يطلّ أحمد بنميمون على عالم القصة من معجم شعري ثري، فيقدّم في مجموعته “حكايات ريف الأندلس” حكاياتٍ مطعّمة الشعر، حكايات تثور ضد الظلم وتنتصر للقيم الإنسانية السامية؛ أو أخرى تحارب المستعمر وتبث الروح الوطنية، أو ثالثة تحتفي بالموت كوجه آخر للحياة؛ حيث يستشعر القارئ غريزة البقاء مبثوثة بين ثنايا المجموعة.
أ ـ في مواجهة الواقع:
لقد متح أحمد بنميمون من الذاكرة، لكن الحاضر لم يغب عن رؤيته، وقد بدا واضحا في مواقفه من هذا الواقع يسستجلي فيه كلّ جميل، ويضع اليد على مكامن الخلل، فهو يقول في قصة “أجنحة وجدران: “تضايقني نظرات هؤلاء الذين يحتلون ناصية الطريق كمتسكعين حقيقيين، أينما مررت بهم، وفي أي مدينة كنت، فكيف وأنا الآن أقف أمام مكان لا أرى فيه إلا أثاث المقهى وإكسسواراته، لكن كل ذلك ليس في المكان المناسب[1]“.
فإذا قرأت له قصة “غواية المطرود”، وجدته يواجه كلّ شكل من أشكال التمييز بين الناس، وينبذ الافتقار إلى روح التضامن، والشعور بالحاجة إلى الآخر، أو الشعور بحاجة الآخر، فهو يقول: “داخل مدينة؛ هي على صغرها، لم يكن في عادات بنيها ما يجعلهم يهتمون بمن كان بينهم بائسا كأمثاله من أطفال أحياء ضائعين…[2]“. هذا الإحساس الذي يترك في قلب الصغير بعضاً من الضعف والهوان على الناس، يجعله أمام طريق واحد هو الهرب، “وكثيراً ما فشلت في القيام بهذا الدور، فلم تنجدك إلا قدماك حين تلوذ بالفرار، وقد لُقِّنتَ في البيت أن الهروب رجولة، واقتنعت ولم تستغرب، بكل قول كان ينشئك على الخوف، مادمت لا تملك من يحميك من أي عدوان[3]“. ذلك أن رد الفعل هذا يلمس لدى الصغير صحة ما أنشئ عليه من أخلاق الاستكانة والبحث عن فرصة للهرب من مواجهة الواقع.
ب ـ الوعي الوطني الثائر:
للفترة الزمنية التي دارت بها أحداث بعض القصص إرهاصاتها، وإسقاطاتها على الأحداث التي مرت على الشخصيات التي عاشت في ذلك الزمن القصصي، وربما كان الاستعمار واحداً من هذه الاسقاطات التي لم يستطيع أحمد بنميمون، وهو يحفر بالذاكرة، إلا أن يستل منها ذاك الإحساس الوطني الذي يزداد اتقادا كلما كان الوطن تحت نير المستعمر؛ ذلك أن الشاب الذي كانه لم يقف مكتوف الأيدي بل شكل مع بعض أصدقائه خلية لنشر الوعي، وتحفيز الناس على الثورة ضدّ المستعمر. نقرأ في قصة “بقايا ظلال” “حملنا معنا منشورات، كتبت عليها بخط رائع لاءات كبيرة لتعليقها على جدران مدينتنا، بعد أن أخلد الجميع، كما كنا نتصور، إلى النوم، فبعد غد يكون موعد الاستفتاء على أخطر وثيقة تحكم البلاد بمقتضاها[4]“. محاولات بسيطة، ولكنها كانت تُشعر السارد بقيمة الانتصار للوطن، الذي هو الملجأ والملاذ وللأرض التي تمثل الجدور. في المقابل؛ كان المستعمر منبوذاً من خلال أفعاله وما حمله من عادات، كانت تنغص حياة الناس، وتروعهم وتحملهم على اتخاذ موقف معادٍ منه، وفي هذا نجد الكاتب يشبه المستعمر بصورة دنيئة تحمل استصغارا وانتقاصا، ولكنها لا تشكّل قوة كبيرة، بل هي مجرد وهم، يمكن الانتصار عليه بالتضحية:” يقول: “كان اجتماع الذباب بتلك الكثافة الخانقى آخر صور الاحتلال التي بقيت ماثلة في عيني وقتا طويلاً، إذ سرعان ما انتبهت على هتافات الاستقلال .[5] ” وجاء الاستقلال، وتمّ تحرير البلاد ولم تنته الحكايات، بل ما زلنا نغرف من معين تلك الحقبة ما يشعرنا بالفخر والشموخ.
ج ـ إيقاع الذاكرة.. إيقاع الموت:
في حكايات ريف الأندلس سادت، بالإضافة إلى تصوير الواقع والروح الوطنية، إيقاعات متعددة تحيل على الحس الإنساني المرهف، ومن أشهر تلك الإيقاعات نوستالجيا الحكاية التي تتربص به كمرض خطير يُتعب القلب، والموت الذي تشيع رائحته في نصوص متعددة.
فالسارد يقدّم لقارئه حكايات بطعم الحنين تطلّ من شرفة الماضي على ربوة الحكي، ويمكن أن نقرأ للسارد قوله: “وقد جررتني إلى أن أطلّ على بئر فيها من صور أيام صباي الأولى.[6]” لذلك فإن المجموعة التي جعلت من الماضي أرضية خصبة تمتح من ذاكرته يمكن عدّها تأريخا إنسانياً لا نقرأ له مثيل في كتب التاريخ.
وعليه فإنّ ما يقابل حضور الذاكرة في المجموعة هو ذلك التاريخ العتيق والأحداث التي كانت طي الغياب، فيبعث السارد في رمادها ذكرى أيام عايشها، وعايش من خلالها مراحل من حياة ماضية. ونقرأ ها هنا قوله، وهو يستحث محدثه على مواصلة سرد الوقائع: “احك لي تاريخ كل ما نراه الآن، مما قد بقي في ذاكرتك عما يشهد أنك قد درجتَ في هذه الأمكنة طفلا صغيراً.[7]”
تلك النوستالجيا جعلت السارد يتساءل: “أين هم الآن، أصدقاء ذلك الزمان البعيد، وحتى فقهاؤه، لقد تفرقت مجالسنا، وتغير من نعرفهم، وسار كل منا في طريق[8]“. فلم يبق من الماضي غير الحنين إلى ذلك الزمن البعيد، والذاكرة التي تكتنز أحداثا تحاول أن تفرغها في قالب قصصي. إضافة إلى جرعة واقعية لا تستثني الشخوص الذين بدوا أكثر واقعية من خلال أسمائهم ، وعناوين الأحياء التي عاشوا فيها، ولنا في عنوان المجموعة أكبر مثال على واقعية القصص التي تنطلق من حارة “ريف الأندلس” شرارة لا تنتهي إلا حكايات تُجَسد بصور متعددة من جنس القصة القصيرة.
أما ثيمة الموت التي تبدو موضوعاً أثيراً لدى السارد، وربما المؤلف، فإنّه يبدو قريباً جداً، يشعر القارئ بطغيانه، لأنه يملأ فضاء الحكايات، ففي قصة “متى تطلع الشمس؟” يقفز الموت من إهدائها الذي يقول: ” الى الصديق الراحل: الفاضل الفوال بدون مناسبة” ثم نقرأ له في القصة ذاتها ما يلي: “على ناصية طريق نشيطة الحراك، ليس أكثر ازدحاماً منها إلا طريق الموت التي لا تُقفل في وجه أي عابر.[9]” الموت إذاً حاضر بقوة الفعل؛ بحضوره المتكرر في أكثر من قصة في المجموعة، وهو يصبح أحيانا وجه الحياة العابث بالبشر، ذلك أن والد الطفل في قصة “غربة المطرود” استنجد بحفر القبور ليكفل لأسرته مورد رزق يقول: “افتقر والده بعد سعة، إذ كثر عياله، وأصبح مجرد حفار قبور.[10]“. لكن الطفل الذي كانَهُ لم يتصور الموت على هذه الهيئة الفارقة التي تفقد الإنسان توازنه وتجعله يتخبط في الحرمان؛ إنه تصور كان أقرب إلى السذاجة، ” كنت أعتقد مع سذاجة تصوراتي أن بيتنا فوق الموت، وأنه إن زارنا هذه المرة فعن خطأ، وهو يعرف أننا لا يجب أن نفترق، أو يودع أحدنا الآخر، ولو في سفر قصير، فكيف بالموت وهو السفر الأخير الذي لا يؤوب أحد منه، هكذا كانت غريزة البقاء[11]“.
لقد ارتبط هذا التصوّر بأول حادثة وفاة سمع بها في أسرته الكبيرة: “في بيت خال أمي شاهدت ما ظل يمثل في ذهنكَ الصغير صورة الموت الذي لم تكن في عمرك الأول هذا، قد عرفت أن له تجسيدات أخرى يعرفها الكبار ممن قرؤوا نصوصا دينية[12]“. ثم إن تكرار فعل الموت، أصبح لا يمثل أكثر من مهنة تقليدية، إذ إنّ “كل ما حولنا يعج بمحلات مهن تقليدية قريبا منا كان دكان حفظ وسائل حفاري القبور جوار بيت مقدم الحي ..[13]”
د ـ لغة ساخرة بطعم الحنظل:
إن عين الكاتب لا تخذله في رصد حركات شخوصه وتصرفاتهم، ومن خلالهم تسرد أحداث صادمة في بعض جزئياتها. لكن السارد الحذق يضفي على سروده صبغة السخرية والتي تجسدت في بعض عناوين القصص مثل “كلمات فلكمات؛ “قيامة سيدي والو”؛ “بهجة الموت”. إنها سخرية بطعم الحنظل، تلقي بظلالها على وضع عام يحتفي بما هو غير روحي؛ ليناقش موضوعا خطيراً، تتجلى خطورته في الاختلال الذي يتركه في المجتمع الهرب من التغذية الروحية، والاهتمام بكل ما هو مادي، وهذا ما يؤدي إلى التركيز على المظاهر والاستثمار في كل ما يبعد الإنسان عن جوهره. يقول السارد واصفاً حي المدقة والتغير الرهيب الذي طرأ على اهتمامات سكانه: “وآخره فرن المدقة الذي لا يزال يعمل إلى اليوم، ومدرسة حرة توقفت ليحتل مكانها مطعم، لن يتوقف ما دام الناس لن يستغنوا عن سعيهم في البحث عن خبز، وإن كفوا عن البحث عن مكان للدرس أو تلقي العلم.[14]“. إن هذا التغيير يرخي بسدوله على الواقع المعيش للإنسان، وينبئ عن تغييرات مخيفة جداً تشير إلى ضحالة وضعنا الحالي، حيث العزوف عن كل ماهو ثقافي وروحي.
ولا يتوانى أحمد بنميمون عن دق ناقوس الخطر؛ كتحذير على الانحدار الخطير الذي بتنا نعيشه واقعاً لا يمكن نكرانه، كاشفاً ما يحيل عليه من اختلالات في التوازن المادي والروحي في المجتمع، وهذا ما لا يبعث على الاطمئنان على مستقبل الأجيال اللاحقة. فهو يقول في قصة “الإثنين يبدأ الأحد” عن الماخور قائلاً: “رغم تأكدي أنه كان في مرحلة سابقة مكانا محدوداً، ضربت عليه حراسة شديدة، حتى لا تغادره إلا بإذن، فقد أصبح اليوم مكاناً مفتوحاً يدخله الداخلون بحرية ويتركه مغادروه بحرية أيضا، لأنه تمدد واتسع، في موجة انفتاح، ليشمل كل المدينة حتى ولو كره الكارهون[15]“. وهو يحدث عبد السميع في قصة “إحالة على الماخور” عن ذلك المكان الذي كان مقره في الحي وعرف مجموعة من الاحتياطات كي لا يتسرب سُمه إلى منطقة أخرى، إذ انتفتح هذه الأيام على عوالم جديدة، وتمتع بحرية أكبر، حتى لكأني أسمعه يقول: كأننا نعيش في ماخور كبير، “وإن كان البغاء كما نسمع أقدم مهنة في التاريخ، لكن لمن تمارسه عن رضى، أم أن يصبح الماخور سجناً كما كان أيامها لا تستطيع منه فراراً أية واحدة منهن، وقد جيء بهن مرغمات، فهذا أمر لا يطيقه إلا من أكره عليه[16]”
يستثمر أحمد بنميمون حسّ السخرية الذي يحيل على الألم، دون أن تفقد لغته ألقها، على الرغم من أنه يعرضها في مستوياته المتعددة، فهناك لغة أنيقة تقترب من تخوم الكلاسيكية، وتراوح بين المباشرة والمجاز، وهناك لغة تكوّن وسيطاً بين القارئ والمجتمع المغربي، عبر كلمات عامية، قد تخدش الحياء حيناً ولكنها لا تخدش واقعية السرد، لأنّها تأتي في معظم الأحيان عبر حوار يتصالح مع منطوق الشخصيات ومع أفقها الفكري وبيئتها الاجتماعية، ومع وجودها داخل الماخور/ المقهى/ المدينة .. أو خارجها.
وبين الداخل والخارج تنقسم الشخصيات، ويتولد الحرمان، حيث تشعر الشخصية في “غربة المطرود” بالحنين إلى الداخل، إلى المقهى، أو المطعم، أو السينما، أو حتى الحافلة، لأنّ الداخل يعني قوة جاذبة تعبّر عن الحبّ والانتماء، أما الخارج فهو نتيجة قوة نابذة تمنع السارد من الدخول إلى أي مكان، وتترك في قلبه حسرة البعد، وفي نفسه رغبة في الالتحام بما كان، وبمن كان. وهذا الموقف المكاني يفسّر التفاته الحاد المرَضي نحو الماضي.
خاتمة
لم توفر حكايات ريف الأندلس لكاتبها تلك المتعة التي نشعر بها كقراء ونحن نغوص بين ثنايا القصص، ونعيش ماضياً بعيداً بعين من عاشها، فقد عاش الكاتب تلك النوستالجيا بوجع الذكرى، عبر حكايات يختزنها خياله، حكايات قصّ علينا بعضها، بينما ما زال بعضها الآخر خزين الذاكرة:
“في جعبة أبيك الكثير من حكايات هذا الحكي الذي يلتوي وهو يمتد ….لامتداد زمنه في مختلف مراحل تاريخها وتخطيطه لأكثر صحائف أيامها الغابرة، لكنني أشعر الآن أن التعب بلغ مني جهدي، وأنني لأحب أن أستريح الآن، إلى أي مكان حتى حين.[17]“.
وها نحن ننتظر أن تقدّم لنا ذاكرة القاص مزيداً من الحكايات، فقوله “في جعبة أبيك الكثير” شبه وعد ننتظر تحقيقه في أشكال إبداعية يقترحها الكاتب على الإبداع العربي.
[1] حكايات ريف الأندلس، أحمد بنميمون، سليكي أخوين ـ طنجة ،ط1 عام 2015، ص 72.
[2] المصدر نفسه، ص 6.
[3] نفسه، ص 10.
[4] نفسه، ص 59.
[5] نفسه، ص 41.
[6] نفسه، 38.
[7] نفسه، ص 13.
[8] نفسه، ص 31.
[9] نفسه، ص 56.
[10] نفسه، ص 7.
[11] نفسه، ص 17.
[12] نفسه، ص 16.
[13] نفسه، ص 14.
[14] نفسه، ص 14
[15] نفسه ، ص 35.
[16] نفسه، ص 37.
[17] نفسه، ص 24.
دة. نادية الازمي









































































PDF 2025


