بعد إغلاق باب سبتة..؟ !

في حديث مع صديق بمدينة تطوان له دراية بشؤون ثغر سبتة المحتل وله اطلاع على ما يجري حوله أخبرني أن مجهودات تبذل لإيجاد بدائل للتجار المغاربة الذين كانوا ينشطون بهذا الثغر، وقد تأسفنا معا في مجرى الحديث لحجم الكساد الذي أصاب المدن المجاورة لهذا الثغر والإفلاس المصاحب له، والذي امتدت تداعياته إلى النشاط التجاري بمدن عديدة بالمغرب وانعكست آثاره الوخيمة على حيوات أشخاص انتقلوا من وضع اجتماعي شبه مزدهر وقار قبل إغلاق «باب سبتة» إلى وضع مهتز وقلق ومزر بعد إغلاقها، وربما يسري هذا الوضع على المدن المجاورة  لثغر مليلية المحتل بالجهة المقابلة شرقا.

لقد شكل هذا الثغر لعقود عديدة مصدر تزويد رئيسي للأسواق القريبة بشكل خاص كما كان يزود كذلك بعض الأسواق البعيدة بما كان يسمى «السلعة ذ سبتة» أو« السلعة ذ برا» أو«الكونتروباند»..، وكان الحصول هذه السلعة بموادها المتنوعة التي تهم مناحي استهلاكية وغير استهلاكية متعددة: الغذاء، الألبسة، التجهيزات المنزلية، المواد الإلكترونيات والكهربائيات، تجهيزات الحمامات وما يرتبط بالترصيص الصحي، وقطع غيار السيارات إلخ يدخل في باب الامتياز، ذلك لأن «تميز» أو«علامة جودة» هذه السلعة تأخذه من كونها سلعة تأتي من الغرب وإن كانت  تحمل توقيع ماركات مشهورة أحيانا وأقل شهرة أومجهولة أحيانا أخرى، وإن كانت مواد كثيرة يطالها التزوير أوتخضع للتقليد أوتكون منتهية الصلاحية أوتشكل خطرا على الصحة…

اللهف على هذه السلعة كان كبيرا، كنا نراه في فصل الصيف وأثناء العطل في أسواق تطوان: «باب النوادر» و«السوق د برا» أو«سوق خديجة» وفي أسواق الفنيدق والمضيق ومارتيل…، وانعكاسا لذلك كانت حركة النقل نشيطة بين سبتة وبابها وباقي نقط التزويد، كما كانت حركية الأموال والمعاملات وصرف العملات هائلة..

لقد كان سوق «الكونترابند» سوقا للشغل ومصدر دخل لآلاف من الأسر، كما كان مجالا لخروقات وتجاوزات، وساحة لمعاناة «الخبز» وآلام الطريق وهضم الكرامة، كما كان كذلك مشتلا لاقتصاد مواز غير قانوني يخترقه عنف خفي وظاهر، سوقا واجهته البراقة تخفي وراءها أسرارا مظلمة..

لم يكن معظم العاملين الكادحين في هذه السوق وكذا المستفيدين من أرباحه غير المشروعة يتوقع توقفه بهذه السرعة والحزم وإن كان بعض من لهم حدس  وفراسة رأوا من بعيد، بناء على مؤشرات، أن الأمر آت لا ريب فيه، ولما وقعت الواقعة كان يعتقد في البداية أن الأمر عابر ومؤقت، إذ لا محالة من رجوع حليمة إلى عادتها القديمة كما في مرات سابقة، لكن ما وقع هذه المرة كان حاسما وقاطعا كالسيف الجارح..

ما وقع قلب المنطقة رأسا على عقب كما هز حيوات أفراد وأجيال هزات عنيفة تشبه الزلزال وفتح مصائر أسر وعائلات على باب التيه، لكن ما وقع قد يقع حتى لاقتصادات مشروعة إذا غفلت ولم تجدد نفسها وتأخذ التحولات بعين الاعتبار من أجل التكيف..

المنطقة شهدت تحولا على مستوى البنية التحتية والتجهيزات في العقدين الأخيرين وفورة على المستوى العمراني، وما ينتظر الآن هوالتحول على مستوى جذب الاستثمارات وما يرتبط به من ظروف مادية ومعنوية، فالتكوين الجدي المؤهل للموارد البشرية من جهة والاستثمار النشيط والجيد، المناسب والخالق للثروة من جهة أخرى هما الكفيلان بإعادة الحيوية وفتح الباب أمام التطور الطبيعي للمجال المجاور لسبتة المحتلة ولخلق نسيج سوسيو-اقتصادي صلب ودائم في أفق تنمية مستدامة ومتوازنة..

إن المناطق الشمالية بحكم موقعها وما حققته من تراكم ومن ثروات في إطار الأنشطة غير المشروعة قادرة إن توفرت الإرادة السياسية والتضامن الوطني وخلق أجواء الثقة أن تخرج من أزمتها الحالية في أقرب وقت، وذلك بتوحيد الرؤية وتكاثف الإمكانيات وتنسيق التدخلات بين الدولة والجماعات الترابية ومختلف الفاعلين لتحسين مناخ الأعمال وتشجيع القطاع الخاص المحلي والوطني والدولي على الاستثمار الخالق لفرص شغل حقيقية وبالتالي توفير مناخ اجتماعي باعث على الاستقرار والأمل.

إن نجاح الفنيدق وبليونش وتطوان والقصر الصغير ومارتيل إلخ في التغلب على الأزمة الحالية وخلق اقتصاد بديل منتج سيكون له آثار إيجابية سواء على مستوى الجهة أوعلى المستوى الوطني، ذلك لأن انطلاق اقتصاد أي منطقة ونهوضها التنموي يصب في الدفع قدما بتقدم بلدنا واكتسابه المناعة لمواجهة كل التقلبات والمنافسات بمنطقة البحر الأبيض المتوسط خاصة وعلى المستوى الدولي عامة.

ما نتمناه في سنة 2022 هوالعمل المتواصل في هذا الاتجاه  تضامنا مع سكان المنطقة وإنصافا لهم وصونا لكرامتهم، خاصة كادحيها الذين طوقتهم الأزمة واشتد عليهم العسر…

عن Romaisae

شاهد أيضاً

مضت سنة.. فهل يجبر العام الجديد أضرارها؟

مضت سنة 2021 بعناوينها غير المريحة : l ارتفاع معاناة المواطنين اقتصاديا ونفسيا نتيجة بعض …

بحلوه ومره: 365 يوما مضى ..

عرفت الساحة الوطنية خلال سنة 2021 أحداثا ستبقى خالدة، فمنها ما سيسجلها ضمير التاريخ ضمن …

وضعية السجون في المغرب بين المعايير الدولية والتشريعات الوطنية ومتطلبات الإصلاح

أنهى مركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية ومركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، بتعاون مع المندوبية العامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: