تخليد احتلال أصيلا وطنجة في زرابي برتغالية للقرن 15م

إذا كان موضوع الغزو الإيبيري الذي ضرب بلاد المغرب عند مطلع القرن 15م قد حظي باهتمام قطاعات واسعة من مؤرخي الزمن الراهن، بالنظر لعمق تأثيراته على المسارات البعيدة المدى التي رهنت الضفتين الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط خلال القرون اللاحقة، فإن العودة لتشريح الموضوع في بعده الجمالي والحضاري أضحى أمرا يثير الكثير من عناصر الإثارة والاهتمام بإسبانيا وبالبرتغال الراهنتين. لقد قيل الشيء الكثير عن ملابسات الغزو الإيبيري لسواحل المغرب خلال مرحلة انتقال تاريخي حاسم، كان عنوانه تفكك نموذج الدولة الوطنية الوسيطية مع كل من المرينيين والوطاسيين، في مقابل تصاعد مد حروب الاسترداد التي أججتها ارتدادات بروز التيار الميركنتيلي المتنامي بأوربا على أنقاض أطلال النموذج الفيودالي المنهار. وعلى الرغم من أن الموضوع قد ظل يفرز كما هائلا من الأسئلة المتوالدة والمتواترة، فالمؤكد أن قول الكلمة الأخيرة في قضاياه، تظل من الأمور غير الواردة على الإطلاق، بدليل حصيلة تراكم المنجز الأكاديمي المتخصص، وخاصة ببلاد المغرب، حيث برزت أسماء كان لها دورها البارز في إعادة مقاربة التباسات موضوع الغزو الإيبيري، وفق رؤى مجددة ساهمت في التأصيل العلمي لمحدداته الإجرائية والمعرفية في البحث وفي التنقيب وفي التجميع وفي الاستثمار، مثلما هو الحال مع الأعمال الرائدة لرواد هذا المجال، من أمثال أحمد بوشرب، ومحمد ابن عزوز حكيم، وحليمة بنكرعي، ومحمد مزين، وحسن الفكيكي،… وفي المقابل، كان للتراكم العلمي الذي عرفته الدولتان الإيبيريتان بإسبانيا والبرتغال، دوره في توسيع دوائر البحث والتنقيب، خاصة وأن الأمر لم يعد مرتبطا بالعمل التاريخي المدرسي الحصري الضيق، ولكنه امتد ليشمل مجالات الاستثمار الفني والإبداعي والجمالي والإنساني الواسع.
في سياق هذا التوجه العام، يندرج افتتاح جناح الزرابي التاريخية لمتحف كنيسة بلدة باسترانا، الواقعة شمال العاصمة الإسبانية مدريد، بمقاطعة كوادا لاخارا، وذلك بموازاة مع إصدار كتاب/دليل للتعريف بمحتويات المتحف وبالإطار التاريخي الخاص بهذه المحتويات، وذلك سنة 2018، في ما مجموعه 47 من الصفحات ذات الحجم المتوسط. والكتاب الصادر باللغة الإسبانية، يقدم معلومات تاريخية مفيدة عن محتويات المتحف المذكور، مع التعريف بجهود التجميع والصيانة التي طالت التحف المحفوظة بأروقته، وعلى رأسها أربع زرابي تؤرخ لواقعة احتلال البرتغاليين لكل من مدينة أصيلا ومدينة طنجة، بشمال المغرب، سنة 1471م، تحت الإشراف والتوجيه المباشرين للملك ألفونسو الخامس.
تمتد هذ الزرابي الأربع على مساحة واسعة، نالت فيها مدينة أصيلا نصيب الأسد، واحتوت تفاصيل دقيقة يمكن أن نقرأ من خلالها الوقائع اليومية لظروف سقوط المدينة في يد البرتغاليين. فلقد جسدت الزربية الأولى جزئيات الحصار البحري الذي فرضه البرتغاليون على المدينة، في حين اهتمت الزربية الثانية بتفاصيل اقتحام القوات البرتغالية للمدينة، وتناولت الزربية الثالثة مظاهر احتلال البرتغاليين لأصيلا، وأخيرا اهتمت الزربية الرابعة بواقعة سقوط مدينة طنجة في يد القوات البرتغالية كنتيجة حتمية للحصار البحري الخانق الذي تعرضت له المدينة بموازاة مع الزحف المباشر الذي انطلق برا من مدينة أصيلا.
وإذا كانت كل المعطيات التاريخية الواردة في الكتاب، تظل جزءا من التفاصيل المعروفة والمتداولة بين المؤرخين والمهتمين، فإن إعادة مقاربة الموضوع وفق رؤى جمالية تحتفي بعناصر الإبداع وبأشكال التعبير الفني، تشكل توجها أصيلا لإعادة ربط الجسور بين كثافة التاريخ المادي المباشر من جهة أولى، ثم بين التعبيرات الرمزية الجمالية والإنسانية المرتبطة بهذا التاريخ من جهة ثانية.
في هذه الزرابي، تنهض مدينة أصيلا من جديد وتتحول إلى حضن مشرع أمام مختلف أشكال التعبير الإيقوني والجمالي لدى برتغاليي القرن 15م. فإذا كان الملك ألفونسو الخامس قد سعى إلى تخليد اسمه ومنجزات غزوه من خلال تشجيع هذا النوع من الأعمال، فالمؤكد أن المنجزات الفنية تظل من الغنى ومن العمق ومن التنوع بشكل يؤهلها لالتقاط الكثير من التفاصيل التي قد لا تنتبه لها عين المؤرخ المهووس برصد التحولات السياسية المباشرة والوقائع المادية المؤثرة في هذه التحولات.
في زرابي مدينتي أصيلا وطنجة، تتداخل أحداث الغزو الإيبيري مع المكتسبات الحضارية لدولة البرتغال، من خلال التفاصيل الدقيقة الخاصة –على سبيل المثال لا الحصر- باللباس وبالعتاد الحربي وبالأسلحة وبالتحصينات وبالأعلام وبرموز الملك،… ويتجاوز الأمر ذلك، إلى استنطاق سحنات الوجوه وتعبيراتها الحاملة للرموز الدينية المنتشية بفرحة النصر والبطولات. وبين كل هذه الثنايا الممتدة على فضاء الزرابي الثلاث، والتي يصل طول كل واحدة منها إلى أحد عشر مترا وعرضها إلى أربعة أمتار، تنهض مدينة أصيلا لتكتب سيرتها وذاكرتها الإيبيرية، بعيدا عن طوفان الوقائع اليومية البرتغالية، وقريبا من التعبيرات الجمالية الواسعة والممتدة. هي مدينة أصيلا، نبع المخيال البرتغالي المتجدد، وجسر التفاعل التاريخي الممتد، ومرآة ذاتنا البرتغالية المنتصبة داخل هويتنا الثقافية المركبة. وهي مدينة طنجة الحاضنة التاريخية لضفاف البحر الأبيض المتوسط بحمولاتها الحضارية الكبرى، وبمستويات تلاقحها الثقافي المتواصل والممتد في الزمن. تثير الزرابي المعروضة في متحف باسترانا الإسباني أسئلة حقيقية حول سبل التعاطي مع ذاكرة الغزو والاحتلال، بغض النظر عن طابعها القهري والتسلطي، في أفق تحويلها إلى نافذة مشرعة على سبل مساءلة التراث المشترك الذي يرخي بظلاله على الكثير من شواهد الحاضر، ويساهم في إنتاج كم هائل من التمثلات الذهنية المسؤولة عن صناعة مواقف كل طرف تجاه الآخر. لذلك، أضحى الوعي بأهمية أنسنة تراث الغزو والاحتلال أمرا مشروعا، بالنظر لنجاحه في تجاوز إكراهات الغزو والاحتلال، ولارتياده آفاق رحبة لسبل توظيف هذا التراث في مجالات التعاطي الفني والجمالي، بحمولاته الإنسانية الواسعة وبقيمه الإيقونية المتجددة. لا يتعلق الأمر بأي نزوع نحو تبرير عمليات الغزو والاحتلال، ولا بسعي نحو تبخيس جهود تفكيك الخطاب الكولونيالي، ولا –كذلك- بتلميع لصورة “الآخر” الغازي أو انبهار ب”فتوحاته المجيدة”، بقدر ما أنها قراءة تعيد تفكيك القيم الجمالية الموروثة عن تركة مرحلة الاحتلال البرتغالي لمدينتي أصيلا وطنجة، قصد تحويلها إلى مرتكز ثقافي لتفجير ممكنات الخلق والإبداع وتيسير جهود الانسياب السلس بين الحضارات المتساكنة على الضفاف المتوسطية، تعزيزا للمشترك الذي يصنعه الإنسان لأجل الإنسان وعبر الإنسان.

 

أسامة الزكاري.

عن Romaisae

شاهد أيضاً

“التوسع البرتغالي في المغرب”

حظيت ظاهرة الغزو الإيبيري التي ضربت بلادنا خلال مطلع العصور الحديثة باهتمام متزايد لدى قطاعات …

عودة مفقود اختفى منذ عقود: «دليل الحج والسياحة»

ذكريات شامية وتنويه بالانتداب ولا تخلو رحلة الهواري إلى الشام، وهوفي طريق العودة إلى المغرب، …

“الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال”

صدر كتاب “الحركة العلمية والثقافية بتطوان من الحماية إلى الاستقلال (1912-1956)” لمؤلفه الأستاذ إدريس خليفة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: