الأربعاء , 27 أكتوبر 2021

تشكيل الحكومة: سلاسة جمع الأغلبية وحيرة من يقوم بالمعارضة

منذ تعيين عزيز أخنوش رئيسا للحكومة طبقا لمقتضيات الدستور، تبين أن تشكيل الأغلبية سيكون سلسا انطلاقا من النتائج التي حصلت عليها الأحزاب التي احتلت المراتب التي تلت مرتبة التجمع الوطني للأحرار الفائز الأول في الانتخابات التشريعية للثامن من شتنبر 2021.

و ما يبرر هذه السلاسة هو أن إمكانيات الاختيار أمام رئيس الحكومة المعين متعددة ولا توجد أمامه عقبة كأداء لا سياسيا ولا عدديا، بحيث إن الأحزاب الممكن التحالف أو تشكيل ائتلاف معها، و على الأقل الحزبين الثاني والثالث منها، لهما استعداد نفسي و تكتيكي لقبول عرض الدخول للحكومة بعدما مارسا المعارضة في الولاية الحكومية السابقة -وما قبلها- والتي كان يقودها حزب العدالة والتنمية الخاسر الأكبر في انتخابات 8 شتنبر الجاري؛ فأي من الحزبين إذا رفض العرض قد يفوت الفرصة على نخبه وأطره و يفتح الطريق أمام أحزاب أخرى توجد في لائحة الانتظار وراء الباب و شهيتها كلها مفتوحة لتقاسم كعكة الحكومة مع الحزب الأول ولو بشروط أقل.

إلى حد الآن -ونحن في بداية الأسبوع- فقد حسم الحزبان الثاني والثالث داخليا من خلال هيأتيهما التقريريتين أمر المشاركة في الحكومة، و ستتكفل أجهزتهما القيادية بتدبير تفاصيل العملية، وهي مسألة ليست سهلة؛ فالشيطان يكمن في التفاصيل كما يقال، خاصة ما يتعلق بهيكلة الحكومة والأغلبية البرلمانية، وعدد الحقائب و أسماء المقترحين للاستوزار، وكل ما يتعلق بإرضاء النخب وامتصاص التناقضات الداخلية وترتيب المصالح في ارتباط بفعالية الحكومة والرهانات الكبرى المنتصبة أمامها داخليا وخارجيا. و يبقى السؤال العريض المفتوح على مصراعيه هو هل سيكتفي رئيس الحكومة المعين  بالأحزاب الثلاث أم سيلجأ لأسباب تكتيكية كذلك أو عاطفية لإضافة حزب رابع… و لو أن هذه الزيادة قد تعقد عملية القسمة أو توزيع الحقائب و الهيكلة القطاعية للحكومة..

وكما هو جاري به العرف في كل الديموقراطيات العريقة، فإن التداول على السلطة يقتضي فيما يقتضيه بعد انتظام الانتخابات ونزاهتها وجود معارضة قوية في مقابل حكومة قوية، بالإضافة إلى إعلام وقضاء مستقلين و مجتمع مدني قوي…، وإذا كانت السياسة لا تقبل الفراغ، فإن المسألة التي تحير كل المتتبعين للمشاورات الحكومية، هي من سيحتل موقع المعارضة بعد صعود حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال القويين من حيث كم وكيف النخب البرلمانية إلى قطار الحكومة، و رغبة الاتحاد الاشتراكي القوية في ركوب القطار أيضا بحكم العلاقات المتينة التي تربطه بالأحرار و روابط الود التي تجمع بين زعيميهما، بل يحكى أن بلوكاج الحكومة السابقة الذي انحلت عقدته برحيل ابن كيران وتعويضه بالعثماني كان وراءه  إصرار عزيز أخنوش على إدخال الاتحاد للحكومة الثانية لابن كيران التي لم يكتب لها أن تولد.

إن الرأي العام ينتظر ما سيسفر عنه ذكاء المجالس وإبداع الكواليس في أمر المعارضة المؤسساتية، خصوصا وأن كل صقور العدالة والتنمية وخطبائها المتمرسون و دهاتها السياسيون لن تستقبلهم الحلبة البرلمانية إذ تحول حزبهم الذي كان يضرب له ألف حساب من قوة إلى ضعف، ومن فريق هادر جامح إلى مجموعة صغيرة مقصوصة الجناح، وهو الحزب المنظم الذي يمكن أن يعول عليه في تسخين الأجواء وتشنيف الأسماع و الترافع بقوة لإعادة الاعتبار لمواليه والتكفير عن أخطائه.

وفي ظل المعادلة الحالية، وحتى لا يترك أمر المعارضة للشارع ووسائل التواصل الاجتماعي و للقلة القليلة من نائبات ونواب البيجيدي والفريقين الحركي و الدستوري، يبقى خيار المعارضة اليسارية المكونة من فريقي الاتحاد والتقدم والاشتراكية و نواب جبهة القوى و الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار ضروريا بل حتميا لتحقيق التوازنات وإيصال صوت الجماهير الشعبية ومطالبها إلى قبة البرلماني وإيجاد التسويات في إطار لا يخل بالسلم الاجتماعي.

والمقابلة لم تبدأ  بعد كل المؤشرات توحي بأنها ستكون ساخنة، فمناوشات معارضة الشارع و وسائل التواصل الاجتماعي انطلقت بقوة على مسائل جزئية بنفحة احتجاجية هوياتية مع ” لا لتهميش مادة التربية الإسلامية” و على ” الانتقال من مشروع الدولة الإسلامية إلى مشروع الدولة الليبرالية”، وعلى ما يعتقده البعض، بنبرة مغلفة بالسخرية، إرهاصات بسلطوية المرحلة القادمة     “اششش” وتأكيدا لزلة لسان سابقة، و إيحاء  باستمرار، لا قدر الله، تدهور الوضع الحقوقي المتمثل في محاكمات مجحفة تتعلق بحرية الصحافة و الرأي و الحق في التظاهر والاحتجاج.

إن أمام الحكومة القادمة ليس فقط برنامج ومشاريع للتنفيذ و ملفات للمعالجة والحل، بل أمامها تراكم لليأس و توسع للسخط و رسوخ لعدم الثقة تجاه النخب والمؤسسات. فهل سيستطيع الفريق الحكومي المقبل بحسه السياسي و حكمته الاجتماعية، إضافة إلى كفاءته التقنية في إنجاز الأوراش الكبرى و ما يرتبط بها من برامج ومشاريع، فتح باب الأمل وسط الشباب والفئات المحرومة والوسطى وإعادة الثقة من جديد في جدوى السياسة؟ وهل ستساعد المعارضة المؤسساتية أن تخلق من الضعف قوة وتساعد ،كواسطة مع الشارع ونبضه، من خلال مهمتها الرقابية و الاستقصائية و الترافعية الحكومة على القيام بدورها الذي ينتظره منها الناخبون ومن ثم إنقاذ البلد من عبثية الفراغ السياسي القاتل…؟.

ذلك ما نتمناه، وإن غدا لناظره قريب. وحفظ الله هذا البلد وأهل هذا البلد…

 

عبد الحي مفتاح 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

استحقاقات ومفاجآت ..

مرت استحقاقات الثامن من شتنبر الجاري في أجواء ديمقراطية عادية، وفق شهادات المراقبين الدوليين والوطنيين، …

ألا يعد انتحارا بعينه كل نفي لهذه الحقيقة ؟

ذكرت منابرإعلامية مختلفة، بحر هذا الأسبوع،  أن عبد الوهاب بلفقيه، المرشح السابق لحزب الأصالة والمعاصرة …

حكومة وماذا بعد؟

طيلة هذه الأيام، كان الرأي العام يرجح إمكانية تحالف حزب التجمع الوطني للأحرار مع حزبي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: