أتذكر ذلك اليوم البعيد قبل حكاية كورونا؛ لقد بقيت صوره راسخة في الذهن كمحفوظات الطفولة. كنا قد تسلقنا الجبال لساعات من أجل إعطاء الانطلاقة لمشروع بناء حجرة دراسية و مرفقين صحيين و سكنى للمعلم(ة) في أحد المداشر النائية بجبال إقليم شفشاون، و أتذكر أنني عدت بعد ذلك بشهور لنفس المكان أثناء عملية تسليم المشروع الذي أنجز لكي يشتغل في بداية السنة الدراسية.
كان مسار الزيارتين هو هو عبر منتزه تلاسمطان، لكن في اتجاهين مختلفين، و خلال الرحلتين معا كنا نستغل الوقت الذي لدينا للاستراحة و التملي من الأعالي بالأسرار البعيدة و القريبة للطبيعة والاستمتاع بالمناظر البانورمية، وكالعادة عبرنا في طريقنا تجمعات سكانية متعددة، فشهدنا نمط المعمار والعيش و النشاط… ما تيسر لنا ذلك، كما اكتشفنا حجم التحولات التي يخضع لها المحيط الطبيعي بفعل الحرائق أو لأسباب فرضها الميل إلى التحديث الذي جعل من المدينة مثالا للبادية في كل شيء، إذ لماما ما تصادفك منازل من الطوب، أو عادة السقي من العيون أو التنقل على الدواب…؛ ذلك تحول ربما يفاجئ بسرعته من لا يحتك بالبادية لكنه من الأكيد جاء نتيجة طفرات أو موجات… بتفاوت في الظرفية والوتيرة بين المناطق و الجغرافيات، و قد يكون لفتح العديد من المسالك يد عليا في هذا التحديث السريع.
أتذكر ذلك اليوم البعيد وقد تحلق الآباء و أطفالهم حولنا، كانت زيارتنا حدثا بينا في المدشر، فالحاجة إلى المشروع انبثقت، كالعادة، من السكان أنفسهم لا من المكاتب المكيفة لجمعية التنمية المحلية-المغرب، لذلك كان هؤلاء ينتظرون قضاء تلك الحاجة بحرارة. حضورنا كان بذلك دليلا على أن الحاجة لم تبق فقط فكرة أو كلاما بل ستتحول قريبا إلى و اقع ملموس، و كان بالفعل ذلك.
و أتذكر فيما أتذكره أنه كان من بين من حضروا معنا في الزيارة الأولى ممثل الدائرة الانتخابية، إذ دار بيننا جميعا حديث عن أهمية الغابة والطبيعة والماء… فخلصنا، في المحصلة الأخيرة، أن ما كنا نراه من ضرورة حماية البيئة وما نتغنى به من تنمية مستدامة ومصطلحات رنانة ليس هو ما يراه ممثل السكان، و ما كنا نعتقده، نحن أبناء المدينة، أولويات في البادية لا يكاد يدخل في باب أولوياته هو ابن البادية؛ وشخصيا كانت دهشتي عظيمة إذ لم ألمس، أو هكذا بدا لي، على وجهه أو في نبرته حدا أدنى من الانزعاج مما يمكن اعتباره تعديا واضحا على المحيط الطبيعي أينما وليت وجهك…
هل مرد ذلك إلى تباين التقدير أم الموقع أم الوعي أم المصلحة…؟ !
في العشرية الأولى من هذا الشهر، كان لنا موعد مع زيارة أخرى لمؤسسة تعليمية أخرى في مركز ترغة الشاطئي؛ طبيعة المشروع اختلفت عن المشروع السابق، و أجواء الزيارة اختلفت عن تلك وزيارات متعددة أخرى لمؤسسات تعليمية على طول و عرض الإقليم و بأقاليم أخرى بالجهة.
المشروع الذي زرناه بهذا المركز الشاطئي، الذي يخضع لتحول سريع بعد أن استفاد من برنامج التأهيل الحضري للمراكز القروية بالإقليم، هو تأهيل مؤسسة تعليمية من أجل إدماج التلاميذ والتلميذات في وضعية إعاقة. سألت بعض من حضروا بعين المكان ممن يشتغلون بالمؤسسة إن كان المشروع غطى حاجة أو أتى بإضافة، فكانت إجابتهم إيجابية، إذ أن بناء سقيفة ومصطبة بمدخل المؤسسة و تهيئة ممر وسط ساحتها بالخرسانة في اتجاه الحجرات الدراسية، بالإضافة إلى بناء وتجهيز ثلاثة مرافق صحية-واحد منها للتلاميذ في وضعية إعاقة- و تهيئة مرفق لغسل الأيدي، ليس أمرا هينا. وقد يتطلب تحقيق مثل هذا المشروع وفق المسالك الرسمية العادية ، في بعض الحالات، أعواما من الانتظار…
في طريقنا عبرنا شيئا من إقليم تطوان و شيئا من إقليم شفشاون، هكذا يريد التقسيم الترابي، الإجهاد المائي بدا واضحا في جفاف ينابيع الماء التي تزخر بها المنطقة؛ الكل يرفع أكفه إلى السماء كما كان الأمر في الربيع الفائت الذي زرنا إبانه مدشرا آخر في إطار مشروع يتعلق بالحث على غرس و تثمين شجرة الزيتون…
إنه طريق دار أقوبع واد لو ثم الطريق الساحلي؛ على جنبات الطريق عناقيد البصل معروضة للبيع، و مشاريع سياحية تنبت كالفطر، و ما يجرح العين هو اجتياح الأكياس البلاستكية و الأزبال الصناعية بكل أصنافها للبادية و للمحيط الطبيعي بصفة عامة، هذا هو الثمن الباهظ الذي ندفعه لتحديث غير طبيعي- قال مرافقي- والأدهى من هذا ما نشاهده من تراكم للأزبال بشكل مقلق ببعض المراكز أو قرب معظم منشآت السياحة القروية. سألت في هذا السياق بصيغة تشبه الإنكار: متى سنتعلم أن نتعامل بمسؤولية مع نفاياتنا التي أكد العلم مضرتها، حتى لا نؤذي الطبيعة التي هي رأسمالنا بإقليم شفشاون وماجاوره، فهؤلاء السياح الذين يأتون، بالآلاف، من الداخل والخارج لشواطئنا و لأقشور و غير أقشور من مواقعنا الطبيعية… لا يأتون إلا لأن هذه المواقع الطبيعية المتميزة تتيح لهم بجمالها و هدوئها وثرائها الاستمتاع أو السكينة أو الاستجمام أو التفسح أو قضاء عطلهم فيها…، لكن المفارقة هو أن هذا الرأسمال الطبيعي الثمين الذي ورثناه عن أجدادنا ويشكل صلب النشاط السياحي، بدل أن تبذل جهود حثيثة من أجل حفظه و صيانته و تثمينه واستمثماره بشكل مستدام، فإن الكثير منا يمعن في تبديده بل تخريبه بسبب مصلحة آنية أو رؤية ضيقة لا تضع الاستدامة نصب عينها؛ وكما قال الحكماء: ” قليل و مداوم و لا كثير و مقطوع”. و هكذا، للأسف، كان تسارع عمى تعاملنا منذ نهاية القرن الماضي مع الماء و التربة و الشجر و البحر والحجر، و مع الكائنات البرية والمائية…فكدنا بهذا العمى، رغم إشارات و تحذيرات، على قلتها، نفقد ذواتنا و ما حولنا، ولنا في تجارب من سبقونا دروس وعبر…
لن أتحدث، هنا، عن نموذج واد(ي) لو الذي يستنسخ بشكل رهيب على طول الشريط الساحلي، إذ سأترك حديثه للمستقبل، مع أن الحكمة تقول إن في الاختلاف و التنوع و التعدد… رحمة. فهل سيعرف أبناء الإقليم في الوهاد والجبال و الشواطئ… ، بذكائهم المعهود و حسهم الصائب و وعيهم الثاقب، أن ما يصنع فرادة مناطقهم على اختلاف طبيعتها و جغرافيتها و مناخها و تاريخها و عاداتها و تقاليدها وثرائها ومؤهلاتها…ليس هو الاستنساخ، بل التشبث بالهوية المجالية و تطويرها في الاتجاه الصحيح بالانفتاح على تجارب الغير والتلاقح معها…
قال لي مرافقي بتهكم:
-أنت تهذي..
أجبت بيقين و برودة دم:
-إن الله يهدي من يشاء…
ع الحي مفتاح









































































PDF 2025


