حسن نجمي صانع الصورة البصرية

حسن نجمي شاعر مغربي صاحب تجربة شعرية لها حضور خاص في الحياة الثقافية العربية خلال العقدين الأخيرين، ويعد اليوم أحد الأصوات القليلة التي برهنت عن منجز شعري متميز ومختلف، بناه الكاتب بدأب مدروس، وتأن يعبر عن مهارة وصنعة، وصبر ومتابعة وانفتاح على أساليب الكتابة العربية والأجنبية. وحين نتحدث اليوم عن تجارب جيل الثمانينات في المغرب، فإن نجمي يقف بجدارة بين شعراء المغرب الذين خرجوا من المحلي إلى العربي بامتياز، وشكلوا إضافة، مثل محمد بنيس، ومحمد الأشعري، ومحمد بن طلحة.

الشعر بالنسبة إلى نجمي مهنة حياة مثل بقية المهن، وهو هنا يرجع إلى شاعرين أساسيين في الشعرية العربية كمثال، محمود درويش وأدونيس. درويش يمارس الكتابة كعمل يومي. يبدأ نهاره بإعداد القهوة وحلاقة الذقن والاستحمام وارتداء ملابس الخروج من البيت، ولكنه يجلس إلى مكتبه في غرفة خاصة بالكتابة والقراءة داخل البيت لا يدخلها إلا من أجل هاتين الوظيفتين، ولا يستقبل أحدا فيها. وكذلك الأمر بالنسبة لأدونيس الذي اقام مكتبه داخل نفس البناية التي يسكنها في حي «لا ديفونس» في باريس، وضمن هذا المكان يكتب ويقرأ ويرسم ويستقبل بعض المهتمين. وبالنسبة لنجمي، فإن «الشاعر الحقيقي لا يغادر محترفه، وإنما يذهب كل يوم إلى عمله الشعري، إلى ما يشبه الوظيفة».

قلة هم الشعراء الذين ينظرون ويمارسون الكتابة على النحو الذي يقوم به نجمي. وقبل كل شيء هو شاعر يعي ما يكتب، ويخطط له ويدرس القصيدة دراسة واعية حتى تخرج في صيغتها النهائية، وهو الأمر الذي يبدو مستغربا إلى حد ما لأن قصيدة نجمي لا تخلو من العفوية والدهشة، وأبعد ما تكون عن معادلة رياضية أو لعبة آلية.

وتبدو قصيدة نجمي محيرة أحياناً لجهة الوزن، هي تشبه قصيدة سركون بولص في مكان ما. وفي حالة سركون كان القارئ يضيع بين الموزون والنثري. وبالنسبة لنجمي فقد كتب التفعيلة والنثر، ولكنه منحاز إلى قصيدة النثر، وله مواقف جديرة بالاهتمام حين يفرق بين النثر والتفعلية (العروض) التي يعتبرها عكاز الشاعر الذي يتكئ عليه، في حين أن قصيدة شاعر النثر «تعبير شعري جمالي، مختلف تماماً، عن حالة عميقة من مواجهتنا الكاملة مع عصرنا» على حد تعبير نجمي الذي يوضح أكثر بقوله «أكتب قصيدة نثر أَتطلع إِلى أن أحقق فيها قدراً من الصفاء والهدوء والنبرة الخافتة، وإِنِ استطعت أن أصل إلى درجة من التكثيف والتركيب».

وعلى العموم لا تشبه قصيدة نجمي نظيراتها في المغرب أو المشرق. وهذا أمر عادي من طرف شاعر لديه مشروعه الخاص الذي يشتغل عليه بدأب شديد، ولكن هناك مؤثرات كثيرة جعلت هناك أنماطا وأشكالا مختلفة من الكتابة العربية، ومن بينها المكان الذي يتأثر ويؤثر بثقافات أخرى. فعربية أهل مصر لا تشبه عربية أهل العراق ولبنان وسوريا، والأمر ذاته بالنسبة إلى المغرب إلى حد كبير. وهناك شاعر مغربي آخر هو محمد بنيس يشترك مع نجمي في سفر اللغة، ويقترب كثيرا من لغة أهل سوريا ولبنان. وتقع لغة نجمي في منزلة وسطى بين لغتي المغاربة والمشارقة. اللغة لديه مشغولة بعناية كبيرة حتى أن بعض قصائده توحي أنها صنعة لغوية، أو أنها مشغولة عن طريق اللعب باللغة من خلال رصفها بطريقة صوتية، ولكن عملية الرصف متقنة على نحو تشكيلي يخلق صلة خاصة بين الكلمات. ويبدو لمن يحاول سبر بنية القصيدة ودراستها بنيوياً أن الشاعر ذهب من الكلمة إلى الفكرة، ومن الفكرة إلى النص والدهشة في نهاية المطاف، وهذا يحيل إلى تقنيات معروفة في الكتابة الشعرية الأوروبية، وخصوصا الشعر الفرنسي الذي يظهر كأحد مرجعيات الشاعر الذي قام بقراءات خاصة للشعراء الذين يشكلون علامات في الشعر العالمي من أمثال يوجين غيلفك، فرنسيس بونغ، مالارميه، جوزيبي انغاريتي، ويانيس ريتسوس. وهؤلاء يشتركون في ما يسميه نجمي «أن كل فعل لغوي في القصيدة لا بد أن يصدر عن نسب معرفي معين وعن خلفية فكرية»، ويقول في أحد حواراته «أكتب قصائدي بالكلمات الصديقة التي أحس بها وأحبها وأَثق في ذاكرتها وفي مجهولها».

خلاصة القول إن حِرَفية نجمي تحتم عليه أن يقوم بتصفية وتنظيف خاص للغة من الشوائب التي أصابتها من كثرة الاستعمالات وتراكم المعنى . ومع نجمي نحس أن الشاعر يقيم علاقة حب حميمة جدا مع اللغة تحتمل كل أشكال التواطؤ، وتذهب نحو غنائية تفصح عنها الصلة الوثيقة بين نجمي والغناء والموسيقى، وليس مصادفة أنه درس فن العيطة المغربية، وهو غناء شفوي تقليدي، وأنجز عنه أطروحة دكتوراة أصدرها في كتاب من جزأين ( دار توبقال، 2007)، من منظور منهجي حديث ومقاربة أنثروبولوجية.

ويمتاز نجمي بأنه يمتلك وعيا نقديا تجاه الكتابة، وسبق له أن أصدر كتابا تحت عنوان «الشاعر والتجربة» في العام (1979). ورغم أن الكتاب بات بعيدا نسبيا في التاريخ، تطورت منذ ذلك الحين معارف الشاعر ونضجت آراؤه أكثر، فقد كان عبارة عن تمارين في الكتابة المفتوحة التي تريد أن تحدد معايير للكتابة من وجهة نظره كشاعر. ويبدو أن تلك المعايير بقيت ترافق الشاعر ليس بحَرْفية أو أحكام قاطعة، وإنما كمفاهيم ومحددات ظهرت في نصوصه خلال العقدين الأخيرين كاختيار واع من خلال الاحتفاء باليومي، وبالتفاصيل الصغيرة العابرة، التي لا تدركها إلا عين شاعر الفاحصة.

ويبدو نجمي بارعا في هذا المنحى بامتياز، فمن قرأ مجموعاته الشعرية (حياة صغيرة، المستحمّات، على انفراد، أذًى كالحب)،لا يحتاج إلى طول تأمل كي يصل إلى أن شعرية القصيدة فيها تقوم أساسا على تصيد اليومي والعابر، عن طريق التركيز على ما تلتقطه العين في المقام الأول، فقد كتب عن الغرفة المقهى والقطار مثلما عن النهر والجسد وقلق الموت وتداعيات الغياب، وعن الأنا ومضاعفها . كما رسم بالشعر بورتريهات لنفسه ولأصدقائه. بل إن اليومي قد انعكس في تلك المجموعات على مستوى اللغة الشعرية التي استفادت أحيانا من المعجم والصياغة العاميين «دأبتُ دائماً على عد العين حاسة المعرفة الشعرية والجمالية بامتياز. قلتُ ذلك مراراً، وكتبته مراراً، ولي اقتناع جوهري بأهمية الاشتغال على العناصر البصرية والتقلل من اللغة ما أمكن».

وفي الكتاب ذاته، «الشاعر والتجربة»، نعثر على أكثر من صيغة لتعريف الشعر، لكن العنصر المشترك بين تلك الصيغ جميعها يكمن في التركيز على اليومي والبسيط والعابر والظليل والصامت. الشعر لدى نجمي هو «تمثل العابر والعرضي والجزئي. ومن ثم تظل الدهشة هي سمته الأساسية. وهذا معناه أننا نسعى لأن نجعل من الدهشة صيغة للعبور نحو الآخر». ويتوقف نجمي في الكتاب وفي حواراته في السنوات الأخيرة عند نماذج معينة في الكتابة: القصيدة عند الإيطالي جوسيبّي أنغاريتي «كان يطويها غبار التجربة والحدث المعيشي فعليا». وعند الفرنسي يوجين غيلفيك تنهض من خلال «التقاط الأشياء العادية، البسيطة واليومية». ويتأمل الشعر لدى الأميركي والاس ستيفنز «وضعا جوهريا من خلال المشهد اليومي». وأما التشيلي بابلو نيرودا فهو لديه أيضا «شاعر الأشياء اليومية البسيطة». ألم يكرس صاحب «النشيد العمومي» حياته لهوايته الطريفة، جمع مختلف أنواع وأشكال القواقع من مختلف المحيطات والبحار والشطآن النائية في مختلف القارات.

لقد كان يمكن للصحافة أن تجر نجمي نحو لغة أخرى، وقصيدة مختلفة، ولكن يبدو أنه أدرك هذا الاغواء اللعين السهل الذي تقدمه الكتابة الصحافية للشاعر، فتسرق منه الوقت وتسطو على قاموسه وتستنزفه رويدا رويدا حتى تأخذه بعيدا عن الشعر. وفي مرحلة التسعينيات من القرن الماضي، وخلال الفترة التي كان مشروع نجمي الشعري قد بدأ يأخذ شخصيته الخاصة ، كان يكتب عمودًا يوميًّا في صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» التي تصدر عن حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي المعارض حينذاك. وكان واضحا مدى انهماك الشاعر في العمل الصحفي والممارسة السياسية، في الوقت الذي نشط فيه نجمي في اتحاد كتاب المغرب الذي ترأسه لولايتين (1998-2005)، وفي تأسيس بيت الشعر في المغرب وترؤسه أيضا، خصوصا عندما كان اتحاد الكتاب يتمتع بحضور هام في المشهد الثقافي المحلي والعربي. وكانت الساحة الثقافية بدأت تنفتح على الشعر الجديد وجغرافياته الكونية. ورغم هذه الأحمال الإضافية نجا نجمي من التورط في مصيدة الصحافة والعمل الحزبي، واستطاع أن يمنح الشعر وقتًا أكثر من ذلك الذي كرسه لبقية الانشغالات، وبهذا ذهب بعيدا في الشعرية.

وقد حظيت كتابته الشعرية باهتمامات ومتابعات نقدية وافرة وأساسية، إذ قارب أعماله الشعرية عدد من نقاد الشعر ومن الشعراء على السواء. وممن كتبوا عنه ، أستسمح أن أذكر على سبيل المثال لا الحصر: د. محمد مفتاح، د. محمد السرغيني، د. خالد بلقاسم، د. بنعيسى بوحمالة، د. حسن مخافي، د. نبيل منصر، د. يحيى بن الوليد، د. عبد القادر غزالي، د. عبد الدين حمروش، عبد العزيز بومسهولي، د، صلاح بوسريف، د. العربي الحمداوي، محمد الأشعري، د.عبد اللطيف الوراري، البشير قمري، د. بوجمعة العوفي، عبد الغني فوزي…، ومن الساحة العربية صبحي حديدي، شوقي بزيع، عبده وازن، أحمد الشهاوي، زهير أبو شايب، حسونة المصباحي، جهاد هديب… وآخرون.

والآن، بحوالي ثلاثين كتابا، معظمها من الشعر وماحوله، وبعض الأعمال السردية، وكتب في النقد والحوارات والكتابة المفتوحة، فضلا عن اشعاره المترجمة إلى أكثر من عشر لغات إنسانية، يبقى سؤال النقد الذي وجهته إلى نجمي، وأجاب: «عندما أكتب قصيدة جديدة، أكتبها لنفسي أولًا وأساسًا، لكنني أدرك أَنها ينبغي أن تصل تدريجيًا إِلى قارئها. كأنها رسالة في قنينة يُلْقى بها في عرض البحر ليلتقطها شخص مجهول بعيد أو صياد ماهر. ومن ثم، فإِن القصيدة المقبلة من فكْرٍ مَّا تصل إِلى فكرٍ آخَر، إِلى قارئها الذي يتلذَّذ بقراءة الشعْر أو إِلى قارئ كبير، يقرأ ويتلذذ ويكـتُبُ ردَّ فِعْلِهِ النَّقدي أو الجمالي أو الفكري.

هكذا تتجول القصيدة، تتسكع وتتأكد من خلال ردود فعل الكتابة النقدية والنظرية، والفلسفية ربما، فتكتسب روحًا جديدةً وتغتني بالقراءات والترجمات. فإِذا كانت قصيدة جيدة، لن تتوقف عن التفاعل والسَّفَر عَبْرَ الزمان والمكان.

الشاعر يُولَد باستمرار مَعَ كُلِّ قصيدةٍ جديدةٍ، وفي كُلِّ كتابٍ شعري جديد، وما إِنْ يتلاشى في قصيدة حتى يجدِّد ولادته في قصيدة أخرى. وهكذا، يمارس حالةً من الإِدْمَان الجميل أو «الروتين الشعري» الذي لا يبعث على الملل والضجر والخيبة.

شخصيًّا، أكْتُبُ الشِّعْرَ لأَتَغَلَّبَ على إِحساسي بالفُقْدَان أو بالفراغ أو بالخواء. ورغم إِدراكي أنني لستُ وحدي في القصيدة التي أكتبها، فدائمًا هناك آخرون معي فيها، فإنني ما إِن أُنْهي قصيدة جديدة حتى أقرؤها على صديق أو أرسلها إليه ليقرأها، ولأسمع ما يقوله من رَدِّ فعلٍ طازَج. أما حين تُنْشَر وحدها أو في كتاب وأقرأ ردود فعل النقاد والمختصين، أدرك عندئذ كم أَنا محظوظ لأن هناك نقادًا، ولأنهم يُولُون كتابتي بعضًا من كرم أرواحهم وأنفاسهم. وبالتأكيد فإنني أتَعلَّم باستمرار من هذه القراءات النقدية المتضامنة مع كتابتي.

العمل النقدي ضيافة حقيقية، شَرطٌ من شروط الممارسة الأَدبية والجمالية والفكرية. ولقد كنتُ محظوظًا أنَّ هناك نُقَّادًا استضافُوني بكرم أرواحهم، ورَأَفوا بقصيدتي بل ومَنَحُوها أجنحة أخرى للتحليق.

الشّعْر كائِن هشٌّ وابنٌ للهواء الطلق وللمَجَرَّات والكواكب، يخرج من الرُّوح كنَفَس ساخن فَيَنْتَشِر في خرائِطِ المادة. الشّعْر طائر مُلَوَّن يُحِبُّ أَن تُربِّتَ على زَغَبِهِ لمسَةٌ كريمة دافئة. الشعْر كائن يتيم يحتاج إِلى مَنْ يحدب عليه ولا يَنْهَرُهُ. ومن ثَمَّ لا تليق بالشّعر سِوَى القراءات العاشقة».

 

بشير البكر.

عن Romaisae

شاهد أيضاً

نهرٌ شخصي..تقديم الشاعر زهير أبو شايب لديوان” فكرة النهر”.

النهر ليس مجرد علامة مكانية. إنه استعارة زمانية ملبدة بالميثولوجيا ووثيقة الصلة بالمقدّس، فالأنهار كلّها …

“فرجات الشارع والأمكنة الأخرى” محور نقاش الندوة الدولية “طنجة للفنون المشهدية” في دورتها 16.

يُنهي المركز الدولي لدراسات الفرجة، أن فعاليات الدورة السادسة عشر من مهرجان طنجة الدولي للفنون …

جمعية ريشة إفريقيا بطنجة: معرض افتراضي

خلال العام الجاري يجتاح العالم وباء فايروس كورونا المستجد (كوفيد 19) الذي أجبره أخذ تدابير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: