الرئيسية / فن و ثقافة / حوار مع الإعلامية المغربية نادية لاركيط

حوار مع الإعلامية المغربية نادية لاركيط

  • نبدأ بالسؤال التقليدي وهو كيف تقدمين الإعلامية نادية لاركيط  إلى القراء المغاربة الواقعيين والقراء العرب الافتراضيين على مواقع الانترنت؟

صحيح أنه يمكن أن يكون هناك تمايز بين القراء، لكنني أعتقد أنه ينبغي التعامل مع الأمر على أنه في النهاية يتعلق بمتلق عام للخطاب بغض النظر عن موقعه. وعليه فنادية لاركيط مواطنة مغربية فرنكفونية، وكما أصر دائما على القول أني أحب هذه الصفة كوني فرنكفونية مغربية حقة. هناك الكثير من الناس يعتقدون أنني ازددت بالخارج وبالضبط بفرنسا، فالأمر عكس ذلك، فأنا ولدت بالمغرب، وبالضبط بمدينة الرباط، وأتمتع بازدواجية الثقافة وازدواجية الجنسية وهو أمر أعتز به، وأنا مستقرة بالمغرب، ولم يسبق أن غادرته. وكثيرون أيضا يعتقدون أنني أقمت بالخارج بفرنسا لسنوات، وأنني كنت معدة لبرامج هناك. وهذا أيضا ليس صحيحا. فكل حياتي قضيتها هنا بالمغرب وأنا مستقرة به إلى حد الآن.

  •  وفيما يتعلق بالدراسة؟

تابعت دراستي هنا بالمغرب إلى أن حصلت على شهادة الباكلوريا بثانوية “ديكارت، بعدها، وفقط لمدة أربع سنوات، سافرت إلى فرنسا حيث تابعت دراستي “بباريس8، وهناك حصلت على شهادة الإجازة في موضوع “تاريخ الفن” شعبة السينما والمجال السمعي البصري، ثم، وبعد أن تلقيت مهاتفة تيليفونية من القناة المغربية الثانية لاجتياز عروض الاختبار للعمل بالقناة الذي كنت قد تقدمت به، عدت على الفور لبلدي، ولم أغادره أبدا إلى الآن.

  •  ننتقل الآن للحديث عن  البدايات الأولى التي مهدت لمجيئك إلى الإعلام ؟

في الواقع اتصالي الأولي بمجال الإعلام انطلق بفرنسا، وبالضبط أثناء اجتياز مشواري الجامعي حيث التقيت بـ Jean-Luc Delarue الإعلامي الإذاعي  والمنتج التلفزيوني الفرنسي المختص بمجال البرامج الحوارية المتلفزة، وكان وقت أن التقيت به يعمل بقناة canal plus، ويدير برنامج La grande famille، وكنت قد ذهبت للقيام بتدريب بنفس القناة، والواقع أني هناك تلمست خطواتي الأولى بالمجال التلفزي، واكتشفت عالمه السحري، واكتشفت شغفي به، واتخذت قراري الحاسم  بأن هذه هي المهنة التي أريدها لحياتي.

خلال هذه الفترة بدأت أهتم جديا بالأمر، وتساءلت إن كان يوجد بالمغرب تلفزيون باللغة الفرنسية، وطبعا بعدها علمت أن هناك القناة الثانية فراسلتها ووضعت ترشيحي لديها، وحصلت على الموافقة. وللتوضيح أكثر فأنا لم أبحث مطلقا عن العمل بالمجال التلفزي بفرنسا. فبمجرد ما حصلت على شهادتي اتجه عقلي وروحي وقلبي إلى المغرب، وقلت ينبغي أن أشتغل بالبلد حيث ولدت.

  • التحقت للعمل بالقناة الثانية سنة 1997. ما هي أول مهمة تلفزية قمت بها؟

لحسن حظي، لربما، فبمجرد ما التحقت اشتغلت كمنشطة تلفزية. لكن حصل قبلها أنني لما اجتزت عروض اختبارات ارتأوا أن يسندوا لي مهمة تقديم النشرة الجوية. غبر أن مسؤولين آخرين قالوا ..لا…لا يمكن أن نسند هذه المهمة لـ “بروفايل” بهذه المواصفات الجيدة. ثم سألوني ماذا تفضلين أن تقدمي بالتلفزة، أو ما الذي ترين أنك يمكنك أن تبرعي في تقديمه. فقلت بكل السرعة أو الجرأة…أفضل أن أقدم برنامجا يهتم بالشباب. وهكذا بكل السرعة انطلقت ببرنامج أعتقد أنه وجد مكانته وموقعه الموفقين بين البرامج الأخرى، وهو برنامج ENTR ‘ ACT سنة 1997.

  • ماذا كانت طبيعة البرنامج، وحول ماذا تمحور، لنتحدث عن ENTR ‘ ACT؟

بكل صدق أستطيع أن أقول أن برنامج ENTR ‘ ACT كان حقا ثورة في المجال، لأن 2M وقتها لم تكن تتوفر على برامج من هذا النوع، أي نوع البرامج التي تخرج عن إطار الرسميات أو الشكليات، بمعنى أنه يمكنك أن تشاهد منشطة البرنامج في شكلها الاعتيادي وهي تضحك، وتحاور ضيوفها دون أي توتر، إلى درجة أن الكثير من الناس كانوا يراسلوننا معتقدين أن البرنامج فرنسي أو ربما يبث عن طريق قناة فرنسية. وللتاريخ فإن ذلك تحقق بفضل مخرج البرنامج الذي كان يرافقني، والذي استطاع أن يبتدع أسلوبا جديدا. ولحسن حظنا أننا وقتها، وأتحدث طبعا عن 20 سنة مضت، كنا استطعنا أن نتوفر على منشطين يتميزون بامتلاكهم لأسلوبهم الخاص سواء على مستوى التفرد أو قوة الأداء. وهنا أنصص على كون البرنامج كان يبث باللغة الفرنسية لا يعني أن المشاهدين كانوا فقط من الفرونكفونيين، بل إن شريحة عريضة من المعربين كانوا يحرصون على متابعته، وحتى الجمهور الذي يحضر معنا فجزء مهم منه كان ينتسب لأحياء شعبية جدا، وكان يعرب عن إعجابه الشديد بأسلوب البرنامج.

وطبيعة البرنامج أنه كان يستضيف جميع أنواع الفاعلين من الشباب في المجال الثقافي والفني..فنانون مثقفون مغنون جمعويون وفرق موسيقية أيضا. وأذكر أن العديد من المواهب التي أصبحت فيما بعد مشهورة كانت قد انطلقت مع برنامج ENTR ‘ ACT. وأستطيع أن أؤكد أننا وقتها لم نكن نتوفر على برامج بهذه الروح في التعاطي مع قضايا الشباب عن طريق التفرد في طريقة التصوير والنزول إلى الشارع والتحاور الحر…ولذلك قلت أنه كان ثورة، وأنا فخورة أننا استطعنا أن نسد هذا الفراغ.

استمر البرنامج ENTR ‘ ACT في البث من 1997 إلى 2000، بعدها انتقلت إلى برنامج آخر هو BANDE A’ PART، وكان برنامجا يبث انطلاقا من الاستوديو، ومن داخل القناة، وكان يجرى مع كتاب الأعمدة. فقد كنت اعتدت على العمل الخارجي الميداني، ومع هذا البرنامج أصبحت اشتغل من الداخل، وبأسلوب مختلف تماما عن السابق، وكان بين 2000 و2004.

  • وماذا كانت طبيعة برنامج Bande à part بالضبط؟

كما سبق أن أشرت فهذا البرنامج كان من طبيعة مختلفة. وكان لأول مرة يحصل بالقناة أن يتم استضافة كاتب عمود من مختلف مجالات التواصل… حول الموضا، حول السينما، حول فرص العمل، وأن تتواجد معه تحاوله وتتداول معه الرأي منشطة برنامج.

  • بعد هذه المجهوات المميزة، والجريئة، والتي نقلت القناة إلى أسلوب فيه جدة ملحوظة، هل حصل نوع من الاعتراف بذلك..إما على شكل تتويجات أو جوائز…إلخ؟

على ما أذكر أنه حدث وقتها أن حصلنا على جائزة أحسن برنامج، غير أنه فيما يبدو بعد ذلك ربما لم يحصل أن تم مجازاة برنامج ما أو منشط ما. وأنا أعتقد أنه ما بين 1997 إلى 2004، وبالنظر إلى ما بدلناه من اجتهادات، لم يحصل ما مفروض أن يحصل من اعتراف حقيقي بذلك. وصراحة، ولكي أكون معك صادقة جدا، فأنا شخصيا لم أكن مهتمة بمسألة الجوائز والتتويجات كأولوية بقدر ما كنت أوجه كل اهتمامي إلى أداء مهامي بكل إبداع وابتكارية، ومهتمة أكثر بأن أفضل برنامج يمكن أن يهم المشاهدين وأن يقدم لهم مادة إعلامية ذات جدوى حقيقية. أما الجوائز فلربما هي أمور تأتي لوحدها، وتأتي كمكافأة طبيعية وحتمية مرتبطة بما يبذله الإنسان من مجهودات حقيقية في عمله.

  • والآن ماذا تفعل الإعلامية نادية لاركيط؟

أنت تعلم، وكما سبق أن أشرت لك بأن مهنتي الحقيقية هي التلفزيون، وأن تكويني الجامعي وشواهدي كانت في مجال تاريخ الفن المعاصر شعبة السمعي البصري والسينما، وهو المجال حيث يمكن أن تبرز مهارتي وكفاءاتي. وتعلم أنني أيضا دخلت 2M من أجل هذا، ولم أقم بأي عمل آخر غير هذا. فمهنتي الحقيقية هي تصميم البرامج وتطويرها وتنميتها وتنشيطها. وفي سنة 2005 غادرت2M، وانتقلت للعمل خلف الكاميرا، بعدما كانت كل أنشطتي، كمنشطة، أمامها ومواجِهة لها، أي انتقلت للإنتاج. وهنا أنشأت بعض البرامج التي عرضت بـ 2M، و بـ SNRT، فقد عرضنا “مائة في المائة شباب”، والذي استمر لمدة طويلة، ثم صورنا “الشباب” بـ SNRT، ثم أنجزنا بعض “الكبسولات” التي أعتز بها كثيرا مثل “شوارع”، وهو برنامج طريف حيث كنا نسأل الناس عن مدى معرفتهم الدقيقة بأسماء شوارعهم ودلالاتها. وأنا في الحقيقة ميالة كثيرا إلى تصميم برامج ثقافية صغرى بهذا التصور.

في الحقيقة ابتعدت عن مجال التنشيط لأني كنت أجتاز مرحلة الحمل، ثم تلتها مرحلة ولادة الجنين. وهكذا حصل ابتعادي بشكل طبيعي.

  • وهل تجدين الأمر طبيعيا؟

طبيعي؟!!!…(وهي تضحك).

حقيقة، أنا أقيم بعض الاعتبارات مهنتي. فعندما وضعت مولودي ارتأيت أنه من الطبيعي جدا أن أبتعد عن الظهور بالهواء، وأن أمر لتجريب شيء آخر. صحيح أن هناك بعض الناس الذين قد يجدون صعوبة كبيرة في الابتعاد عن الكاميرا، وأن المرور بها يعتبر أساسيا ولربما حتميا بالنسبة إليهم. وشخصيا لست من هذا النوع، ولا يشكل لي الأمر أية أهمية. لقد عشت لسنوات طويلة جميلة كمنشطة تظهر تشتغل باستمرار أمام الكاميرا، وأردت أن أعرف بالضبط ما الذي قذ يعنيه بالنسبة إلي الاشتغال كمنتجة لبرامج. وهذا ما فعلت. وبهذا أمكنني أن أجمع بين مهنتي كمنتجة وبين تربية ابني. لقد كان الأمر صعبا جدا بالنسبة إلي أن أترك ابني جانبا، وأن أتفرغ للكاميرا. هكذا قررت أن أرجع قليلا إلى الوراء بالنسبة للكاميرا، وهو أمر لم يحزنني، وانتقلت للإنتاج.

ونحن بصدد الحديث عن التواري والرجوع إلى الوراء أريد ان أسجل رأيا شخصيا وهو أنني لا أستطيع لحد الآن أن أتفهم كيف أن التلفزيونات بالمغرب لا تكلف نفسها عناء البحث عن أسماء و”بروفايلات” بعينها، وبقدر كبير من التجربة المهنية، وقدر كبير من المعرفة بالقنوات مثل ثورية الصواف، عمر سليم، إبراهيم سليكي، نادية لاركيط، وآخرون..من أجل الاستفادة منهم ومما قدموه، ومما يمكن أن يقدموه.

  • هذا سيجرني الأستاذة نادية للتساؤل فعلا عن كيف أن كفاءة في مقتبل عمرها وديناميتها مثل نادية لاركيط يمكن أن نفرط فيها. أليس هذا نوع من إهدار الطاقات الوطنية؟

هذا ما أؤاخذ عليه القناة الثانية 2M، وألوم السيد سليم الشيخ بالأساس على ذلك، هو أنهم أفرطوا في تعريب القناة، بل وأدرجوا برامج أجدها هزيلة جدا وليس ذات جودة تحسب، وأعقب ذلك خروج العديد من الكفاءات الفرنكفونية. لقد أضعفوا القناة وأعدموا برامج جيدة جدا كانت موجودة. وأعتقد انه خطأ الإدارة.

  • السيدة نادية، شخصيا أشعر أن المغاربة يعيشون حاليا نوعا من النوستالجيا تجاه 2M بصيغتها السابقة.

نعم، وهذه حقيقة لا أحد يستطيع إنكارها. وأنأ أقول أنه ينبغي التوقف عن القول بأن المغاربة يفضلون مشاهدة فقط البرامج المعربة. إن المغاربة موهوبون في مجال التمتع بالحديث بعدة لغات. وأنا عاصرت القناة وخلالها تمت برامج بالعربية والفرنسية وأفلام كان يعدها إبراهيم سلكي تعرض مقتطفات منها بالإنجليزية.

إنه لأمر مؤسف حقا أننا أفرغنا القناة من الجدوى الحقيقية.

  • السيدة نادية، هل نستطيع امتلاك الجرأة اللازمة لنقول بأن 2M تعرف الآن نوعا من التراجع والتقهقر؟

بكل تأكيد. غير أنني لست في التموقع الأفضل لتقييم الأمور أو الحديث بخصوص حقيقتها، لكنني، بما أنني قضيت مشواري كله بالقناة، أستطيع أن أقول لك بأنني جد حزينة لما آلت إليه وضعية قناة مثل 2M ، خصوصا وأنني سبق أن عشت أزهى وأنضج سنوات تألق القناة، في الفترة التي كان يتولى الأستاذ نورالدين الصايل إدارتها، الذي ينبغي أن يحظى من قبلنا، هذا الرجل، بكل أشكال الثناء والتقدير والتكريم لما بذله من أجل إنقاذ القناة. وهذا أمر يعترف به الجميع، بل إنه اقترح إضافات نوعية على البرمجة العامة والإخراج العام للقناة، قد لا يسمح الوقت بحصرها جميعها الآن.

عندما أقرأ في الصحافة الوطنية انتقادات لاذعة للقناة أحزن، وعندما أعلم أن مكاتب القناة بطنجة أغلقت ربما بسبب عجز أداء سومة كرائها أحزن أكثر.

  • من المسؤول في نظرك؟

أعتقد أن الأمر يتعلق بسياسة اختيار الأشخاص المناسبين لتدبير القناة. أو ربما يتعلق الأمر بإرادة ما، شخصيا لا أعرف هويتها أو مصدرها.

صراحة أنا أقول أنه ينبغي علينا أن نكون واعين بأن إدارة قناة ليس بالأمر الهين.

  • السيدة نادية، قرأت مؤخرا كتابا عنوانه La Mediocratie  صدر مؤخرا للفيلسوف “الكندي ألان دونو”، وترجم إلى العربية تحت عنوان “نظام التفاهة”، يشير فيه إلى أن هناك سياسة خفية، أو لنقل إرادة خفية تعمل على إسناد أدوار حقيقية رائدة لأشخاص تافهين، في السياسة والإعلام والثقافة والفن….هل أستطيع أن أقول اننا نعيش وضعا مشابها؟

للحقيقة لا أتمنى ذلك. وهنا اسمح لي أن أقول لك بأنني، بكل صدق، لا أُحمل قناة 2M المسؤولية وحدها، فمجيء شبكات التواصل الاجتماعية والقنوات الرقمية كان لها دورها في هذا الوضع المتردي للقناة. بمعنى أن الأمر لا يتعلق بأشخاص تافهين أو ضعفاء مهنيا، لا…لا أستطيع أن أدعي هذا، بل أجرؤ على القول بأننا في المغرب نتوفر على كفاءات عالية المهنية، إنما المشكل الحقيقي هو أننا لا نضع الأشخاص المناسبين في التموقعات الجيدة. إنها مسألة ضعف الدقة في الاختيارات.

  • لكن اسمحي لي  السيدة نادية، إذا كنا نبعد شخصيات قوية مثل نادية لاركيط وثوريا الصواف وعمر سليم، وآخرون من نفس العيار كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فأنا شخصيا أرى أنه هنا يمكن أن نطرح سؤال La Mediocratie.

لا..لا..رغم ذلك أجد أنه من القساوة أن نصف الأمر بـ  La Mediocracie عندنا. ما هو مؤسف عندنا بالمغرب هو أننا نمنح الانطباع بأننا لا نتقدم إلى الأمام. وأمام هذا الوضع لا ينبغي أن نندهش عندما نرى بعض الكفاءات هي نفسها تفضل أن تغادر القناة، ولربما تفضل أن تبحث لنفسها عن وضع أفضل في مكان أفضل. وأنا أؤكد لك أنني أتحسر كثيرا وأنا أرى حولي كفاءات عظيمة جدا لا تمنح لها فرصة إظهار ما تتوفر عليه وتتفوق فيه.

  • في هذا السياق، ألا تري معي أن المغاربة يستحقون ما هو أفضل على مستوى التلفزيون؟

بكل تأكيد.  وإذا لم أكن اعتقد، برسوخ، بأن المغاربة يستحقون الأفضل لكنت غادرت. والدليل هو، كما أن أشرت لك سابقا، أنني قررت البقاء بالمغرب. وفي نفس السياق أنا دائما أقول كإشارة قوية أننا إذا كنا نحب بلدنا حقا فينبغي علينا أن نتحمل كامل مسؤولياتنا لمساعدته، بما فيها الصبر على المتاعب التي قد يسببها لنا.

  • الآن….ماذا تفعل نادية لاركيط؟

أولا، دعني أقول لك أنني سعيدة جدا بما قمت به خلال مشواري، وبأنه ظل راسخا بالمغرب، أولها أنني ربحت دعوى تتعلق بحقوق المؤلف، حيث أنه كان قد تم سرقة “فكرة تلفزية” تعود في أصلها إلي، والأجمل في الأمر أنها كانت أول قضية تعرض أمام المحاكم المغربية. ثاني شيء هو أنني خلال سنة 2009 قبلت أن تعرض صورتي مكشوفة وأنا حامل على غلاف مجلة Femmes Du Maroc. وهو غلاف سيظل تاريخيا بالنسبة للمغرب، لأننا كنا البلد العربي الوحيد وقتها الذي ستعرض فيه مجلة صورة امرأة مغربية مكشوفة وهي حامل، وأن هذه المرأة  تقيم بالمغرب وليس بالخارج.

لماذا قبلت أن تُعرض صورتي هذه؟ لأنها ارتبطت بملف، أتصور أن قليلين قرؤوه، يتناول موضوع الظروف القاسية التي تلد فيها المرأة بالمغرب سنة 2009، والتي يمكن أن تؤدي بها إلى الموت، إلى غير ذلك مما يرتبط بالظروف الاجتماعية الصعبة. ولهذا أكرر أنني جد فخورة أنني باقية في بلدي، وأنني أواجه بنوع من الوعي بعض قضايا وطني التي تؤلمني في قلبي. ولست في حاجة إلى التذكير بأن هناك كثيرين، عكس حالتي، يقيمون خارج المغرب ويوجهون الانتقادات من هناك. وأنا وكأنني أردت أن أقول…تعالوا إلى جانبنا هنا داخل المغرب وناضلوا ضد ما ترونه وضعا مختلا.

  • بخصوص موضوع صورة الغلاف العارية، أريد فقط أن أذكرك بأنه الآن تنتعش حركة نسائية مغربية قوية تطالب بالحريات الفردية تحت شعار “جسدي حريتي”. بمعنى أن الأمر يعتبر مطلبا عاما. أليس كذلك؟

(تضحك). فعلا، وهذا ما فعلته أنا منذ 2009، ولربما كنت سباقة إلى هذا الشكل من الوعي بالجسد، أو لربما هذا الوعي كان عليه أن يتبلور وقتئذ. وأنا أقول في هذا السياق أن للمرأة حقوقها في جسدها أو في غير جسدها التي ينبغي أن تحترم فيها اختياراتها في السياقات العمومية…في الشوارع، في مقرات العمل وغيرها. وأظن أن المرحلة مساعدة جدا الآن مع هذا الانفجار في وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية التي تسمح بالتعبير على نحو واسع ضد المواقف المناهضة لحقوق المرأة. وأنا شخصيا أجد أن المغرب في وضع مريح جدا مقارنة بالعديد من الدول العربية الأخرى، على الرغم من الانتقادات التي توجه له. بالنسبة  إلي مثلا فأنا صراحة لا أتعرض لأية مضايقات وأنا أتجول في الشارع العام، وفي الحالة الأسوأ أعرف كيف أدافع عن حقي وأناله. بمعنى أنه ليس هناك فقط ما هو سلبي عندنا في هذا المجال، قد أتفهم أن هناك نساء في أوضاع صعبة ربما يتعرضن لما هو أسوأ، لكني رغم ذلك أقول أننا ينبغي أن نظل متفائلين بخصوص الحقوق النسائية، إضافة إلى أننا ينبغي أن نقيم نوعا من الاعتبار المبني على الوعي بين الحقوق الفردية والحقوق الجماعية. فقد أكون، على سبيل الافتراض، غير مزاولة لطقوس رمضان، لكني، بكل الاحترام، لن أتجرأ بالسعي إلى استفزاز عامة الناس في مشاعرهم الدينية، خصوصا ونحن في بلد عربي مسلم، بالتعبير عن رغبتي في الإفطار جهرا وأمام الملأ وبالشارع العام. عموما أنا أقول أنه ينبغي أن نقيم نوعا من التوازن بين ما هو حق عام ما هو حق خاص.

  • هل فكرت في العمل بقناة أخرى؟

أنا غادرت 2M  منذ 2005، ولمدة عشر سنوات وأنا أشغل في شركة خاصة بي  للإنتاج، إضافة إلى أنني أقمت معرضا هائلا بباب الرواح احتفاء بـ 100 امرأة سنة  2017، وكان هذا المعرض استثنائيا جدا من حيث قيمته الرمزية، ثم أيضا أنجزت عملا رائدا مع التجاري وفا بنك حول دور الثقافة العامة بالمغرب.

ولله الحمد لم أشعر أني ربما انتهيت مع 2M، أو أنني انتظر شيئا من أي تلفزيون بشكل عام. هكذا أنجزت مشاريع جيدة تناسبني وأظهرت كيف أنني أستطيع أن أقاوم كي أكون بالشكل الذي أرتاح إليه. إضافة إلى أنني، كما سبق أن أشرت لك، حزينة جدا تجاه الوضع الذي آل إليه التلفزيون، فلم يعد نفس التلفزيون الذي كنا نشتغل به ونجعل من خلاله الناس يحلمون بما هو أجمل. والحقيقة أنني مرتاحة جدا كون اسمي لم يرتبط بهذا الوضع، وأني غادرت القناة واتجهت لشيء آخر، وهذا لربما لحسن حظي. وطبعا لا ينبغي أن ننسى أن لدي طفل أرعاه وأخصص له جزء من اهتمامي ووقتي. وبهذا أحقق الكثير من التوازن بين ما هو شخصي وما هو مهني.

ولكن رغم ذلك فأنا منزعجة بخصوص بلدي التي أرى أنها تستحق الأفضل بخصوص بعض القرارات التي تتخذ في حقه، إعلاميا أقصد.

  • دعنا الآن نتحدث عن نادية لاركيط الشاعرة، كيف جئت إلى الشعر؟

(تضحك)، إنها فقط تجربة صغيرة خضتها ضمن كتاب جماعي تحت عنوان   ” HOMMES SENSIBLES S’ABSTENIR “، كان على النساء أن يشاركن فيه بشيء ما حول “الرجل”. بمعنى أن الأمر يتعلق فقط بمحاولات شعرية أكتبها بين الفينة والأخرى، ولهذا أقول بكل الصدق أن الشعر ليس مجال اختصاصي. هناك بكل تأكيد من يكتب الشعر أفضل مني بكثير.

  • لم تفكري فقط في نشر ديوان شعري؟

لا..أبدا، ليس لدي هذا الميول. في المقابل أصدرت كتابا تحت عنوان “Entr Act ..Memories” تحدث فيه عن جميع الشخصيات والنجوم الذين استضفتهم خلال مشواري الإعلامي، مع إدراج الصور التي توثق لذلك. هذا طبعا إلى كتاب “Femmes 100” الذي ستضمن صورا ونصوصا لنساء مغربيات مميزات.

  • هل تجدين نوعا من الاختلاف والتمايز بين عالم الكتابة وعالم الإعلام؟ 

طبعا أنا أحترم عالم الكتابة، وأجد أنها موهبة تتطلب وقتا أكثر مع تفكير أعمق. وبالمناسبة فأنا أثمن مجهودات كل الكتاب الذين يمنحون حياتهم للتأليف والنشر من أجل امتاعنا بما يكتبون، عكس عالمنا نحن في الإعلام، فأنا أجده لربما أسهل، أو لأقل أريح. إنني أجد حقا نفسي وعالمي وأنا أقف أمام الكاميرا.

  • دعنا السيدة نادية نختم هذا الحوار بسؤال وجودي إذا صح التعبير… هل ما يزال ممكنا، في نظرك كإعلامية، أن يتواجد “التلفزيون” في حياتنا الآن؟

(مبتهجة جدا)…هذا هو السؤال الذي كنت أنتظره منك. ودعني أكون معك صادقة. شخصيا أرى أنه ينبغي أن نغلق كل التلفزيونات، خصوصا مع مجيء “الديجيطال”، وأنا أتصور أن الكثيرين من القائمين على الإعلام لم يستوعبوا بعد بأنه قد حل الوقت الذي لم يعد يهتم فيه عموم الناس بمشاهدة التلفزيون، أو لربما ليس لديهم الوقت لذلك. نحن لربما الجيل السابق كنا بمجرد ما ندخل بيوتنا فإن أول اهتمام يأخذنا، وبشغف شديد، هو إشعال التلفزيون. ويستحيل أن يفعل الجيل الحالي نفس الشيء.

 

  • حاورها عبد الإله المويسي

 

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الفنان المغربي إدريس الروخ

إدريس الروخ، مخرج “ديما جيران” و”صفي تشرب” و”دار الغزلان” وغير ذلك من الأعمال،  هوفنان مغربي …

حوار مع الفنان والشاعر فؤاد شردودي (الجزء الثاني)

5 – في مبادرة جمعت بيت الشعر في المغرب ومؤسسة الرعاية التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، …

حوار مع الفنان التشكيلي المغربي فؤاد شردودي

حاوره : عبد الإله المويسي   كيف تقدم الفنان فؤاد الشردودي لقراء واقعيين وافتراضيين تتسع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *