النظام الإيقاعي في شعر بدر شاكر السياب عرض لكتاب “الإيقاع في شعر السياب” للدكتور سيد البحراوي 2/2

وكانت محاولة الدكتور محمد مندور من أولى المحاولات في هذا المجال، يقول : «ولكي نضمن تحديد الفهم، نعرف الإيقاع، فهو عبارة عن رجوع ظاهرة صوتية ما، على مسافات زمنية متساوية أو متجاوبة. فأنت إذا نقرت ثلاث نقرات ثمّ نقرت رابعة أقوى من الثلاثة السابقة وكررت عملك هذا، تولد الإيقاع من رجوع النقرة القوية بعد كل ثلاث نقرات، وقد يتولد الإيقاع من مجرد الصمت بعد كل ثلاث نقرات، وهو يميز بين الإيقاع والوزن، ويسمي هذا الأخير بالكم أي«كم التفاعيل التي يستغرق نطقها زمنا ما». ويرى أن كل أنواع الشعر يقسم فيها البيت إلى وحدات (تفاعيل) قد ترد متساوية كالرجز، وقد تكون متجاوبة كالطويل حيث يساوي التفعيل الأول التفعيل الثالث والتفعيل الثاني التفعيل الرابع،وهكذا.إلا أن هذا الكم (الوزن) غير كاف لكي نحس بمفاصل الشعر إذ يحتاج الأمر إلى إضافة «الإيقاع» Rythme (والملاحظ أن هذا المفهوم للإيقاع لا يخرج عن إطار الظواهر الصوتية المتصلة بالعروض والناشئة عن الانتظام الذي تتميز به المقاطع أو الحركات والسواكن المكونة للتفاعيل، فالأمر يتعلق بــ «ظاهرة صوتية تحدث أثناء نطق كل تفعيل وتعود إلى الحدوث في التفعيل الذي يليهوواضح هنا أن محمد مندور يتحدث عن النبر (يسميه الارتكاز) الذي يميز بين المقاطع ويولد كذلك الإيقاع، فهو يقصد بالوزن إلى كم التفاعيل، وبالإيقاع إلى :«تردد ظاهرة صوتية ما على مسافات زمنية محددة النسب.وهذه الظاهرة قد تكون ارتكازا كما قد تكون مجرد صمت»، والكم في رأيه «لا يكفي لإدراك موسيقى الشعر، بل لا بد من الارتكاز الشعري الذي يقع على كل تفعيل ويعود في نفس الموضع على التفعيل التالي وهكذا»، وهذا المفهوم للإيقاع هو الذي يتبناه د.سيد البحراوي في دراسته كما تم التنويه إلى ذلك آنفاً. ويرى الدكتور محمد مفتاح «أن الإيقاع من الخصائص الشعرية الثابتة، فالشعر الفصيح والموشحات والأزجال والملحون، وغيرها قامت عليه، ولكن الشعراء المحدثين والمعاصرين هم الذين أكثروا من تنويعاته استجابة لتلون حالاتهم النفسية، ولاختلاف مقصدياتهم وهكذا، فإننا نجد القصيدة الواحدة قد تحتوي على إيقاعات متعددة. «وهذا ما سيلاحظه د.سيد البحراوي لدى دراسته التحليلية لشعر السياب في مختلف الأشكال الشعرية التي كتب فيها. كما سيعنى بدراسة الإيقاع  بقسميه الداخلي والخارجي بالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي تربط بين الوزن والإيقاع. وهذا ما يؤكده بقوله : إن هذه العلاقة « تجعل من المستحيل تقريباً دراستهما منفصلين أو دراسة أحدهما وإهمال الآخر، لأن دراسة الإيقاع وحده لن تفيد، لأننا لم ندرس جذر هذا الإيقاع : الوزن، ودراسة الوزن وحده  دون الإيقاع، توقعنا في إطار الدرس العروضي التقليدي الذي لا يظهر خصوصية النص».

أما بخصوص القضية الثانية التي يعالجها الباحث في المدخل المنهجي : عناصر الإيقاع ـ وهي التي سيعتمدها أدوات إجرائية في الجزء التطبيقي  ـ فهي :

1 ـ المدى الزمني (المقاطع) : ويعرف الباحث المدى الزمني بأنه «المدة التي يستغرقها الصوت في النطق».

2 ـ النبر : وهو «ارتفاع في علو الصوت ينتج عن شدة ضغط الهواء المندفع من الرئتين، يطبع المقطع الذي يحمله ببروز أكثر وضوحاً عن غيره من المقاطع المحيطة»، والملاحظ أن الباحث يعتبر النبر أقل العناصر انتظاما في إيقاع الشعر الحديث.

3 ـ التنغيم وإيقاع النهاية : يرى سيد البحراوي أن التنغيم «خاصية في أصوات كل اللغات ، وإن اختلفت لغة عن أخرى في طريقة تنظيمه وفي الاستفادة منه»، وأن اللغة العربية لغة تنغيمية إذ «يعمل فيها التنغيم على مستوى الجملة، وليس على مستوى الكلمة» والنغمة قد تكون هابطة أو صاعدة أو مستوية. ويقصد بإيقاع النهاية : القافية التي هي لدى العروضيين «مجموعة الحروف التي تبدأ بمتحرك قبل آخر ساكنين في البيت».

وبعد مناقشة غنية دقيقة لآراء من سبقوه إلى دراسة الإيقاع في الشعر سواء من الفلاسفة والبلاغيين والنقاد العرب القدامى كالفاربي وابن سينا وابن رشيق وحازم القرطاجني، أومن الدارسين المعاصرين أمثال محمد مندور وإبراهيم أنيس ومحمد شكري عياد وكمال أبوديب، أو بعض المستشرقين : فايل وجويار، يخلص إلى دراسة وظيفة الإيقاع في الشعر.

إن البحث عن دلالة الإيقاع في الشعر من أهم المباحث التي عني بها الباحثون في موسيقى الشعر، فقد حاولوا في دراساتهم البحث عما يمكن أن يضيفه هذا المكون الشعري الهام من معان جديدة إلى النص الشعري.

فالبحث عن وظيفة الإيقاع في النص الشعري ينطلق من اعتباره (الإيقاع) عنصراً مؤثراً في تركيب الكلام يحتم على الشاعر ممارسة عمليات تغيير متكررة لبعض الكلمات وإحــلال كلمات أخرى محلهــــــا (أي إسقاط محور الاختيار العمودي على محور التأليف الأفقي حسب جاكبسون)، ومن اعتباره كذلك أحد وسائل التعبير التي يتوسل الشاعر بها ـ فضلا عن مكونات الخطاب الشعري الأخرى  ـ للتعبير عن تجاربه وما يعتمل في دواخله وأعماقه من أحاسيس ومشاعر معقدة بقدر تعقد الحياة من حوله تعجز العبارة وحدها عن الإفصاح عنها.و قد حاول الباحث في دراسته أن يربط المستوى الزمني والمستوى الصوتي والمستوى النبري بالمستوى الدلالي، وذلك ليبين وظيفة الإيقاع في شعر السياب.

إن الإيقاع عنده نظام مكون من المستويات التي ذكرناها : المدى ـ النبر ـ التنغيم وإيقاع النهاية، ولكنه يشترط أن تنتظم في « بنية « وإلا لا تستحق أن تعتبر عناصر إيقاعية. وقد رصد الباحث في هذا المبــــحث

(وظيفة الإيقاع) مصطلح البنية كما حدده دي سوسير وجان بياجيه ولوسيان كولدمان (البنيوية التكوينية)، ولكنه رغم إقراره بوجود نظام تجتمع داخله عناصر متآلفة ومتكاملة، إلا أنه يرى أن هذا التآلف والتكامل ليس إلا تآلفاً مؤقتاً، ولذلك يذهب إلى «أن جوهر النظام هو التناقض والصراع رغم الوحدة البادية عليه، وأنه على هذا الأساس ينبغي أن نفهم العمل الفني». ومن ثمة فإن الشاعر يعيش مجموعة من الصراعات قبل وأثناء عملية الإبداع، صراعات بين الشاعر والواقع؛ بينه وبين التقاليد الشعرية السابقة والمعاصرة ؛ بينه وبين اللغة اليومية العادية؛ بينه وبين عملية اقتناص التجربة الفنية الصادقة العميقة.إن مهمة دارس الإيقاع في نظر الباحث هي إدراك مجموعة هذه الصراعات في داخل النظام الإيقاعي المعقد. ذلك أن في كل عنصر إيقاعي صراعاً داخلياً بين عناصر الثبات وعناصر الانتهاك في المقاطع والنبر والتنغيم، وبين كل عنصر من هذه العناصر والعناصر الأخرى صراع آخر وتداخل وتوتر هو الذي يكوِّن النظام الإيقاعي. وفي داخل هذا النظام الأخير نفسه صراع آخر بين عناصر الثبات التقليدية في الغالب، وبين عناصر الانتهاك التي يحقق الشاعر من خلالها حريته الخاصة.

ثم يخلص الدارس إلى أن الإيقاع علامة ( sing ) بيد أنه ليس علامة بسيطة، بل هو نظام إشاري مركب معقد.ولذلك فإن الدلالات التي يقدمها لنا الإيقاع ليست بسيطة ولا متفقاً عليها، ذلك أن الإشارات الشعرية إشارات إيقونية متعددة الدلالات، مكثفة المعاني، كما أنها لا تؤدي هذه المعاني بشكل مباشر. وتأسيساً على قانون الصراع في بنية الإيقاع الشعري يستطيع هذا الأخير أن يساعد الشعر على تحقيق وظيفته في الإمتاع والمعرفة والتغيير سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

المستوى التطبيقي  :

يشتمل المستوى التطبيقي في الدراسة على ثلاثة فصول، كل فصل منها رُصد لدراسة شكل من الأشكال التي استخدمها السياب في شعره.

فالفصل الأول يتناول فيه الباحث بالدراسة والتحليل الشكل التقليدي (العمودي)، وذلك من خلال عينة من قصائد هذا الشكل تتكون من سبع قصائد هي : يانهر ـ لحن جديد ـ حاطم الأغلال ـ عينان ـ عاشق الوهم ـ مرثية الآلهة ـ الزعيم المفتقد.

والفصل الثاني يخصصه لدراسة الشكل المقطوعي المتمثل في الأنماط الشعرية الآتية : المزدوج، المربع ـ المخمس ـ المسمط ـ الموشح ، وذلك من خلال عينة اختارها الدارس مكونة من خمس قصائد هي : على الشاطئ ـ إلى حسناء القصر ـ إلى حسناء الكوخ ـ خواطر طائرة ـ نفس وقبر.

أما في الفصل الثالث، فيدرس فيه قصيدة الشعر الحر (التفعيلية)، وذلك من خلال عينة مختارة من قصائد هذا الشكل تتكون من خمس قصائد هي : هل كان حباً ؟ ـ غريب على الخليج ـ لأنني غريب ـ جيكور أمي ـ إقبال والليل.

والملاحظ أن الباحث راعى في اختياره العينات الثلاث، أن تكون ممثلة لمختلف محطات تجربة الشاعر زمنياً وفنياً ومضمونياً، ولذلك عني بتواريخ كتابة قصائد متنه المدروس في مختلف أشكاله.ومن أهم ما لاحظه الباحث في محطة تجربة الشعر الحر أن الشاعر عاد إلى كتابة القصيدة على الشكل العمودي في قصائد متفرقة.يقول الدكتور سيد البحراوي متسائلا : «فلماذا، إذن، عاد إلى الشكل التقليدي مرة أخرى ؟. وقد فسر الباحث تفسيراً أراه مقنعاً  لعودة السياب فجأة عقب سنة 1954  إلى كتابة تسع قصائد على هذا الشكل بقوله : «إن السياب منذ ذلك التاريخ بدأ موقفه السياسي يتهافت، وبدأ موقفه من الحياة يضعف ويشعر بفقدان الأمل في المستقبل، وكان الماضي هو الطريق الوحيد أمامه ليستند إليه. فعاد إليه يستلهمه، سواء كان هذا الماضي ماضيه أو ماضي أمته. والشكل التقليدي يجمع بين ماضيه الشخصي وبين ماضي أمته، فلماذا لايعود إليه !». وبقوله كذلك : «إن عودة السياب إلى الشكل التقليدي، في نهاية حياته، ارتداد إلى الماضي بقيمه المثالية وموقفه الكلاسيكي. ولم يكن أمام السياب غير ذلك بعد أن أحرق سفنه مع الحاضر والمستقبل أيضاً».

إذا انتقلنا إلى الأقسام التي يتضمنها كل فصل من الفصول الثلاثة المنوه إليها لأعلاه نجدالباحث يقسمها بدورها إلى ثلاثة أقسام : الأول : دراسة وصفية لكل عينة  / الثاني : دراسة تحليلية لها / الثالث : دراسة وظيفة الإيقاع.

في القسم الأول يتناول بالدراسة والتحليل عناصر الإيقاع التي تعرفنا عليها في المهاد النظري. وهي : النظام المقطعي ـ النظام النبري ـ التنغيم والقافية، وهكذا يعمد إلى دراسة إحصائية دقيقة للأوزان الشعرية المستخدمة في كل شكل، وعدد الأنساق المقطعية ونسبة ورودها في قصائد كل عينة، ومواضع النبر، وعدد مرات ورود النماذج التي ورد بها نبر واحد أو نبران أو ثلاث نبرات، كما يعمد لدى  دراسة التنغيم إلى إحصاء أنماط الجمل في القصائد التي تناولها في كل شكل من تقرير واستفهام وأمر ونداء وتمن وتعجب وتحذير ودعاء. ثم يخلص بعد ذلك إلى دراسة القافية من حيث أنواعها المعروفة في العروض العربي من تأسيس ودخيل وردف ووصل وخروج، مع بيان نوع الروي : مطلق أو مقيد. ثم يدرس حروف الروي في كل شكل من الأشكال الشعرية التي وظفها الشاعر، محصياً عدد ورود كل منها وبيان مخارجها الصوتية من جهر وهمس.

في القسم الثاني من كل فصل، يتناول الدارس قصائد العينة التي اختارها للدراسة والتحليل، فيبدأ برصد العناصر الشعرية المذكورة آنفاً في كل قصيدة على حدة بشكل تفصيلي، فيدرس أولا النظام المقطعي للقصيدة، ثم النظام النبري، ثم التنغيم وإيقاع النهاية ثم أخيراً القافية والروي.

أما القسم الثالث من كل فصل، فيخصصه لدراسة وظيفة الإيقاع، يفرد الفصل الأول منه للشكل التقليدي، والثاني للشكل المقطوعي، والثالث للشعر الحر.

والجدير بالذكر أن الدكتور سيد البحراوي يحرص في سائر فصول كتابه على اتباع هذا المخطط المنهجي بدقة وصرامة، لا يحيد عنه قيد أنملة. فنفس الخطوات المنهجية التي نلاحظها في الدراسة الوصفية لعموم المتن، نصادفها لدى قراءتنا للدراسة التحليلية. وهذا النظام الصارم أكسب البحث طابعاً علمياً دقيقاً يدخل في إطار علمنة الدرس الأدبي، لاسيما وأن البحث اعتمد في دراسة كل العناصر الإيقاعية على العد والإحصاء، وذلك من خلال جداول إحصائية يتعلق كل منها بعنصر من هذه العناصروقد وردت كما يلي : جداول تبين الأوزان الشعرية التي استخدمها السياب في كل شكل ـ جداول تبين مدى توظيفه للأوزان التامة والمجزوءة ـ جداول تبين عدد الأنساق المقطعية وعدد مرات ورودها في كل شكل ـ جداول تبين عدد ورود النماذج التي بها نبر واحد أو نبران أوثلاث نبرات أو أكثر، ونسبها المئوية ـ جداول تبين أنماط الجمل  في عينة قصائد كل شكل ـ جداول خاصة بالقوافي وحروف الروي المستعملة في جميع العينات المختارة من كل شكل.

في خاتمة البحث يعرض الباحث النتائج التي توصل إليها في دراسته للإيقاع في شعر السياب. وأهم هذه النتائج هي :

ـ أن المقاطع ظلت أكثر العناصر تنظيما وتوظيفاً في الشكلين التقليدي والمقطوعي، ولم تكن كذلك في الشكل الحر.

ـ أن النبر ظل أقل العناصر تنظيماً وتوظيفاً في كل الأشكال، ورغم فعاليته العالية في بعض القصائد إلا أنه لم يكن وحده العنصر الفعال في أية قصيدة كما أنه لم يقم عليه وحده إيقاع أية قصيدة.

ـ أن التنغيم كان محدوداً في الشكل التقليدي لغلبة الأسلوب التقريري الخبري، بينما طغى الأسلوب الإنشائي على الجمل في الشكل المقطوعي، وعرف إيقاع النهاية في هذا الشكل صعوداً وهبوطاً واستواءً. أما في الشعر الحر، فكان التنغيم وإيقاع النهاية أهم العناصر جميعاً بسبب حرية الشاعر في اختيار جمله أو استعمال التضمين والتدوير وتوزيع القافية وأصواتها بطرق جديدة تحقق إيقاعاً واضحاً في إيقاع النهاية.

ـ أن السمة المهيمنة على إيقاع معظم قصائد العينة المدروسة هي البطء، وهذا يرتبط بتجربة الشاعر الحياتية والشعرية، ويفسر الباحث بطء الإيقاع في شعر السياب بما كان يعانيه من حزن وإحباط ويأس، ويفسر تطور رؤيته عبر حياته، بالتطور في النظام الإيقاعي في مكوناته وتوظيفه. وكلما زاد الشاعر حزناً ويأساً، يزداد الإيقاع بطءً.

ـ أن حركة العناصر الإيقاعية تتصف بطابع الدرامية والصراع، فإذا كانت المقاطع ـ مثلا ـ في أغلب القصائد تطبع الإيقاع بطابع البطء، فإن النبر يخفف من هذا البطء. ثم إن ثمة قصائد انتهكت طابع البطء وخرجت عليه.

وفي ختام عرضي لهذا الكتاب المتميز في مجال دراسة الإيقاع في الشعر العربي الحديث، أود أن  أبدي ملاحظتين :

الأولى : أن الباحث حاول في دراسته للإيقاع في شعر السياب توظيف أدوات إجرائية ومفاهيم جديدة كالمقاطع والنبر والأنساق، بيد أنه رأى أن لامناص من استخدام المصطلحات العروضية الخليلية لدى تحليله للنصوص الشعرية بأشكالها الثلاثة التي كتب فيها الشاعر. والملاحظ أنه في الجداول الخاصة بما سماه الأنساق (ويقصد بها المقاطع المكونة للتفاعيل)، كان يلجأ إلى وضع مقابلها العروضي. وإذا كان الباحث حريصاً في مدخله النظري على تحديد المصطلحات والمفاهيم التي سيستخدمها في دراسته التطبيقية، إلا أنه لم يشر أية إشارة إلى مفهوم الأنساق الذي استعمله كمقابل للمقاطع. ويبدو أن الشعر العربي ينبغي أن يدرس بأدواته الأصيلة النابعة من معين تراثنا العربي الخصب،  كالمصطلحات العروضية والبلاغة البديعية، لأننا بصدد فن الشعر الذي يعتبر ديوان العرب، وأنسب الأدوات الإجرائية لمقاربته في جانبه الموسيقي هي مصطلحات علم  العروض والقافية وعلم البديع وعلم الأصوات. ونحن نتفق مع د.مصطفى الشليح في رأيه الذي مفاده « أن المنهج في تعامله مع الأثر الفني، ينبغي أن يحترم النسق الثقافي والبنية الفكرية والأدبية التي ينتمي إليها النص. فالقصيدة العربية مثلاً، ترحب بالأدوات المتواصلة معها أكثر مما ترحيبها بوسائل أخرى جربت في شعر غير مماثل في شعريته لضوابطها».

الثانية : أن الدارس اضطلع بجهد مضن في دراسة النبر في شعر السياب، محاولاً البحث عن دوره في الإيقاع. ولا يخفى أن مسألة النبر في إيقاع الشعر العربي أثارت الكثير من الجدل خاصة بعد أن دعا  د.كمال أبوديب  في كتابه «في البنية الإيقاعية في الشعر، نحو بديل جذري لعروض الخليل» إلى إلغاء دور الكم من الإيقاع الشعري، واعتماد النبر أساساً لهذا الإيقاع. ويرى الأستاذ الشاعر أحمد المعداوي (المجاطي) أن «كل الذين تبنوا نظرية النبر كانوا يعترفون وبعد جهود مضنية لإثبات نظريتهم بهيمنة الكم، أمثال : د.شكري عياد ود.محمد النويهي و د. كمال خير بك، ود.سيد البحراوي نفسه.

ويذهب د.سعد مصلوح  في كتابه «دراسات نقدية في اللسانيات العربية المعاصرة» إلى «أن ظاهرة النبر ما تزال أمراً مستعصياً على العلماء، وسراً من الأسرار ما برح البحث قائماً عنها وعن جوهر علاقتها بالمقطع والمقطعية، والتي ما تزال معضلة من المعضلات في الدرس الصوتي للغة العربية المعاصرة الحديثة بله العربية ولهجاتها في التاريخ القديم».

وإذا كان الأمر كذلك، لماذا استنفذ الباحث ـ حقاً ـ جهداً مضنياً في دراسة هذه الظاهرة التي لم يتم الحسم فيها بعد ؟

ولكنني بالنظر إلى معرفتي  بما يتميز به الدكتور سيد البحراوي من طموح علمي، واحتهاد ومثابرة في مجال البحث الأدبي، أوفي عالم الكتابة الإبداعية، أجيب عن هذا السؤال بقولي : «إن اقتحام الصعب الشائك من القضايا من شيمة الباحث المجتهد المتطلع دائماً إلى تجديد أدوات بحثه. فإذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد».

عن Romaisae

شاهد أيضاً

صراع الجسد والروح في قصيدة “لك الملك” للشاعر محمد علي الرباوي

يبلغ الرباوي في التعبير عن استبداد الجسد ذروته في قصيدته “لك الملك”: ما زال بهذا …

الرواية التاريخية الريفية منفي موكادور

ذات يوم تساءل جورجي زيدان حول الرواية التاريخية وقال ما فائدة الرواية إذا لم تضف …

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: “رحلة إلى فرنسا”

ظل أدب الرحلة المغربية مجالا أثيرا للنهل وللاستثمار بالنسبة لمؤرخي  المغرب الراهن في سعيهم نحو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: