الهجرة النبوية وفتح مكة (أحداث ودلالات)

كان لحدثي الهجرة النبوية الشريفة وفتح مكة المكرمة آثار طيبة في نفوس المسلمين، إذ فيهما تجسدت روح التضحية والأخوة في الدين، برزت بجلاء في شخصية المهاجرين والأنصار على السواء، وأعطت درسا كبيرا في سبيل الدفاع عن الدين والذب عن حرماته ومقدساته، وصوَّرت نموذجا فريدا من أجل تثبيت أركان العقيدة الإسلامية وبناء المجتمع الإسلامي والتآخي بين أفراده.

ففي حدث الهجرة النبوية الشريفة ضرب المهاجرون المثل الصحيح للمسلم الذي أخلص الدين لله، فلم يبالوا – رضوان الله عليهم-  بما تركوا وراءهم – لَمَّا هاجروا إلى المدينة المنورة- من مال ومتاع وأهل وعشيرة، مقدّمين سلامة دين الإسلام الذي جاء ليخلصهم من عبودية العباد والحجر، إلى عبودية الله الواحد الأحد. أما الأنصار – رضي الله عنهم- فلم يدَّخروا جهدا أيضا، فهم الذين آووا ونصروا النبي (ص) والمهاجرين، حيث قاسموهم متاعهم ومأواهم مؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة كما مدحتهم الآية الكريمة. وقد كان لطريقة هؤلاء وأولئك في نصرة الدين والعقيدة معنى عميقا، جسد علو قيمة الإيمان عندهم، وجعل قداسة الدين والعقيدة فوق كل شيء؛ فلا قيمة للأرض والمال والعشيرة إذا هددت العقيدة أو انتقص من شأنها، فكانت إذا؛ التضحية بالمال والوطن، ضرورية لنصرة العقيدة، وبنصرتها كما نرى ضمن المهاجرون لأنفسهم الحياة والمال، وإن بدا لأول وهلة أنهم تعرَّوا عن كل ذلك وفقدوه.

ولكم كانت فرحتهم كبيرة لما دخلوا مكة فاتحين صحبة النبي (ص) عائدين إلى الأرض والوطن والأهل والعشيرة، حاملين راية الإسلام، ناشرين لعقيدتهم التي دافعوا عنها من قبل، وهي فرحة تشبه إلى حد بعيد تلك الفرحة التي استقبل بها الأنصار طلعة النبي عليه السلام وصاحبه أبا بكر رضي الله عنه، حيث جاشت العواطف في صدورهم وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد والأهازيج فرحا لمرآه عليه السلام ومَقدِمه عليهم، مردّدين ذلك النشيد الخالد الذي لا يزال يذكر إلى يوم الناس هذا.

أمر ثان برز من خلال الحدثين معا – فتح مكة والهجرة- بيَّن لنا كيف نقيم دعائم العقيدة ونثبت أسسها في مجتمعاتنا، ففي الهجرة إلى المدينة كان أول عمل قام به الرسول (ص) بمجرد وصوله واستقراره بها هو بناء المسجد، ولا شك أن إقامة المساجد هي الركيزة الأولى في بناء المجتمع الإسلامي، فمن خلال المسجد يتلاقى المسلمون على مرات متعددة في اليوم والليلة، ومرات متكررة في الشهر من خلال صلاة الجمعة، فتبرز روح التآلف والتآخي بينهم، وتشيع روح الأخوة بين الناس، وتترسخ عبودية الله والتقرب إليه داخل المسجد. أما في فتح مكة فكان لعمل الرسول (ص) الدليل الكبير على نصرة العقيدة ودحض ما يناقضها، إذ أنه عليه السلام لما دخل مكة المكرمة توجه إلى البيت وكان حوله ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها الواحدة تلو الأخرى بعود في يده، وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل)، (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد). وأمر عليه السلام بإخراج صور وتماثيل بعض الأنبياء من داخل البيت ثم أمسك بعضادتي باب الكعبة وقد اجتمع الناس من حوله وخطب فيهم خطبته الشهيرة التي حطم فيها كل ما بقي من آثار الجاهلية، وأرسى من خلالها دعائم الأخوة الإيمانية حينما عفا عن أهل مكة ودعا لهم، فتم تطهير الكعبة من كل ما يمت إلى الجاهلية بصلة حتى تخلص العبادة فيه لله وحده، ثم إن لدخوله عليه السلام مُرجِّعا لآيات من كتاب الله تعالى أبرز الدلالات على حالة الاستغراق في العبادة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم في استقبال النصر المبين، فما كان لنشوة النصر والظفر العظيم على نفسه من سبيل، ولم يكن شيء من التعاظم أو التجبر ليستولي على شيء من مشاعره عليه السلام.

وثالث هذه الدلالات من الحدثين العظيمين هو زرع بذور الأخوة الإسلامية بين المسلمين جميعا مهما اختلفت أنسابهم أو مجتمعاتهم، وهكذا لما دخل المهاجرون إلى يثرب قام الرسول (ص) بمؤاخاة المهاجرين والأنصار على الحق والمساواة، على أن يتوارثوا أموالهم بينهم حتى تكتمل عناصر الأخوة بين آصرتي العقيدة والقرابة، فلما استقر الإيمان وتمكن الإسلام عادت العلاقات وقرابة الرحم إلى مجراها الطبيعي فلا توارث إلا بقرابة. أما في فتح مكة فنجد تلك الروح سارية بين المسلمين، وأول ما بدأت في عمل رسول الله (ص) في خطبته حيث قال: (يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء..) ثم تلا ذلك إعلانه عليه السلام: أن من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فجعل من دخوله إلى مكة من دون قتال أو حرب حفاظا لمعنى السلام والأمن في البلد الحرام، لأن أهم ما يرسخ الإيمان في القلب ويبعث على تمكنه واستمراريته أن يشعر صاحبه بالأمان والطمأنينة أولا، وأن يتألف المسلمون لقلبه، فما زاد بعد ذلك من نصرة وجهاد فله أجره وثوابه الجزيل.

وقد كان لخطبة النبي (ص) في فتح مكة المعنى الكبير والتعبير العظيم للنصر الذي مكَّن الله به لنبيه ولصحابته على قريش وحلفائها، ومما جاء فيها قوله عليه السلام: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو عن قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج… يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، وتلا قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم، قالوا خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء). فكانت كلماته تلك بداية لعهد جديد دفنت فيه بقايا الجاهلية من تفاخر بالآباء والأجداد والتباهي بالقوميات والقبلية والعصبيات واللغات والأنساب، فكل الناس من آدم وآدم من تراب، فلا تعاظم ولا مباهاة إلا بمدى التمسك بالإسلام ومدى قوة التقوى في التأثير على القلوب وحسن العمل الصالح في التأثير على الأعمال، فهو ما يبقى وما يحاسب عليه الإنسان ويسأل عنه.

هذه قبسات ثلاث إذن من نور الذكرى، ذكرى الهجرة النبوية وفتح مكة المكرمة.. وهي مناسبة كبرى للتذكر والاتعاظ ومحاسبة النفس والبحث عن الاستزادة من دروس السيرة النبوية الشريفة..

 

منتصر الخطيب 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

في رحاب القرآن الكريم 4‪/‬4

11 – كل قول أو مصطلح أو مفهوم أو نظرية عند الصوفية إلا ولها أصل …

في رحاب القرآن الكريم 4‪/‬3

9 ـ القرآن الكريم هو الإنسان من حيث كونه جامعا في ذاته لما تفرق من …

في رحاب القرآن الكريم 4‪/‬2

5 – القرآن الكريم : كلام؛ يفيد النطق المُفْهِم.. «وقال الذين يعلمون : لولا يكلمنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: