الملكة خناثة (أول عمل روائي مغربي) للسيّدة آمنة عبد الكريم اللّوه -7-

تقديم:

يسرّ هيئة جريدة الشّمال، أن تعيد -من خلال هذه الحلقات- نشر هذا النّص السّردي المتعلّق بقصّة فتاة مغربيّة كانت لها مكانة في البلاط الإسماعيلي، نسجتها من خيوط التّاريخ والخيال، الدّكتورة آمنة اللوه رحمها الله، والذي نالت به جائزة المغرب للآداب عام 1954م.

 (7)

تابع…

 

عـروسـان

وكان خاطر ما زال يشغل بال خناثة وهو أن ترى ولدها ـ الفتى الوسيم – عروسا لفتاة كانت تدخل عليها في نساء الحاشية السلطانية بهرتها بجمالها واكتمال شبابها وفرط أدبها وحلاوة منطقها. سألت عنها من خبرها أنها مـن كرائم قائد الدولة على بن أبى الشفرة الشهير، فاستزارتها يومـاً وأتاحت لعبـد الله ـ من حيث لا يشعر ـ أن تقع عينه عليها صدفة… فإذا به يقع في الفخ، ويغدو الى أمه يشكو تباريح الهوى، فصارت تمنيه وتسوفه إلى أن تمكنت منه نشابة الحب، فحينئذ أعلمت أباه… وما هي إلا أيام حتى كان العروسان يخطران في أبهاء القصر ويتنقلان بين فراديسه… بل لم يمض إلا قليل حتى أثمر حبهما الثمرة الأولى فوضعت حبابة ولداً ذكراً جميلاً أبت الجدة خنانة إلا أن نسميه محمـداً … ثم عرفه التاريخ بعد ذلك باسم سيدي محمد بن عبد الله. كانت الجدة بارة به شديدة اللصوق به لا يقر لها قرار إلا أن تراه بعينها وتقول: من يدري لعله ملك آخر أربيه بيدي !

أضحت منـه خـلاء

هكذا عاشت خناثة ردحا من الزمن بين مهد وعرش، وبين أمومة وحكومة، وبين تربيـة ومسؤولية، ولم يكن ينغص عليها إلا أن إسماعيلها كان يكثر الغياب عن العاصمة منصرفاً الى توطيد الملك وإلى تثبيت دعائم الدولة وتكوين جيش دائم من القبائل القوية الشكيمة، ومن العبيد البواخرة… أمـلا أن يتخذ من هؤلاء وأولئك حراس الدولة في عهده والقائمين عليهـا من بعده، وقد تم له ذلك وتمهدت البلاد، وعمّ الرخاء وانقطع دابر الفتن وانتشر الأمن حتى إن الظعينة كانت تخرج من بلاد نول إلى بلاد الريف ولا يتعرض لها أحد بسوء، وحتى إن الدرهم كان يقع على الأرض اليوم واليومين ولا يجد من يلتقطه. وأما ما أقامه المولى إسماعیل في عاصمته من مصانع وقصور وأسوار وأبراج وأهواء وأجنة وبساتين فقد كانت أعجوبة الدّهر وآية العصر، نعتها الناعتون وما بلغوا، ووصفها الواصفون وما قاربوا، يراها الرائي فيخالها للخلد ويحسب أن ربها باق دائـم … إلا أنها أضحت منه خلاء ذات يوم، وأخنى عليه الذي أخنى على لبد، فصارت رباعه بعده للتعزي والتأسي.

نعي أسماعيل العظيم، وعظم المصاب، وهاج العسكر وماج وتساءلوا: من استخلف؟ فلما علموا أنه لم يستخلف أحدا بعينه تفرقوا شيعاً، وصار كل فريق ينصر أميراً، نصرت فرقة المولى أحمد الذهبي، وفرقة المولى عبد الملك، وفرقة المولى علي الأعرج وأخرى المولى محمد ابن عربية …

الـمـلـك عـبـد الله

وأما المغافـرة وأبناء عمومتهم الودايا فقد نصروا حفيدهم ابن خناثة المغافرية .. فدارت رحى الحرب بين الإخوة يطحن بعضهم بعضا والعبيد البواخرة يوضعون في الفتنة ويخبون، يولون اليوم من يعزلون غدا، بل إنهم ينصرون اليوم من يقتلون غدا … إلا عبد الله فإنه كان في مناعة من أخواله الأنجاد وغيرهم من الأجناد، ولم يجد إليه عبيد السوء سبيلاً. وكان أخوف ما يخافه العبيد أن يغلبهم الأحرار على الأمر وينتزعوا منهم زمام الموقف فتزول دولتهم وتذهب ريحهم، فكانت الحرب سجالاً بين الحراطين الأوغاد وبين السادة الأمجاد، وأخيرا كتب النصر للمغافرة ولملكهم عبد الله، فصفا له الملك وانعقدت البيعة.

الـمـلـكـة الـوالـدة

إثر ذلك دخل الملك عبد الله على أمه الملكة الوالدة ليحمـد لها حسن صنيعها ويعترف بأنه ما بلغ ذروة الملك إلا بفضل تدبيرها وحسن سیاستها… فهي التي كانت لا تفتأ تمده بالآراء الصائبة والأموال الطائلة والأسلحة والذخائر، وحتى بالجنود المجندة… شكرها وأطال وكان مما قال :

-أمـاه، إنك ملكة الامس وملكة اليوم: فلن أصدر إلا عن رأيك ولن أنزع إلا عن قوسك، فأنت ركن الدولة ودعامتها الكبرى، كان أبي يستشيرك ويحمد مشورتك، وكان رجال الدولة يقفون ببابك ويتشرفون بتلقي أوامرك… أما أنا فملكي ونفسي وما ملكت يدى بين يديك، فمري أمرك وأنا أنفذ !

-بارك الله لك في ملكك يا ولدى ووفقك وسدد خطاك، اعلم أني ما هياتك للملك وأعنتك عليه لا كون شريكتك في شيء مما وهبك الله، ولكن لتعتمد على نفسك وتكون خلف أبيك في صرامته وفي حزمه، امض لأمرك وكن على حذر من أعدائك يا بني، ولا تركن إلى الدعة فإن الملوك لا ينامون إلا على الأقتاب –

  • ولكن يا أماه أريد أن تذكري لى حاجة فأبادر إلى قضائها.

  • ليس لي اليوم إلا حاجة واحدة، هي أن تهيء لي أسباب السفر إلى البقاع المقدسة إلى بيت الله الحرام لأقضي فريضتي وأؤدي نذورا كانت علي.

  • سمعا وطاعة يا أماه، فمتى تزمعين الخروج ؟

  • نحن الآن في جمادي الأولى، والركب يخرج في جمادي الثانية واني ارجو الا يفوتني، وأريد أن يصحبني محمد.

  • إلا أنه ما زال صغيرا يا اماه – دعه يصحبني فإني لا أستطيع فراقه.

إلى البقاع المقـدسـة

جاءت جمادى الثانية فشاهد الناس موكب خناثة يخرج من مكناسة في أبهة من أبهات الملك، وتسامع القوم بخروجها فتداعوا من كلّ فج ينضمون إلى ركبهـا وتكاثروا حتى تجاوزوا عدة آلاف وفيهم الوزراء والعلماء والنساء ومن سائر الطبقات… فكانت إذا نزلت في مكان حسبته مدينة عامرة، تضرب قبابها الملونة فتجلل الأرض وتملؤها عيبة وبهاء، وبلغ عدد ما زودها به ابنها مائة ألف دينار فضلا عن أموالها وعن الأموال المتوفرة من أوقاف الحرمين الشريفين، حملت ذلك قصد التوسعة على ذوي الحاجة في طريقها والترفيه على أهل الحرمين، فكانت تفيض خيرا وإحسانا بكل أرض نزلت بها.

إحـرام

وفي غرة ذي الحجة دخلت مكة محرمة دخول جلالة ووقار في محفل رهيب من الأجناد والأعيان… ثم كانت مدة إقامتها بمكة تنزل كلّ يوم وتطوف بالبيت الحرام، وتبذل بغير حصر وتعطى عطاء من لا يخشى الفقر. ودخلت جوف الكعبة وأفاضت في سدنتها ما أعلى كعب المغرب، وخلد بمكة ذكرها الجميل. وكان مما أوقفته هناك أملاك بباب العمرة أحد أبواب المسجد الحرام، حبستها على من يختم القرآن الكريم ختمة كلّ يوم وعلى من يدرس صحيح البخاري، ثم نهضت لزيارة قبر المصطفى والسعادة تحرسها إلى أن حلت بدار الهجرة وخلدت بها صالح الأعمال.

وبعـد بلوغها الوطر من تلك البقاع الطاهرة عجلت الأوبة لدار مملكتها، والكل لحسن صنيعها شاكر، ولها في كل حين ذاكر.

إنـه إحـرام أبـدي

ولما شارفت الحاجة خناثة الديار المغربية بعثت إلى ابنها الملك عبد الله تأمـره أن لا يركب أحد للقائها وأن يتركوها تدخل إلى دارها دخول أمة ضارعة خاشعة، عسى أن يتقبل الله منها ويكتب لها حجة لا رياء فيها ولا سمعـة … فلم يسع الملك إلا أن يحترم إرادتها ويخرج بمفرده يتلقاها ماشياً حافياً… ولم يرعه منها ساعة اللقاء إلا أنها متجردة من زينتهـا مكتفية بلبس دراعة وخمار وإزار فلما كلمها في ذلك قالت:

” إنه إحـرام أبدى يا عبد الله. إني لم أعد تلك المرأة المعهودة خناثة الملكة، وإنما أنا خناثة الأمة الضارعة إلى ربها أن يغفر لها ذنبها ويتجاوز عنها … اصرف عنى يا بني زخرف هذه الدنيا وزينتها، ودعني اختار ما عند الله، وما عند الله خير وأبقى”.

إلى معتكفها

ولما نزلت عن دابتها أخذت طريقها إلى بيت مهجور مغمور منعزل في ركن من أركان حديقة القصر ليس فيه من متاع الدنيا شيء، ولا من أسباب الراحة والمتعة قليل ولا كثير، فقالت وهي تدخل معتكفها أو خلوتها : هنا المقام إن شاء الله ! هنا المقام ما شاء الله.

 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

التناص مجالات وتطبيقات

– في العالم العربي: ا- في الجزائر؛ الأستاذ إبراهيم رماني: لا شك أن هناك عددا …

البلاغة القانونية والقضائية ترجمة: محمد مشبال وعبدالواحد التهامي العلمي

نشأت البلاغة في خضم المحاكمات قيد التداول، ولكل مقام مقال: إذ سيخصص هذا الفصل للبلاغة …

المسرح الاستعراضي بشفشاون: مع الأستاذ أحمد قصري 2‪/‬2

واختيار المخرج لأحمد قصري منشداً، يعود ـ حسب هذا الأخير ـ إلى إعجاب المخرج بصوته، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: