ترنيمة الشهر الكريم

من البديهي أن شهور السنة شيء وشهر رمضان القمري العربي شيء آخر، فهو الشهر الذي يبدأ، في أعرافنا، الإعداد له من بداية شعبان أو على الأقل من نصفه(ما يسمى عندنا شعبيا بالنسخة) بالتدرب على الصيام، وزيارة الأولياء وخاصة ضريح الولي الصالح مولاي عبدالسلام بن مشيش قدس الله روحه.

قدسية هذا الشهر الروحية لا غبار عليها، فهو الشهر الذي تمتلئ فيه المساجد عن آخرها، ويصلى خلاله الفجر والتراويح، ويتلى فيه بوتيرة عالية كتاب الله وتسمع السور وينصت إلى الآيات، وهو الشهر الذي يزخر بالابتهالات و تلبى فيه الدعوات، ويسعى فيه كل المسلمين إلى التطهر من وعثاء الدنيا الفانية، والتأمل في المصير المحتوم، وترويض نزعات الذات و تقييد بهيميتها بحثا عن السكينة المشتهاة والطمأنينة المفقودة.

فرؤية هلال رمضان لذلك تشكل طقسا بديعا، فمن البديهي أن تكون فاتحة هذا الشهر الكريم مشفوعة بالنظرات المتلهفة للسماء، معطرة بالصلاة والسلام على رسول الله (ص)، مسقية بالزغاريد الأنيقة، المتموجة، المحلقة، مختومة بدقات المدافع و أصوات الأنفار، محلاة بتبادل التباريك. إنه مساء الإيذان بطلعة “سيدي رمضان” كما كانت تسميه أمي، رحمها الله، مبتهجة كما أمهات بلدي الطاهرات.

…و العشر الأواخر ما أبهاها و ما أكبر قدرها؛ ففيها تثوي ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر، إنها أحفل الليالي الرمضانية وأعظمها، وهي التي تحمل الصائم إلى مقام السمو بالذات الدنيوية، و إلى نشدان الصفاء الروحي. إنها الليلة التي تتوجه فيها الأكف إلى السماء، و تقترب فيه النفس من فطرتها مستعيدة روابطها الإنسانية بالآخر، والإنسان أخو الإنسان.

وفي المساء الأخير تعود النظرات المتلهفة للسماء، ويكون الترقب الجميل حتى يعلن ظهور الهلال عن خاتمة الشهر الكريم أو اختفاؤه عن إكمال الشهر للثلاثين، وكيفما كان الحال ففي ليلة العيد تزهو طلائع البشائر و تذوي نسائم الخيرات في البيوت والدروب والحارات. ومن شدة حب أمي، رحمها الله، كباقي الأمهات الطاهرات لرمضان و حزنها على فراقه كانت تمدد الصيام إلى ستة أيام من شوال، ناهيك عن صيام الإثنين والخميس طيلة العام…

رمضان هذه السنة كما السنة الفارطة، نصومه في ظروف استثنائية، وإن كانت هذه الظروف لا تساعد على الاجتماع وهو لب إحياء بعض الطقوس والعادات، فانه لا يحرمنا من التقرب إلى الله والصلاة وتزكية النفس والترحم على أمواتنا وطلب الشفاء لمرضانا، والدعاء بان يكون الآتي أحسن من الفائت، و التضرع إلى الله بأن يجعل آخرنا أحسن من أولنا.

ورمضان مبارك كريم، وحفظنا الله جميعا.

عبدالحي مفتاح

عن Romaisae

شاهد أيضاً

في رحاب القرآن الكريم 4‪/‬1

منذ سنوات تلقيت دعوة كريمة من سيدي محمد ابن تحايْكتْ رئيس المجلس العلي لمدينة الشاون …

سرمدية الأذان الواحد في الزمان و المكان

منذ أنْ أذِنَ رسول الله – ص – بالأذان للصلاة إلى الصحابي الجليل بلال بْنُ …

باب الله علاج ..

مسعى هذا الحديث الشذري مد جسور مع فكرة مركزية ذات مفاصل ؛ مؤداها : أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: