جبل الحبيب في مواجهة الاحتلال البرتغالي بالثغور الأربعة بشمال المغرب في القرنيين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. 2/1

صفحات من مقاومة المجاهد الشهيد الفارس ” علي الرواس [ .. ه – .. م / 925 ه – 1519 م ] للاحتلال البرتغالي بثغر أصيلا حسب ” حوليات أصيلا ( 1508 – 1535 م ) ﻟ  ” برناردو رودرﻳﮝس B. Rodrigues “.


أسهم جبل الحبيب إلى جانب الدولتين المرينية والوطاسية بشكل كبير في مقاومة الاحتلال البرتغالي بالثغور الأربعة[i] بشمال المغرب في القرنيين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، فقد حفظت لنا بعض المصادر التاريخية – البرتغالية خاصة – صورا بطولية لقواد هﺬا الجبل وفرسانه ومحاربيه ومدى بأسهم وشجاعتهم ومن ثم دورهم الجهادي البارز خلال الإمارات – التابعة للدولة المرينية – التي نهضت بالجبل وتعاقبت عليه وقبلها بقليل ابتداء من احتلال البرتغال لسبتة سنة 1415 م، كإمارة آل المريني التي نشأت بالجبل سنة 1426، وأنشأت معها قلعة الخروب به، وهم ليسوا من الدولة المرينية آﻧﺬاك، ولكن ينسبون إلى مرينية بالأندلس، وقد خلفت هاته الامارة إمارة بني يعيش ﺑﺬات القلعة، ومن ثم إمارة آل الروسي به، التي انتهت وانتهت معها كل الامارات المتعاقبة عليه بقيام إمارة الرواشد بشفشاون – وتبعية الجبل لها – نفس سنة احتلال البرتغاليين لأصيلة 1471م أول عام الدولة الوطاسية، والتي أنعمت بهدنة طويلة وقعت مع أبي زكرياء محمد الشيخ أول ملك وطاسي مدة عشرين سنة ( 1471 – 1491 م )، وفي أجواء الاحتلال لأصيلا والهدنة التي أعقبته برز مباشرة بعدها مطلع القرن السادس عشر دور قواد[ii] المدن المحيطة بأصيلا، كما نشطت العمليات الجهادية ضد البرتغال ﺑ “الأنجاد” – سكان الجبال التي سيطلق عليهم فيما بعد “جبالة” – وقد كان جبل الحبيب جزء من هده الجبال التابعة للامارة الراشيدية بقيادة علي بن راشد الدي يخضع للمملكة فاس بدوره[iii]، ومن ثم ابنه المولى ابراهيم لاحقا، بل كان جبل الحبيب واحدا من الجبال الهبطية الغمارية الثمانية الشهيرة أنداك حسب ” الحسن الوزان ” في ” وصف إفريقيا “[iv]، بل  أهم من يمثل إمارة الرواشد في مواجهة الاحتلال البرتغالي بأصيلا وميدانها، ويعول عليه كثيرا في ﺫلك، و نظرا لكون القائد علي بن راشد « الذي يحرس هده الناحية يقيم على بعد ثلاثين ميلا من هناك، بحيث لا يستطيع أن ينجذهم في الوقت المناسب كلما قام البرتغاليون بإغارة وعاثوا في الأرض فسادا »[v]، ولصد العدوان ومواجهة الاغارات ومقاومة الاحتلال تعاقب على الجبل – بقيادة الرواشد – قواد كبار ﺫوي خبرة حربية وفرسان شجعان أرعبوا الثغور الأربعة ومحاربين ﺫي بأس وشدة يضرب لهم ألف حساب، وهو ما سطره الجندي البرتغالي ” برناردو رودرﻳﮝس ” في حولياته فقال « كان شائعا بيننا وبين المسلمين على السواء من أن سكان جبل حبيب فرسان ومحاربون »[vi]، والحق أنه ينبغي أن نقف عندهم وأن تسجل وقائعهم واحدة واحدة ما أمكن، وقصدي من ذلك تسطير فضل هؤلاء علينا، تجسيدا لثقافة الاعتراف للتضحية التي بذلوها من أجل الدين والوطن، وأن لا تضيع مساهماتهم دون أن تذكر، ونذكر بها الأجيال الحاضرة واللاحقة، وأن هوية الوطن ووحدته لم تكن بالأمس سهلة المنال، ومن ثم من أجل تنوير مسؤولي الشأن المحلي بجبل الحبيب وإثارة انتباههم لهاته الشخصيات التي لها فضل على الجبل، وحيث وجب تخليد أسمائها بإطلاقها على شوارعه وأزقته، عرفانا لهم على ما أسدوه له عوض تسميتها بالأشجار والورود والأزهار… فتخليد أسمائهم يربطنا حتما بماضينا التليد .

وسنقف في هدا المقال عند واحد من فرسان جبل الحبيب، فارس فرسانه وأشهر قواده ” علي الرواس “، حيث امتدت مقاومته للاحتلال البرتغالي إحدى عشرة سنة [ 1508 – 1519 م ] في الثغور الأربعة، وسيكون لنا معه في هدا المقال وبعده وقفات حول مدينة أصيلة أولا، ومن ثم طنجة وباقي الثغور إن شاء الله.

  • مولد ونسب المقاوم الشهيد ” علي الرواس ” Alle Arroas :

لم أقف على تاريخ ولا مكان ولادة المقاوم والشهيد ” علي الرواس “[vii]، الا أن صاحب ” حوليات أصيلا ” يؤكد أنه ينحدر من جبل الحبيب كما سنرى، وأما عن نسب أسرة الرواس فكما يقول بلال الداهية أنها « من الأسرة العمرانية التي تفرعت من مدشر بني عمران بالحوز الصديني، وقد خرجت من المدشر المذكور وأسست مدشرا خاصا بهذا الحوز الصديني سمي ﺑ “ارواوس” »[viii]، وتعود أصولها إلى المشرق بالأساس، وأسرة الرواس هي غير أسرة الرودياس، إﺫ أن الاخيرة « تطوانية رباطية تحمل اسما أندلسيا هو” Rodiles  ” انقرضت بتطوان عام 1771م ) ع ج ( ولا تزال موجودة بالرباط على قلة »[ix]، والحق أن من الصعوبة بمكان الجزم إن كان علي الرواس من آل الرواس تلك أو من بقايا فرسان آل الروسي أصحاب آخر إمارة منتهية بقيام إمارة الرواشد سنة 1471م كما سلف، ولندع أمر نسب هاته الشخصية الفريدة إلى مزيد من التثبت والتيقن والكشف التاريخي للمخطوطات البرتغالية والكتب البرتغالية التي لم تصلنا بعد، والتي لم ﺗﺬكرها فيما عرف من الكتب البرتغالية حسب بحثي غير ” حوليات أصيلا “.

  • ملامح عن الفارس المقدام ” علي الرواس ” رحمه الله :

عين مؤلف ” حوليات أصيلا ” على نفسه أن يتحدث عن ملامح رجل « أبيض البشرة، أميل الى السمنة، معتدل القامة، وكان يتكلم اللغة الأعجمية »[x] أي اللغتين القشتالية (الاسبانية ) والبرتغالية، رجل تولى قيادة فرسان جبل الحبيب بعد القائد عزوز الوطاسي التابع للمولى إبراهيم بن علي بن راشد أحد قواد الملك الوطاسي محمد البرتغالي، ورغم أن جبل الحبيب شهد في وقته فرسانا وقوادا بارزين « غير أن أشهرهم على الإطلاق في تلك الفترة ورئيسهم كان هو علي الرواس، بحكم تجربته وكثرة خدعه »[xi] وكونه « أكثرهم جرأة ودراية بشؤون الحرب، وتسبب في إعلان حالات استنفار عديدة في كل من طنجة وأصيلا، وأسر أو قتل مراقبين وحراسا كثيرين، خيالة ومشاة، بحيث جعلته جرأته وكمائنه مهاب الجانب »[xii]، ﺫلك « الفارس المقدام والشجاع المنحدر من جبل حبيب »[xiii]، « القائد المتميز » « الداهية »[xiv] « الجريء »[xv]، اﻟﺬي « اشتهر كثيرا وداع صيته بيننا »[xvi]، وقد قال عن نفسه « أن الناس يعرفونه بأعماله، ويمكن التعرف عليه جيدا من خلال فرسه الأشقر، ووجوده في مقدمة مرافقيه »[xvii]، قد أتعب و « ضيق الخناق بخدعه وحيله وجرأته الكبيرة على سكان طنجة وأصيلا »[xviii] « فقد أغاروا علينا بجرأة عدة مرات، ونصبوا لرجالنا كمائن مختلفة وعديدة، ووضعوا لهم شركا في طريقهم، وأسروا الكثيرين منهم، واعتمد ” الرواس ” المذكور على حيل وخدع كثيرة، كأن يتسرب الى الحواجز ليختلط بالمراقبين، سواء في أصيلا أم طنجة، ولم يكن يكتفي بأسر المراقبين في مواقعهم بعد أن يخرج بغتة من مخبئه، بل كان كدلك يستولي على رجال وأطفال دون ان ينتبه اليه المراقبون »[xix]، بل كان « ينصب لنا كمائن ويختفي في أماكن خطيرة تهدد سلامته ليتسنى له إلحاق خسائر جسيمة بنا »[xx]، ﻓ « لم يكن يمر أسبوع دون أن يأسر في أصيلا أو طنجة رجالا راكبين أو مشاة، فقد كان لا يتوقف عن مهاجمة المراقبين والصيادين، وكان يجرؤ خلال الليل على الاقتراب من الأبواب ليأسر المتأخرين في العودة، وبدلك فرض على كلا المدينتين تحمل حروب كثيرة أقلقت راحتهم، ونغصت عليهم حياتهم »[xxi] لدرجة « أنه أصبح بيننا أشخاص يدعون أنه كان يدخل المدينة ليلا، وكان يسقي فرسه من ساقيتها قبل أن يغادرها، وهو مالم أصدقه شخصيا، وإن كنت سمعت حارس الباب يقول بأنه في إحدى الليالي وبينما كان يغلق باب البحر سمع رجلا ناداه باسمه : ” روي كرفاليو ” انتظر !  ولما سأله عن هويته أجابه : ” أنا أفونصو كونصاليش ” وهدا صاحبي، فأجابه البواب : أنت ﺗﻜﺬب (…) فقد دخلا قبلك »[xxii]، وفي هدا دلالة على أن علي الرواس كان يعرف أصيلا وميدانها وفرسانها وأسمائهم معرفة جيدة، وعليه « لم يعد أحد يخاطر بالابتعاد عن رفاقه، وأصبحنا جميعا نبالغ في اتخاذ الاحتياطات كلما خرجنا إلى البادية »[xxiii]، ولدرجة « أن الناس في أصيلا وطنجة أضحوا يتوسلون الى الله أن يحميهم من ” علي الرواس ” وأن يبعدهم عن طريقهم »[xxiv].

[i] – سبتة، القصر الصغير، أصيلة، طنجة

[ii]  – القواد الأربعة : قائد القصر الكبير ” طلحة العروسي ” ومن ثم ابنه، وقائد أزجن ” الأمين “، وقائد تطوان ” علي المنظري “، وقائد شفشاون، علي بن راشد ومن ثم ابنه المولى ابراهيم.

[iii]  – كانت مملكة فاس ” الوطاسية ” تحتوي على الأقاليم السبعة التالية : « تامسنا، وفاس، وأزغار، والهبط، وكرط، والحوز » بينما كانت مملكة مراكش ” السعدية ” بنفس عدد الأقاليم معها، وهي : « حاحا، وسوس، ومراكش، وجزولة، ودكالة، وهسكورة، وتادلا ». وصف إفريقيا، الحسن الوزان الفاسي، ترجمة : محمد حجي، محمد الاخضر، دار الغرب الاسلامي – تونس،  مقدمة الطبعة الأولى، 1 / 16

[iv]  – نفسه،  2/ 320

[v]  –  نفسه، 2/ 321

[vi]  – حوليات أصيلا ( 1508 – 1535 م ) ( مملكة فاس من خلال شهادة برتغالي )، برناردو رودريﮝس B. Rodrigues، تعريب الدكتور : أحمد بوشرب / دار  الثقافة، الطبعة الأولى 2007 م، ص :  244

[vii]  – قد ترجم له ” أحمد بوشرب ” في حوليات أصيلا باسم ” الرواش ” بحرف الشين، وهدا غير صحيح، فلم أقف على اسم عائلي كهدا، ولا عرفت أسرة ” الرواس ” مشرقا ومغربا بهدا النطق.

[viii]  – تطوان وباديتها “نبذة تاريخية عن حوز تطوان وبني حزمار “، بلال الداهية، منشورات باب الحكمة 2020، ص :

[ix]  – تطوان عاصمة الشمال ومنبع إشعاعه، عبد العزيز بن عبد الله،  منشورات تطاون أسمير، الطبعة الاولى 2006 م، ص :  14

[x]  – حوليات أصيلا، ص : 248

[xi]  – نفسه، ص : 222

[xii]  – نفسه، ص : 201

[xiii]  – نفسه، ص :  119

[xiv]  – نفسه، ص :  195

[xv]  – نفسه، ص : 127

[xvi]  – نفسه، ص :  248

[xvii]  – نفسه، ص : 248

[xviii]  – نفسه، ص :   148

[xix]  – نفسه، ص : 127

[xx]  – نفسه، ص : 119، ومثل عبارات الوصف هﺫا سيكررها المؤلف في حق الشهيد علي الرواس كثيرا، ولم اقف على شخصيات جهادية ضمها كتابه أكثر وصفا من فرسان جبل الحبيب، ومن دلك الفارس القائد ” علي الرواس “، ولا أشد عنده بعبارات الكره كالملك الوطاسي ” محمد البرتغالي “.

[xxi]  – نفسه، ص : 222

[xxii]  – نفسه، ص :  247

[xxiii]  – نفسه، ص : 201

[xxiv]  – نفسه، ص : 145

 

(يتبع)

محمد أخديم 

عن Romaisae

شاهد أيضاً

كتابات في تاريخ منطقة الشمال: مجلة “الحديقة”

شهدت مدينة تطوان خلال عقود الاستعمار الإسباني للقرن 20 نهضة ثقافية وفكرية مثيرة، جعلتها تتحول …

التجليات الأندلسية في المتن الشعري النسائي “هل أتاك حديث أندلس” لسعاد الناصر أنموذجا 2/1

تتميز التجربة الشعرية المغربية بخصوصيات تجعلها متفردة من حيث المضامين والأغراض، وتحفل ساحة الشعر العربي …

مؤتمر طنجة المغاربي

بالعودة إلى نص الكلمة القيمة والموجهة التي ألقاها الأستاذ محمد اليازغي – حفظه الله – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: