة

تكلم القائد محمد بن عطية وقال: “… إنه شرف عظيم لقبائل الصحراء أن تعلق من مولانا بذرة، فكيف ان يسعدهم الحظ فيكونوا له أصهاراً وأختاناً، وإنه لفخار تتمناه جميع القبائل وتتقاتل عليـه، غير أن الناس معادن أزكاهم هم أهل السيادة والرياسة المتوارثة، وأنّ السيادة والرياسة بهذه الصحراء من قديم الزمان في أبناء محمد الحبيب من قبيلة الترارزة، وفي أبناء السيد من قبيلة البراكنة وفي بيت أحمد ابن عيد في قبيلة أولاد يحيى، وفي بيت أبناء محيميد من قبيلة مشظوف، وفي بيوت أخرى توارثت المجد مسلما لها لا ينازعهم فيه منازع.

فقال المولى إسماعيل:

  • ومن الذي تفضله أنت بين هؤلاء؟

  • إن المفاضلة يا مولاي بین ذوي الحسب كالمفاضلة بين حبات الـدر، فلكل فضـل؛ إلا أن التفضيل في ميزان الاعتبار يكون بصالح الأعمـال. وقد ثبت باليقين أن لقبيلة حسان أوفى نصيب في ميدان النجدة والحمية، وخصوصا منهم المغافرة المشهود لهم بالمناعة والذب عن الحمى، فهم دروع الصحراء ومغافرها وأساد عرينهـا، وهم في شرف الأرومة وكرم المحتد لا يلحقون، وفي ميدان المعارف وحلبة الآداب لا يسبقون، اشتهروا من قديم الزمان بحـب العلم والشغف بالأدب، ذكورهم وإناثهم في ذلك سواء، يحفظون أمهات الدين، وفيهم من يستذكر مؤلفات برُمتها ولو احتوت على مجلدات. لهم همة في ذلك حتى ندر أن تجد منهم عاطلاً من العلم والأدب.

 يتبع….

عن Romaisae

شاهد أيضاً

حديث الذكريات: من ذكريات الأدب والأدباء

1 – الحلقة الأولى عن الأدب والأدباء في المشرق : كان زمنا جميلاً حقاً ذلك …

صراع الجسد والروح في قصيدة “لك الملك” للشاعر محمد علي الرباوي

يبلغ الرباوي في التعبير عن استبداد الجسد ذروته في قصيدته “لك الملك”: ما زال بهذا …

الرواية التاريخية الريفية منفي موكادور

ذات يوم تساءل جورجي زيدان حول الرواية التاريخية وقال ما فائدة الرواية إذا لم تضف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: