… و لما كان من أنواع السلوك عن طريق ما شرَّعَ الله ، صار الوفاء من جنس القيَم . فأبسطتُ بين يدي ورقة لأسطر من خلالها رثاء صديقي الدكتور عبد الهادي الخمليشي رحمه الله . كان يُتاح له ثمَّة أنْ يحضن القلم و حبره القائل في خطاب أعدَّهُ لفضائل رمضان أثناء الحجر الصحي . و قد عهد لي به لأنشره قبل أنْ تفاجئه المنية . فصمَّمتُ تنفيذ ذلك ، وفاء بالعهد ، بغية نشر الخطاب في شهر القرآن الكريم . في التودُّد إلى الله عز و جلّ . و قد جعله العلي القدير ميمونا مباركا علينا بمعجزة كتابه الحكيم . بسم الله الذي لا يضرُّ باسمه شيء في الأرض و لا في السماء . القائل جلَّ في علاه : و لا زال عبدي يتقرَّبُ إلي بالنوافل حتى أحبَّه . و يقول أيضاً : أنا عند ظنّ عبدي بي ، و أنا معه إذا ذكرني ، فإنْ ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي (عن أبي هريرة) . فلك إلهي الحمد السرْمدي لا يُحصيه العدد . قال الله جلَّ و علا : إنَّ النفس الأمارة بالسوء إلاَّ مَنْ رحم ربي ، إنَّ ربي غفور رحيم ..صدق الله العظيم (سورة يوسف ، الآية 35) . إذ الصيام وهو جهاد النفس الأمارة ، فاستحق الصائم عن خالقه مقام طيب خُلفة فيه يوم القيامة ، وهو أطيب من ريح المسك . قال تعالى : كل عمل آدم له ، إلاَّ الصيام ، هو لي وأنا أجزي به ، فو الذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (عن أبي هريرة) . وقد كان لدم الشهيد أيضاً ، و لكل جرح يفوح مسكاً يوم القيامة . و إننا في مقام الصيام هنا أسعد إيماناً و احتسابا نشتهي و نستنشق من ريح عطر الجنة بمشيئة الله تعالى . و رأيتني أنصرف لنشر خطاب د.عبد الهادي الخمليشي رحمه الله ، الذي اختار له عنوان : فضائل الصيام في زمن الأوبئة ، مُحللاً آثاره الإيمانية :
- حلَّ بنا شهر رمضان هذه السنة في ظروف استثنائية، فرضت علينا هذا الحجر الصحي والعزل المنزلي.
ومن هنا يثور في الذهن سؤال : هل لهذا الأمر فضل زيادة في فضائل الصيام فوق ما له من فضائل؟
من المعلوم المقرر أن الصائم يتبوأ مكانة خاصة عند الله سبحانه وتعالى؛ فهو يقضي سحابة اليوم ممسكا طائعا مُحتسبا تاركا لقول الزور والعملِ به، ويمضي الليلَ- بعضَه أو جلَّه – عابدا محتسبا مؤمنا بما عند الله من أجر ومغفرة وجنة نعيم. ومن ثم كان أشبهَ ما يكون بالعباد الزهاد المنقطعين عن شؤون الدنيا ، كما أن يَقْبِسَ بوجه من الوجوه بعض صفات الملائكة المتفرغين للعبادة والذكر والتسبيح.
ومع هذا وذاك، فهو يتبوأ بصيامه في زمن الوباء درجة الشهيد أو ما يماثله ويشابهه.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الإمام البخاري: “والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخٌلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عندَ الله من ريحِ المِسْكِ، – ويعنى تَغَيُرُ رائحته في آخر النهار – للصَّائِمِ فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُما؛ إذا أَفْطَرَ فَرِحَ بفطره، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِح بِصَومِهِ”.
وهذا الفرح يتزكى ويربو ويتجلى عند الصائم في التقدير الإلهي أن ريح فمه، ومعدته الفارغة أطيب عند الله من ريح المسك. مثل ريح دم الشهيد المجروح.
فعن أبي هريرة عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – قالَ: ” كلُّ كَلْمٍ – أي جرح- يُكْلَمُهُ المسلمُ في سبيل الله (وفي طريقٍ: والذي نفسي بيدِه لا يُكْلَمُ أحدٌ في سَبيلِ الله- والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيلِهِ- إلا) يكونُ يوم القيامةِ كَهَيْئَتِها إذ طُعِنت تَفَجَّرُ دمَاً؛ اللونُ لونُ الدمِ، والعَرفُ عَرْفُ (وفي طريقٍ: والريح ريح) المِسكِ”.
وها أنت ترى – وليس عبثا أو مصادفة – وجهَ الشبه بين رائحة فم الصائم في آخر النهار، ورائحة الدم الذي ينهمر من جرح الشهيد هو عرف المسك. وهذا نوع تشبيه بين الصائم والمجاهد في الصفة المنبعثة منهما، الصائم من فمه، والشهيد المكلوم من دمه.
ويزداد فضل الصيام في زمن الوباء بما ورد في الحديث الذي يرويه البخاري عن عائشةَ زوجِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – قالت: سألتُ رسولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – عن الطاعونِ؟ فأخبَرَني : “أنَّه كانَ عذابا يبعَثُهُ اللهُ على من يشاءُ، وأن اللهَ جَعَلَهُ رحمةً للمؤمنينَ، ليس مِن أحَدٍ يقعُ الطاعونُ، فيَمْكُثُ في بلدِهِ، صابراً مُحْتَسِباً، يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُصِيبُهُ إلا ما كَتَب اللهُ لهُ؛ إلا كانَ لهُ مثلُ أجرِ شهيدٍ”.
فوافق انتشار الوباء، ومقصد الحرص على الالتزام بالحجر الصحي لعدم نقل العدوى بين أفراد المجتمع وخارجه، باتخاذ الأسباب الثابتة عقلا وتجريبا من النظام العام في الحجر، والصبر والاحتساب ، والاعتقاد بعدُ أن لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا أن ينال الصائم القائم المبتلى أجر الشهيد. فاجتمع للصائم فضلُ رائحة المسك المنبعثةِ من وجه الصيام ومماثلتُه في الشبه بالشهيد، وأجرِ الشهيد من جهة الابتلاء، وصبرٍه واحتسابه وإيمانه واعتقاده.
فا للهمَّ ارزقنا بصيامنا في هذه السنة أوصاف الشهداء، وتقبله منا عملا خالصا لوجهك ، وارزقنا به في زمن الوباء أجرهم، واجعلنا ممن يحافظ على النظام الشرعي العام في فترةهذا الوباء آمين والحمدلله رب العالمين – نبذة من الترجمة للمقام العلمي للدكتورعبد الهادي الخمليشي رحمه الله تعالى : – الحاصل على الإجازة في الآداب ، شعبة الدراسات الإسلامية من كلية الآداب بتطوان سنة 1990م ..
-الحاصل على شهادة الأهلية التربوية بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان سنة1991م .. فشهادة الدراسات العليا المُعمَّقة : دار الحديث الحسنية بالرباط سنة1992م .. ثمَّ دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب بتطوان ، في موضوع : الإمتاع بأحكام الإقطاع ، للتعارجي ، دراسة و تحقيق ، سنة1996 م .. إلى ، العالمية في الشريعة ، و استكمالاً لمتطلبات الحصول على دكتوراه الدولة من جامعة القرويين بفاس ، بالأطروحة الموسومة بريح المسك وهي بعنوان : السلم في القرآن الكريم و السُنة ، مُرْتكزاتها و وسائل حمايتها ، وقد نالها بميزة ، حسن جداً ، و ذلك سنة 2001م .. و كان رحمه الله أستاذا للتعليم العالي بمؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط ، و عضو بالمجلس العلمي المحلي بالمضيق ، إلى حين وفاته ..
- قيل أيُّ الأعمال أحبّ إلى الله : أنفعهم للناس ..و من جوامع الدعاء : يا حيُّ يا قيوم برحمتك أستغيث .
عبد المجيد الإدريسي .

































































PDF 2025


