جبل الحبيب في «حوليات أصيلا» (1508 – 1535 م) ﻟبرناردو رودرﻳكيث

صفحات عن الأعمال الحربية للمقدم الجبلحبيبي الشهيد عبد الملك الخمليشي

ضد الاحتلال البرتغالي بأصيلا وطنجة سنوات (1519 – 1525 م) (4/4)

سنتناول في مقال اليوم – إن شاء الله عبر جريدة الشمال الغراء – تتمة التعريف ببعض الجهود الحربية والمقاومة التحريرية لأشهر مقدمي جبل الحبيب وفارس فرسانه عبد الملك الخمليشي ضد الاحتلال البرتغالي بأصيلا وطنجة عهد الدولة الوطاسية في العقد الثالث سنوات )1519 – 1525 م( من القرن السادس عشر الميلادي، وﺫلك وفق التسلسل الزمني للأحداث حسب شهادة ” برناردو رودرﻳكس “ وتسطيره في حولياته عن أصيلا.

  • مشاركة عبد الملك الخمليشي وفرسانه في الهجوم الثاني لملك مملكة فاس محمد البرتغالي على أصيلا سنة (928 هـ – 1522 م):

استاء ملك فاس كثيرا من هجومه الأول على أصيلا حيث لم يحقق كبير إنجاز حسب مذكرات الجندي” برناردو رودرﻳكس “ المسطرة  عن أصيلا، ﻟﺬا – على حد قوله – « لم يتأخر كثيرا في العودة لمهاجمتنا، وقد توغل بمحاذاة الجبال فيما بين ومراس وبني عروس ثم قصد طنجة»1 عبر أراضي بني حمايد خلف جبل الحبيب2، ووصلها في يوم سبت «خارج وقت الحرث أو الحصاد، ولم يغنم سوى ثيران قليلة تجر العربات»3، وعلى ما يبدو من سطور المؤلف أنه توجه نحو أصيلا الأمر الذي يتيح لنا الوقوف على بعض منجزات عبد الملك في هدا الهجوم، فبعدما «أصيب أحد سكان أصيلا بمرض السل الرئوي [ ربما ] (…) لدلك امتطى عشرة من معارفه خيلهم وقصدوا واد لحلو لصيد السلاحف (…) وألقوا بأنفسهم في النهر (…) وبينما هم كذلك وصل جنود ملك فاس إلى الخندقين، (…) وبما أن المكان الذي وجدوا فيه يسمح لهم بمشاهدة الشاطئ كله وباب البحر فإن المقدم عبد الملك المكلف بحراسة موقع «بونتال» شاهد العشرين فارسا يخرجون من باب البحر، وبعد أن أحصاهم راقبهم إلى أن وصلوا إلى واد لحلو حيث تواروا عن الأنظار، فاعتقد أنهم مغيرون موفدون في مهمة، فتوجه فورا والفرحة تغمره لإشعار ملك فاس بدلك، وبعثه الملك حالا رفقة مائتين من الخيالة للتحكم في كل من واد لحلو ومعبر علي مكيك4 الواقع بمحاذاته، كما بعث مائتين آخرين رفقة «العلج مارتينو» خال المولى إبراهيم ليلتحقوا عبر السهل بحائط «جورج فييرا» ليتسنى للمجموعتين تطويق رجالنا، وهكذا وصل عبد الملك مختفيا إلى «توجالينيو» ليعرف الطريق التي كانوا يسلكونها، ولما لم يجد لهم أثرا، اقترب أكثر، معتقدا أنهم يسيرون بمحاذاة واد لحلو، وسرعان ما أثار الضجيج الذي كان الرجال يحدثونه في النهر انتباهه، فجرى مرافقوه بدون نظام إلى أن اقتربوا منهم، فشوهدوا من المدينة وأعلنت حالة الاستنفار، ونفخ في البوق ليتأهب المحاربون للخروج، ولما سمع أولائك الدين كانوا في النهر يسبحون ويغسلون خيلهم طلقة المدفع ودقات الجرس شرعوا في الخروج من الماء، ففوجئوا بالمسلمين وقد اقتربوا كثيرا منهم، وتعذر عليهم أخذ ثيابهم أو تسريح خيلهم، واكتفوا بأخذ ألجمتها والفرار عليها، وقد تمكن كثير ممن كانت رماحهم مغروسة في الأرض من الدفاع عن أنفسهم»5، «وكان المولى إبراهيم ومحاربوه وأهل تطوان في الجهة الأخرى من واد لحلو، فبعد أن جانب الحاجز وصل إلى الميدان6 حيث انتشر رجاله في ذلك البسيط الممتد من المدينة حتى تل «فرناو دا سيلفا»7، ثم اجتمعوا من جديد عند القنيطرات»8، فأصابتهم بعض القذائف البرتغالية الطائشة، «ولم يستول المسلمون في هذه المرة إلا على فرس واحد، وعلى أكثر من عشرين سرجا، وألبسة وحزمات، وبعض الرماح التي لم يتمكن أصحابها من أخذها قبل فرارهم»9 ، «بينما استولى [ غنم ] المولى إبراهيم على الفرس10  الذي ضاع لنا بجانب واد لحلو»11.

وبعد تأمل عميق في الهجوم الثاني تبين لي أن المؤلف وقع له خلط – على ما يبدو – في الأحداث المنجزة لعبد الملك الخمليشي في الهجومين الملكيين، حيث «هاجم ملك فاس شخصيا أصيلا مرتين»12، كان الهجوم الثاني بعد العودة من طنجة حيث أقام «يومين في وادي شرقان»13 بالقرب من سيدي اليماني اليوم جماعة أربعاء عياشة نواحي أصيلا من جهة العرائش، قبل أن ينسحب إلى فاس، ورغم مشاركة عبد الملك في الهجوم الأصيلي الثاني إلا أن تتبعي لأحداث الهجوم – حسب نظري في الصفحات وحسب نفس الشخصيات التي غاب بعضها في الهجوم الثاني – تبين لي أن المنجزات السالفة لعبد الملك تعود للهجوم الأول في الأغلب، أو أنها وقعت ضمن هجوم آخر في سنة ما غير سنة الهجومين ﻫﺬين.

ومها يكن فإن الداهية عبد الملك الذي يقتنص كل فرصة حربية بجرأة وشجاعة لم يهدأ له بال أثناء يومي وادي أشرقان فهاجم خلالهما «من جهة [ تل ] كورفو، ووصل حتى خندق العش وهو يطارد «بيرو فرنانديش أو طورطو» قبل أن يهاجم رفيقه إشتيفاو فرنانديش بجهة «القنيطرات» ويرغمه على الاحتماء بالحباك، وكان «الكوند» والدليل آنذاك بالجهة الأخرى للحاجز، واجتمع المسلمون من جديد بجهة «كورفو»، ثم سلكوا طريق «بيريرال»، مما جعل بعضنا يهمس بأنه كان يتعين على «الكوند» مهاجمتهم والقضاء عليهم قبل أن يتوصلوا بأية مساعدة، حتى ولو كان رفاقهم في «المطلع الأصهب» أو «كورفو»، وقد أقسم «الكوند» يوﻣﺬاك عدة مرات أنه كان يعلم أن أولئك المسلمين كانوا دون حماية خلفية، وأن عددهم كان قليلا، وأنه فطن إلى أنها كانت مجرد خدعة من عبد الملك، وكان بإمكانه التغلب عليهم لو أنه أرسل ضدهم ثلاثين خيالا قبل عبورهم الوادي»14، «وأضاف أن عبد الملك جاره، ومن الممكن أن يراه كل يوم، وأنه سيعتقله قريبا، وربما بحضور الملك»15.

 وبما أن عبد الملك كان «يحاربنا بخبرة كبيرة، وبجرأة وإقدام» فقد عاد مرة أخرى لمهاجمتنا خلال اليوم نفسه من جهة «جييشتال»، وأقبل مع سبعة من مرافقيه المشاة من جهة شعبة النبع وهم يزحفون، قبل أن يختفوا في دغل نبع المطلع الأصهب في انتظار وصول أحد مراقبينا للشرب أو جمع الكلاء، ولما توجه أحدهم إلى هناك أسروه، رغم أنه كان من أجود المراقبين، ومن أكثرهم يقظة وحيطة»16 «وفرح عبد الملك كثيرا بنجاح كمينه، خصوصا وقد كلفه مجهودا كبيرا، وخاطر بنفسه في سبيله، كما فرح ملك فاس بأسره لأحد سكان أصيلا، ووهب الملك عبد الملك فرسا كان من أحسن وأخف خيل مملكة فاس»17.

  • عودة ملك فاس إلى عاصمة ملكه، واستمرار غارات عبد الملك وفرسانه على ثغري أصيلا وطنجة .

بعد انسحاب الملك إلى فاس وعودة القواد المجاورون لأصيلا «لمدنهم بعد أن أرهقهم التنقل عبر البادية خلال تلك الأيام، وأنهكت مصاريف إطعام أولئك المحاربين وخيلهم ميزانيتهم حيث «كانوا يجوبون البادية رفقته لمدة أسبوعين يعيشون خلالها على نفقة سكان الجبال المساكين18، الدين كانوا يجلبون له مرتين في اليوم الضيافة»19، إلا أن المؤلف أبى إلا أن يجعل الهجوم غير ذا أثر يذكر لم تتحقق أهدافه20 «باستثناء جرح بعض الأفراس والرجال»21، إلا ما كان من اعترافه بخصوص أعمال عبد الملك بعد الانسحاب الملكي حيث قال : «على الرغم من أننا تخلصنا من هجمات الفرق العسكرية الكبيرة فإن المغيرين لم يتركونا نستريح»22، فقد «استمر عبد الملك في حربه ضدنا، وضيق الخناق أكثر وأكثر على المراقبين في طنجة وأصيلا، ولم يكن يمر أسبوع دون أن يأسر واحدا أو اثنين منهم، فقد أصبح ينصب لهم شراكا في الطريق توثق خيلهم وتمنعها من الحركة قبل أن يباغتهم، هو ورجاله ويأسروهم، وتشبه تلك الشراك كثيرا ما يستعمل في البرتغال لصيد الخنزير البري»23، فقد «تمكن في أصيلا من قتل مراقبي مطلع حاولا الفرار، وفي طنجة جرح الدليل وأسر نبيلا»24، «مما جعل المراقبين يضاعفون من حيطتهم، ويخشونه كثيرا»25، «وبقدر ما ازداد خوف الناس من عبد الملك تضاعفت رغبة «الكوند» في نصب كمين له، والقضاء عليه، وهو ما لم يتحقق خلال ولايته»26.

 وعودا على بدء أقول : فلم تمر إلا أيام بعد انسحاب الملك حتى «تمكن عبد الملك من أسر أحد المراقبين، نصب له كمينا وطارده إلى أن أوصله إلى معبر علي مكيك»27 من ميدان أصيلا.

 كما أن عبد الملك «إثر هجمات أخرى كثيرة توفق في أسر أجود المراقبين الدين عرفتهم أصيلا، وهو المسمى «بيرو فرنانديش أو طورطو»، لكن الكوند تمكن من افتدائهما مع آخرين بعد مدة قصيرة، ولاسيما من كان منهم من نصيب المولى إبراهيم السخي الذي لم يكن يرفض ﻟ «الكوند» طلبا، ويبادر إلى تسليم الأسرى دون تأخير، سواء مقابل المال أم بمبادلتهم بأسرى مسلمين من منطقة نفوذه، وذلك على خلاف قائد القصر الكبير الذي كان يطالب بأربعة أسرى مسلمين مقابل المسيحي الواحد»28، وعليه «لم يعد أحد – حتى ولو كان من الأعيان – يرفض الذهاب إلى المطالع للعناية الكبيرة التي كان يوليها لتحرير الأسرى»29، لما يعلمه من التعامل الكريم من المولى إبراهيم مع أسرى أصيلا.

 ثم حصل أن عرفت أصيلا بعد ﻫﺬا «حالة الاستنفار مرتين في بعض الأيام، مرة بعد هجوم مغيري القصر الكبير وأخرى إثر غارة عبد الملك، الأمر الذي دعا المؤلف إلى القول : «مما أرهقنا كثيرا»30.

( تتمة …)

هوامش :

(1) حوليات أصيلا (1508 – 1535) برناردو رودريكس، (مملكة فاس من خلال شهادة برتغالي)، تعريب أحمد بوشرب، الدار البيضاء، دار الثقافة، الطبعة الأولى 2007، ص 266 .

(2) يقول المؤلف عن الهجوم الملكي الثاني : «لم نعلم في أصيلا بدلك الهجوم، ولم نشعر بمرور المحاربين لكثرة الحراسة التي أمر الملك قائد القصر الكبير بوضعها في مختلف الطرق والمسالك لمنع المخبرين من الوصول إلينا». ص 267

(3) حوليات أصيلا، ص 266

(4) معبر علي مكيك : يقع عن يمين أصيلا في اتجاه طنجة.

(5) حوليات أصيلا : 267 – 268

(6) الميدان حباك من حبك أصيلا، يقع عن يمين أصيلا بالقرب من البحر على طريق طنجة، انظر : الخريطة المرفقة في حوليات أصيلا الصفحة 79 بعنوان : محيط أصيلا : الحواجز والحبك، المعدة من قبل a.guevara  رقم 10.

(7)  firnão da silva

(8) حوليات أصيلا، ص 266

(9) حوليات أصيلا، ص  269

(10) كانت أفراس البرتغاليين تعلف قمح مالقة الذي كان الملك البرتغالي يزود به الثغور السبعة الموجودة بساحل المغرب بواسطة وكلائه في الأندلس، والمتوفر عادة في مخازن الحبوب . انظر حوليات أصيلا : 273 – 274 .

(11) حوليات أصيلا : 271

(12)  264

(13) وادي شرقان أو أشرقان : إحدى أهم المواقع التاريخية بالجماعة الترابية «عياشة»، ولها صيت بين السكان في خصوبة أراضيها الفلاحية وجودة منتوجاتها الزراعية، اتخذها المجاهدون المغاربة عهد الدولة الوطاسية قاعدة حربية لانطلاق عملياتهم التحررية ضد الوجود البرتغالي في طنجة وأصيلا، لتوفرها على مواصفات القاعدة العسكرية للقرون الوسطى بوجود الماء والكلأ. كما يفترض أن تكون الموضع التي وقعت فيه المعركتين الشهيرتين اللتين تكبد فيها البرتغاليون خسائر في الأرواح والعتاد بقيادة المجاهد العياشي  والمعروفتين  بعياشة الأولى والثانية.

(14) حوليات أصيلا :  270

(15) نفسه، ص 271

(16) نفسه، ص 271

(17) نفسه، ص 271

(18) لم يتوقف المؤلف أن يصف في حولياته سكان الجبال بالمساكين وهم قد استعمروا بلادهم، وأغاروا على بواديهم، بل نقف في حولياته على تعارض دائم بين نموذجين بشريين، المسلم الموصوف بالوحشي البربري، والمسيحي المؤمن الورع، فبنسبة له لا يرى في المسلمين – كما صرح في فصول عدة – إلا حقدة متوحشين بربرية  مفرطين في معاقرة الخمر، لدى لم يرى أدنى حرج في اعتبار الأهالي الدين التحقوا بأصيلا ليضعوا أنفسهم في خدمة أعداء دينهم ووطنهم رجالا وشجعانا، بينما خص إخوانه في الدين بكل الفضائل من خلال نماذج مقدمة في حولياته، في حين نعت النصارى الدين التحقوا بالمسلمين واعتنقوا دينهم بالجبن والحقارة، ويشنع على «الحرفيين وصناع الأسلحة والذخيرة الدين يضعون أنفسهم في خدمة الأتراك والمسلمين، ملحقين بدلك ضررا كبيرا بديننا وبمصالح مولانا الملك، لا أتحدث عن المسيحيين غير الصادقين الذين يقومون بدلك طواعية، ويبيعون أجسادهم وأرواحهم، ولكن عن كثير من الحرفيين الدين يسوقهم الحظ السيء إلى الأسر والدين يبادرون من تلقاء أنفسهم إلى الإعلان عن الحرف التي يتقنونها لكي يعاملوا معاملة حسنة، وليفضلوا على غيرهم، دون أن يحكموا ضميرهم، أو أن يتمنوا العودة من جديد الى بلادهم» 294، وحسب المؤلف أنه تعرف «على كثيرين منهم قضوا في خدمة ملك فاس أو الشريف [بمملكة مراكش] مدة تتراوح بين عشرين وثلاثين سنة أمضاها جلهم في صنع المدافع والمكاحل والقاذفات القوسية وغيرها من لوازم الحرب» 294.

(19) حوليات أصيلا : 272 – 273

(20) نفسه، ص 264 – 266

(21) نفسه، ص266

(22) نفسه، ص 271

(23) اختصار من أحمد بوشرب قد ضيع علينا فرصة معرفة أعمال عبد الملك هنا.

(24) حوليات أصيلا : 272

(25) نفسه، ص 272

(26) نفسه، ص 272

(27) نفسه، ص 271

(28) نفسه، ص 271 – 272

(29) نفسه، ص 272

(30) نفسه، ص 273

عن Romaisae

شاهد أيضاً

جبل الحبيب في (حوليات أصيلا) ﻟبرناردو رودرﻳﮝث

صفحات عن الأعمال الحربية لفارس الفرسان ابن جبل الحبيب الشهيد (( عبد الملك الخمليشي )) …

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: قضايا زراعة الكيف بالشمال.. ملف دورية “تيدغين”

عاد موضوع “الكيف”، أو القنب الهندي، ليقفز على سطح اهتمامات الرأي العام الوطني، بعد اقتحامه …

الملكة خناثة (أول عمل روائي مغربي) للسيّدة آمنة عبد الكريم اللّوه -2-

تقديم: يسرّ هيئة جريدة الشّمال، أن تعيد -من خلال هذه الحلقات- نشر هذا النّص السّردي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: