بين يدي معجزة الإسراء والمعراج

كثيرا ما يغفل المرء من كثرة سماعه أو قراءته لبعض الوقائع التاريخية أن يستجلي بعض الحكم والعظات منها، وخاصة تلك التي يتكرر الحديث عنها في بعض المناسبات.

ولعل حادثة الإسراء والمعراج أكبر برهان على ذلك، فما أن يحل شهر رجب الفرد حتى تدبج المقالات وتعقد الندوات وتلقى المحاضرات لتؤرخ لهذا الحدث مبرزة موقعها من معجزات نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم دون التعرض لاستخلاص العبر والحكم المستوحاة من هذه المعجزة الكبيرة.

ولعل من بين المؤلفين في ميدان السيرة النبوية الذين لهم فضل كبير في دراسة وقائع السيرة العطرة واستخلاص العبر والعظات من أحداثها العظام ووقائعها المطردة؛ نجد الشيخ “محمد بن سعيد رمضان البوطي” في كتابه: “فقه السيرة” الذي دأب في هذا المؤلَّف على تتبع وقائع السيرة النبوية مستخلصا ومستلهما عبرا وعظات كبرى من أحداثها. ذلك أنم لم يقتصر على سرد أحداث السيرة النبوية فقط، وإنما جعل هدفه الوصول إلى إبراز صورة الإسلام بإجمال؛ مجسدة في حياته عليه السلام، معتبرا أن السيرة النبوية في الأصل ليست سوى عملا تطبيقيا يراد منه: تجسيد الحقيقة الإسلامية كاملة في مثلها الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم.

ولإبراز هذه الصورة المثلى من خلال قصة الإسراء والمعراج وجدناه- المؤلف- في البداية يكتفي في سرد أحداثها بالإحالة على أمهات المصادر في الهامش، ذاكرا أنه إن أردنا الوقوف على قصتها أن نقرأها في صحيح البخاري أو مسلم أو أي مصدر من مصادر السنة الصحيحة، محذرا في الآن نفسه من الاعتماد على مثل كتاب “معراج ابن عباس” لأنه مليء بالكذب والأباطيل، وأن ابن عباس بريء من هذا الكتاب. ثم ليصل بنا إلى بيان المنهج الذي اعتمده والذي لا يرتكز على السرد التاريخي فقط، وإنما على ضبط واستخراج الدلالات والعبر من هذا الحدث/ المعجزة.

وتأسيسا على هذا المنهج عرَّف الكاتب بمعجزة الإسراء بأنها: الرحلة التي أكرم الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالقدس، وبأن المعراج: هو العروج به عليه السلام إلى طبقات السموات العلا، ثم الوصول به إلى حد انقطعت عنده علوم الخلائق من ملائكة وإنس وجن، وكلُّ ذلك – الإسراء ثم المعراج- في ليلة واحدة، مذكرا أنها تمت بالروح والجسد معا برأي جمهور المسلمين.

ثم انتقل بعد ذلك إلى مناقشة بعض المزاعم حول الرسول والمعجزات، وبعدها بدأ في استنباط بعض الدلائل والعبر من هذه المعجزة الكبيرة:

  • وأول هذه العبر هي: موقع المعجزة من الأحداث التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمر بها في ذلك الحين، والتي من بينها معاناته عليه السلام من المحن التي لاقاها من قريش، وآخرها ما حدث له في الطائف، وقد ظهر تأثيرها عليه في دعائه الذي ناجى به ربه مصوِّرا ما كان عليه حاله من الشعور بالضعف والحاجة إلى النصير، وخوفه وخشيته من أن يكون الذي به إنما هو بسبب غضب من الله عليه في تقصيره بأعباء الدعوة إلى الله عز وجل، وهذا يظهر في قوله عليه السلام: (إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي..)، فجاءت ضيافة الإسراء والمعراج في أثناء ذلك تكريما من الله تعالى له وتجديدا لعزيمته وثباته، وأن الذي يلاقيه من قومه ليس بسبب أن الله تعالى قد تخلَّى عنه أو غضب عليه، وإنما ذلك سنة الله تعالى مع أحبته في الابتلاء والاختبار، وهذه أول عبرة من هذه المعجزة، وهي التي تحثنا على الالتجاء إلى الله في الشدائد والمحن ومراجعة النفس خشية أن يكون ما يتعرض له المؤمن من ابتلاء ناتجا عن بعد عن الله أو غضب من الله لترك فرض أو إتيان معصية وهو ما يمكن أن يعرف في لغة العصر بمحاسبة النفس أو بالنقد الذاتي.

  • ثم إن الاقتران الزمني بين حدث الإسراء إلى بيت المقدس والعروج إلى السماوات السبع، لدلالة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية، وتذكير بالعلاقة الوثيقة بين ما بعث به كل من نبي الله عيسى ورسول الله محمد عليهما السلام من رابطة الدين الواحد، ودلالة أخرى على مدى ما ينبغي أن يوجد لدى المسلمين في كل عصر ووقت من محبة وحفظ لهذه الأرض المقدسة ووجوب حمايتها من مطامع الدخلاء وأعداء الدين، وأن يسعوا إلى استعادتها إن هي اغتصبت كما هو الحال اليوم.

  • وحكمة أخرى تستنبط من معجزة الإسراء والمعراج وهي التأكيد على أن الإسلام دين الفطرة الإنسانية السليمة، وتمثَّل ذلك في اختيار النبي صلى الله عليه وسلم اللبن على الخمر حين قدمهما له جبريل عليه السلام، وهذا تجسيد لروح الفطرة الأصيلة، ودعوة إلى الناس أنهم مهما ترَقَّوا في مدارج الحضارة، ومهما غمرتهم السعادة المادية، فإنهم بفطرتهم لا بد وأن يستجيبوا إلى نوازع الفطرة التي يدعو إليها دين الله. وهذا ما يجعل الدعاة يركزون على الجانب الفطري للإنسان قصد استثارة نفسية الإنسان للاستجابة لدين الله.

  • ثم في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في صلاة ركعتين ببيت المقدس لعبرة أخرى وبرهان قاطع على هيمنة الدين وشريعة الإسلام على غيره من الشرائع وتصديقه لدعوة أنبياء الله قبله.

  • وعبرة أخرى تُجتبى من هذه المعجزة العظيمة وهي التأكيد على أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح معا، وكيف أن المشركين استقبلوه بالنفي واستعظموه. وهذا دليل على تعجبهم وقوعه، فلو كان الأمر مسألة رؤيا فقط لما استدعى منهم هذا التعجب والإنكار، وهذا ما يؤكد أن إنكارهم لهذه المعجزة هو إنكار جحود وكفر، سواء أكان من قريش أو من غيرهم ممن جاء بعدهم أو من معاصرينا أيضا، فالمعجزة أكبر من أن يصدقها كافر أو جاحد.

ولابد في الختام من التنبيه على أن الآية التي ورد فيها ذكر معجزة الإسراء والمعراج قد أُتبِعت بآيات تذكر فضائح اليهود وجرائمهم، وهذا الربط يدل على أن الإسراء كان إلي بيت المقدس، وأن اليهود سوف يستولون عليه ويغتصبونه ويعبثون بمقدساته، وعلى المسلمين يقع عاتق تحرير الأرض المقدسة، تنفيذا لوعد الله تعالى في هذه الآيات، وتأكيدا لهذه المعجزة العظيمة معجزة الإسراء والمعراج على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

منتصر الخطيب

عن Romaisae

شاهد أيضاً

في رحاب القرآن الكريم 4‪/‬2

5 – القرآن الكريم : كلام؛ يفيد النطق المُفْهِم.. «وقال الذين يعلمون : لولا يكلمنا …

في رحاب القرآن الكريم 4‪/‬1

منذ سنوات تلقيت دعوة كريمة من سيدي محمد ابن تحايْكتْ رئيس المجلس العلي لمدينة الشاون …

ترنيمة الشهر الكريم

من البديهي أن شهور السنة شيء وشهر رمضان القمري العربي شيء آخر، فهو الشهر الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: