حوار مع الإعلامي والروائي: عبد الرحيم التوراني من قلب مدينة بيروت..

عبد الرحيم التوراني صحفي وكاتب، اشتغل بعدة منابر مغربية. منها  يومية “المحرر ” ” الممنوعة و “الاتحاد الاشتراكي” . عمل رئيسا للتحرير بمجلة “الأساس “، كما أصدر عناوين صحفية منها: مجلة «السؤال » و »الملف »، وجريدة ساخرة باسم «الانتهازي ». نشر بعض إنتاجاته الأدبية في مجلات «الهلال » المصرية، و »الآداب » اللبنانية، و »الأقلام » العراقية. حاصل على جوائز منها الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة المغربية. من أعماله: طريق العميان، نزوات غويا، قبر المهدي بن بركة، صديقي زفزاف.. الغيلم والطاووس. وكتاب حول السجون في المغرب.

يظهر له قريبا: كتاب حول سيرة الأماكن بالدار البيضاء، ورواية بعنوان: تأخر الوقت. يقيم حاليا في لبنان.

تواصلت معه الشمال من قلب بيروت وأجرت معه الحوار التالي

 

– هل يمكن أن تضعنا داخل أجواء بيروت التي عشتها مع الحجر الصحي؟

 قبل أن يعم وباء كورونا في أرجاء الدنيا، وصلت إلى بيروت. كنت كباقي مواطني هذا العالم، أتتبع قدر الإمكان أخبار الفيروس الفتاك وانتشاره في الصين، وبالتحديد في ولاية ووهان، التي ظهر فيها كوفيد 19 في البداية. طالعت قصاصات ومقالات كما شاهدت فيديوهات في الموضوع، من بينها فيديو لزمرة من الطلبة المغاربة، ظهروا محشورين في غرفة صغيرة حي جامعي، يستغيثون ويطالبون بمساعدتهم للعودة إلى المغرب. بل كان لي تواصل عبر الوتساب مع الطالب اللبناني أدهم السيد، الذي تحول إلى “نجم إعلامي”، أو لنقل إلى ما يشبه المراسل الحربي. كان يظهر دائما خلف كمامة على الوجه في نشرات أكثر من قناة فضائية عربية، وقد صدر له مؤخرا، عن دار الفارابي في بيروت، كتاب بعنوان “هكذا كانت ووهان” حول تجربة العيش في ووهان تحت وطأة كوفيد 19. كانت ووهان تبدو لنا في الصور والفيديوهات بشوارع خالية، توافق تماما، ومن دون مبالغة وصف “مدينة أشباح”. ولم يخطر ببال أي أحد، حسب اعتقادي، أن كورونا ستنتقل إلى مختلف أنحاء العالم، حتى ونحن نسمع بحبوها وخطواتها الأولى من بلد لآخر، من الصين إلى كوريا فإيران، ثم إلى إيطاليا التي بلغ وصل عدد المصابين وعدد الوفيات بها في زمن قياسي أرقاما مخيفة وبعيدة عن تصور أكبر المتشائمين.

– لكن كورونا عمت العالم واجتاحته…؟

– نعم. فطيلة هذا التتبع كنت أعتقد أن وباء كورونا بعيد عنا ولن يصلنا، خصوصا وأن الأخبار ربطت ما بين أكل الصينيين للخفافيش. لكن بين ليلة وضحاها أصبح العالم كله موبوءا، ولم يعد بلد أحسن من بلد. وتم فرض الحجر الصحي في أكثر الدول، ومن بينها طبعا لبنان والمغرب وباقي المنطقة العربية.

– وماذا كان رد فعلك.. كيف عشت بدايات الوباء في بيروت؟

– كأني أكتشفت اكتشافا عظيما، لما أيقنت أن المدينة من دون مقاهي ومطاعم ومسارح ومكتبات وشوارع تزدحم بالسيارات ومحلات تجارية وأرصفة عليها راجلون مشاة، ليست بالمطلق مدينة، أنا المفتون بالمدينة وبمسقط رأسي الدار البيضاء. إن فتنة بيروت وتاريخ بيروت وأماكنها وزاوياها لا تخلو منها ذاكرة وأثر لمناضل وثائر وشهيد، أومفكر وكاتب وشاعر وفنان، من نخبة أشهر ما ولدتهم البلاد العربية، ولا مبالغة في القول. من ياسر عرفات وجورج حبش وكمال جنبلاط ومهدي عامل وناجي العلي وفيروز ونصري شمس الدين، وجورج حاوي وسمير قصير وغسان تويني ونزار قباني ومحمود درويش وسليم بركات ومحمد الفيتوري وإنسي الحاج ومحمد الماغوط ، إلى أدونيس وبول شاوول وشوقي بزيع وصباح وماجدة الرومي وعباس بيضون وحليم كركلا ونضال الأشقر وزياد الرحباني… هي أسماء صدرت مني الآن عفو الخاطر ولم أخضعها لأي ترتيب  أو تمييز ومفاضلة. وبالطبع ستطول اللائحة وتمتلئ بفطالحة العصر الذهبي للفكر والإبداع العربي والصحافة والإعلام في القرن العشرين.

– كيف عاشت بيروت زمن حصار كورونا؟

– في لحظة فالتة من الزمن وصلت الجائحة وغلَّقت الأبواب وقال كورونا لأهلها “هيت لكم”،  لقد فعل كورونا ببيروت ما هو أقسى من الحصارات والحروب التي عاشتها في تاريخها المثقل بالدم وبالمآسي الإنسانية.

كباقي الساكنة والمقيمين في بيروت ولبنان كان علي الالتزام بسبل ووسائل الوقاية. خصوصا وأنا أسمع السيدة إيمان الشنقيطي ممثلة منظمة الصحة العالمية في لبنان، تتحدث في شهر مارس، على التلفزيون وتقول إن بيروت من أكثر المدن التي ينتشر فيها فيروس كورونا. لكن المسؤولة الأممية، وهي بالمناسبة موريتانية الأصل، استدركت للتأكيد بأن الالتزام بإجراءات الوقاية الضرورية للتصدي لفاشية كورونا أمر مهم للغاية، من أجل منع انتشار المرض في البلد.

حتى الآن  كان الوضع لا يزال تحت السيطرة، لكن ارتفاع الحالات صار في صعود رغم مساعي وكالات الأمم المتحدة المختلفة في مساعدة لبنان واللاجئين الفلسطينيين والسوريين على تجاوز الأزمة ومواجهة الداء بكافة الإمكانيات وبأوسع نطاق ممكن. تم فرض إجراءات الطوارئ لشهر، أغلقت المسارح ودور السينما، ومنعت التجمعات والحفلات والأعراس، وبعد هذه المدة، عادت السلطات اللبنانية لفرض شهر آخر. مع تنظيم حركة السير بفرض أيام قيادة السيارات حسب أرقام لوحاتها بالمفرد والمزدوج. وتضررت القطاعات المرتبطة بالسياحة وأصحاب المقاهي والفنادق، وهددت اتحاداتهم النقابية بالتمرد على قرارات الوزارة الوصية، ما أدى إلى التوصل إلى حلول وسط. ويظهر لي أن الدولة في لبنان تتبع حاليا بخصوص كوفيد 19 ما يسمى بسياسية “مناعة القطيع”. الكمامة ضرورية وعدم ارتدائها يقع “تحت طائلة المسؤولية” بالتعبير الإداري المحلي. لكن التطورات السياسية في لبنان ستؤدي إلى ما هو أكبر من الانشغال بكورونا، خصوصا بعد ما وقع الانفجار الرهيب في مرفأ بيروت يوم الرابع من غشت الماضي. في ثوان ماتت أعداد من الناس الأبرياء أكثر من الأرقام التي حصدها الوباء على مسافة شهور.

 –  تابعت من بعيد الظروف الوبائية وتطوراتها بالمغرب. كيف تجري تقييماتك الخاصة لما وصلنا إليه خصوصا  المرحلة الحرجة الأخيرة؟

   طبعا، أتابع باستمرار وعن كثب ما يحدث في المغرب، بفضل وسائل التواصل التكنولوجية الحديثة والمتاحة أصبح العالم في متناول الاطلاع على مجريات ما يقع بأي بلد، كما أن تواصلي عبر الهاتف والفيسبوك لا يكاد ينقطع مع كثير من الأصدقاء والأقرباء. ويبدو ذلك بجلاء من خلال ما أنشره على صفحتي، حتى أن بعض أصدقائي انتابتهم الحيرة وسألوني متى عدت إلى المغرب؟

في البداية تابعت الارتباك والتناقض الذي وقع فيه الحكومة ورئيسها السي العثماني، ومعه السي اليوبي المسؤول بوزراة الصحة، وهو ما صار موضوع تنكيت وتندر من المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي. قال العثماني واليوبي لنا أن كورونا ليس بالفيروس الخطير، وأن الكمامة ليست ضرورية، وووو.. قبل أن نكتشف أن كورونا شغالة وتحصد العشرات والمئات من المواطنين غير مبالية بثرثرة رئيس الحكومة.

كنت من المصفقين لالتزام المغاربة بإجراءات الحجر الصحي وبتعاونهم مع السلطات، الذي موضوع فخر واعتزاز وتباهٍ. لكن بعد انقضاء فترة الحجر التي دامت أكثر من ثلاثة أشهر، عاد مؤشر الوباء يسجل أرقاما كبيرة، سواء من حيث عدد المصابين أو نسبة المتوفين. وزاد الأمر استفحالا بعد فتح أسواق الأغنام لاقتناء أضحية العيد الكبير. ولعمري كان هذا أمر جد خطير، كشف كثيرا من المغالاطات والأكاذيب وعرّى على “الزواق” الذي تباهينا بها أمام بلدان المعمور. خصوصا وأن هناك عجز واضح لدى السلطات الصحية لتوفير الأسرة والفحوصات المخبرية والمعالجات اللازمة داخل المستشفيات. والأخبار التي وصلت عما جرى في مراكز العلاج الخاصة بالمصابين بكوفيد 19، في بن سليمان وسيدي يحيى الغرب وبنجرير وغيرها من المراكز، هي أخبار سيئة على أية حال، وقد اطلعت على جانب من تلك الظروف والملابسات من خلال ما نشرته صديقتنا الأستاذة التيجانية فرتات. وأتساءل هنا، ألم يكن بالإمكان أن تبادر الدولة إلى فتح باب التعاون مع المجتمع المدني والأحزاب والنقابات المختلفة في المغرب، ومع هيئات أخرى مختصة مثل هيأة الأطباء، للمساعدة على محاصرة الوباء والتغلب على انتشاره.

ربما ليس أمام جميع المواطنين اليوم سوى الالتزام بالوعي وبالإجراءات الوقائية من أجل حماية نفسه أولا، ومن ثم من أجل عائلته والمجتمع، والتأكيد على ضرورة غسل اليدين وآداب السعال وأهمية الابتعاد عن الآخرين والتبليغ عن الحالات. والمثابرة على نشر التوعية بطرق ووسائل مختلفة، منها مواقع التواصل الاجتماعي، وهي ذات تأثير مهم ولا شك. لا أخفيك إذا بحت لك بأن قلقا بليغا يساورني من تداعيات استفحال انتشار الجائحة في المغرب والعالم، وقد تسبب ذلك في إغلاق الأجواء صوب المغرب، وكان من أسباب تأجيل سفري مرات إلى الدار البيضاء.

ارتبطت زيارات عبدالرحيم التوراني لبيروت بمناسبة أدبية، ما هي الأجواء العامة التي اتسمت بها الحركية الثقافية ببيروت خلال هذه الظروف؟

– كان من الطبيعي أن تتوقف الحركة الثقافية في أي بلد تحت قصف الوباء اللعين، في بيروت تم إغلاق المسارح ودور العرض الفني وصالات السينما، وتم ألغاء المعرض الدولي للكتاب، وأقفلت المقاهي التي كانت تحتضن نقاشات وأحاديث النخب المثقفة التي اعتادت أن تتحلق حول موائد تلك المقاهي، التي اشتهرت أسماء كثير منها لارتباطها بجلاسها وروادها من الأسماء البارزة من الشعراء والكتاب والمثقفين وأصدقائهم. وكانت المقاهي مقاهٍ ثقافية حقيقية من غير ادعاء أو عناوين براقة.

كما أن حركة المطابع خفت دوران هديرها وقلت عناوين الإصدارات، وهذا لم يحدث حتى في عز سنوات الحرب الأهلية والحصار الذي عاشته بيروت خلال ما يزيد عن سبعة عشر سنة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الذي مضى. رغم استمرار صدور بعض الصحف الورقية، مثل يومية “النهار” العريقة، ويومية “نداء الوطن” الحديثة الصدور، التي لم تتوقف طباعتها رغم انتشار الوباء وقلة الإقبال. خصوصا وأن قيام لبنان أو انهياره ظل دائما ذا صلة وثيقة بلبنان الثقافة وحرية الفكر المدني المعاصر.

يبدو أن الثقافة في المواقع الأولى المستهدفة دائما، وكورونا لم تقصر في هذا الصدد.

لكن المقاومة الثقافية لا تعدم الحيلة، تجد دائما أشكالا جديدة ومتجددة للصمود والبقاء وإعلاء ألوان راياتها. فجدران بيروت اليوم ومنذ اندلاع ثورة 17 تشرين صارت عبارة عن لوحات جدارية ومعارض فنية مفتوحة بالتعبيرات الغرافيتية المعبرة عن مطالب شعب بأكمله بتعدد طوائفه وتياراته السياسية التي توحدت من خلال شباب ناضح بالأمل في الحرية والتغيير. ويمكن الإشارة إلى ما يعد من  تعبيرات مسرح الشارع، والرقص الموسيقى والغناء السياسي، وابتكار الشعارات والهتافات والتعليقات الساخرة والسوداء، كل ذلك يعبر عن حيوية فائقة وعن شباب مثقف ومرتبط عضويا بالجماهير، ومنصهر داخل قضاياها الملحة والعادلة.

لما انطلقت ثورة “17 تشرين” في السنة الماضية (2019) كنت شاهدا على بدايتها، وقد انبهرت بأعداد الجماهير التي تلتحق بساحة الشهداء وبساحة رياض الصلح المجاورة. وبالتنوع البشري والعمري، إناث وذكور، شباب وصبايا، أطفال صغار رفقة أمهاتهم وآبائهم، عائلات تنزل بأكملها بالوالدين والأولاد مع الأحفاظ. ملتزمين سياسيا في تنظيمات حزبية ومستقلين غير ملتزمين. ولم يتأخر المثقفون، معظم الأسماء التي نعرفها في المغرب تقف في خضم الثورة. على سبيل المثال لا الحصىر، التقيت في الساحة مع الثوار بالمغني السياسي أحمد قعبور وبالمغني مرسيل خليفة، وبالشعراء شوقي بزيع وشربل داغر ويحيى جابر وعقل العويط وجمانة حداد وعباس بيضون، وبالكاتبة عالمة الاجتماع دلال البزري والكاتبة والمفكرة منى فياض، والكاتب المناضل كريم مروة على كبر سنه، والباحث أديب نعمة، والروائي إلياس خوري والروائي رشيد الضعيف، والروائية والناشرة رشا الأمير، والفنان الممثل رفيق علي أحمد، والممثل بديع أبو شقرا، والممثلة المسرحية أنجو ريحان والممثل عبدو شاهين، والمغنية حنين، والممثل المسرحي وسام حنا، والممثلة نادين نجيم، والمغني راغب علامة، والممثلة التلفزيونية ماغي بو غصن. وأهم وجوه النخبة الإعلامية، وأعداد من المتمردين على الأحزاب التقليدية، مثل المثقفين سعود المولى وحارث سليمان ولقمان سليم ورغدة حيدر. وهيئات الأطباء والمهندسين وهيأة المحامين حيث فاز مرشح المحامين الثوار برئاسة نقابة المحامين في شخص الأستاذ ملحم خلف. لا أستطيع الآن استذكار كل الأسماء، ومن بينها من لا أعرفه إلا بالاسم وأجهل شخصه.. وكانت تعقد حلقات نقاش في خيم تستمر لساعات في المساء وجزء من الليل. ناهيك عن أعداد من العسكريين المتقاعدين..

وبالمناسبة أود هنا الرد على بعض الأصدقاء في المغرب، ممن استكثروا على ما جرى ويجري في لبنان وصفه ب”الثورة”، علما أن المسيرات الاحتجاجية التي يشهدها المغرب منذ عقود كانت دائما نخبوية وفئوية، محصورة بالأساس في الطلاب والشباب من المنتمين لليسار والعمل النقابي. كما أن كثير من المغاربة بعيدون عن الحقائق التي تجري على الأرض في الواقع اللبناني وحجم  وأبعاد الصراعات الطائفية والمذهبية، والتدخل الإيراني من خلال حلفائه المحليين، والتجاذبات الدولية والإقليمية حول لبنان.   

– تصادف وجودك في بيروت مع حدث فاجعة انفجار المرفأ. وقد كنت من المثقفين العرب الأوائل الذين نقلوا بشكل حي تفاعلهم مع الانفجار. ضعنا أمام تفاصيل ما حدث كشاهد حي؟

– مع انتشار الوسائل التكنولوجية الحديثة، من هواتف ذكية مزودة بكاميرات، وحضور واسع للقنوات الفضائية والمواقع الرقمية والإذاعات، التي تنقل الأحداث مباشرة لحظة وقوعها بالصورة والصوت، وتمنح الكلمة للضحايا الأحياء ولشهود العيان مع تقديم آراء المحللين المختصين، لم يبق هناك في اعتقادي من دور أساسي لمن يسمى ب”شاهد حي”، أي شهادة يمكن تقديمها بعد ما تابع العالم ورأى ما حدث وحصل. ربما يمكن الكلام عما تزال أصداؤه تتفاعل في كياني وذاكرتي، وما أقرأه على وجوه الناس حتى وهي تبدو لك أن تجاوزت الكارثة وانصرفت لشؤونها العيش والحياة العادية. آثار الحرب الأهلية لا تزال موشومة كالندوب في نفوس البشر هنا. فكيف بكارثة وقعت قبيل أيام..

ما حدث بالنسبة لي أفظع من تصورات الجحيم التي جاءت في الكتب السماوية، وفي الكتابات الملحمية لأبي العلاء المعري ودانتي ألليغري. إنه شيء لا يصدق، وكيف يمكن أن يوجد على وجه الأرض. أفكر دائما في الضحايا وعائلات الضحايا، أستحضر ملامح بعض من شاهدت صورهم، بل إني قمت بتصوير واحدة منهم، هي الشهيدة ألكسندرا نجار، طفلة في الثالثة ونصف من سنواتها الغضة، إذ صادفتها في بداية “ثورة تشرين” بساحة الشهداء رفقة والدها، وكنت يومها أقوم بالتقاط صور “أطفال الثورة”. لما ذهبت ضحية الانفجار وطالعت صورة الصغيرة تعرفت عليها من خلال وجه والدها.

أحس بي كأني راهب يمارس الحداد على موتى يأتي بهم أهلهم بجثمانيهم إليه، كي يتلو عليها اسطرا من تراتيل قداس. إلا أني هنا لست راهبا ولا فقيها، وأنا من يجيء إلى الضحايا ويستحضرهم ليبكيهم بالدم. وقد قمت بتدوين بعض ما عشته في يوميات نشرت جزءا منها في مجلة إلكترونية لبنانية.

 ما هي تحليلاتك الخاصة لحيثيات ما حصل؟

– ما حدث في مرفأ بيروت من انفجار خطير يوم الثلاثاء المصادف ل4 غشت 2020، حدث يتحدى الوصف ولا يمكن التعبير عنه بجمل وكلمات. المراقبون الدوليون قارنوه بانفجار القنبلة الذرية في هيروشيما باليابان سنة 1945. وحقيقة ما حدث ربما ستظل إلى وقت غير محدد عصية على الكشف العلني، خاصة وأن السلطات اللبنانية والمتحكمين في شؤون البلد رفضوا التحقيق الدولي. ليضاف الانفجار إلى ألغاز أخرى في موطن الأرز وبلد جبران خليل جبران وفيروز. سأنقل لك هنا ما يروج على ألسنة الناس من مختلف الطوائف وهو أن المرفأ كان دائما وما يزال تحت سيطرة حزب الله الشيعي، كما هو الوضع بمطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، وأن الانفجار الذي وقع هو تفجير لمواد متفجرة (نترات أمينوم) كانت مخزنة بالعنبر 12 في الميناء. والجواب عن أسئلة مثل: لمن تعود تلك المواد، ولماذا جلبها، ولماذا بقيت مخزنة لأعوام تزيد عن الخمسة أو الستة أعوام، ومن كان يعلم أنها مواد خطيرة قد تسبب الكارثة ولم يتحرك، بالرغم من توصله بتقارير تحذيرية من موظفين رفعوها إلى من يهمه الأمر. الجواب عن مثل هذه الأسئلة وغيرها قد يصل إلى حقيقة ما جرى وحدث يوم الرابع من غشت الماضي.

  – المغرب كان من البلدان العربية الأولى التي عبرت عن تضامنها مع محنة لبنان عبر إرسال مساعدات طبية وإنسانية. كيف تفاعلت  شخصيا مع المبادرة وما هي انطباعات اللبنانيين تجاه ذلك؟

– كانت المبادرة المغربية بقرار ملكي مبادرة محمودة وتم الترحيب بها هنا على أوسع نطاق رسمي وشعبي. فاق عدد الطائرات المغربية التي وصلت إلى مطار بيروت أعداد طائرات الدول الأخرى. طائرات محملة بالمساعدات الغذائية  واللوجستيكية والطبية، كما بادر المغرب إلى إرسال مستشفى ميداني عسكري مع نخبة من أهم الكادر الطبي والتمريضي من المستشفيات العسكرية بالمغرب، ويوجد هذا المستشفى بمنطقة الكرنتينا القريبة من الميناء في بيروت ومن منطقة الجميزة التي تضررت مبانيها أكثر وسقط فيها ضحايا كثيرون. ويعرف إقبالا واسعا، إذ يتوافد عليه مختلف اللبنانيون والمقيمون بلبنان واللاجئون السوريون والفلسطينيون، ويوميا تجرى بالمستشفى عمليات جراحية بعضها معقد. باختصار سمعة المستشفى المغربي أكثر من طيبة، وراية المغرب ترفرف في ساحته جنب راية لبنان رمزا للتضامن والأخوة بين الشعبين العربيين المغرب ولبنان.

     –  وانت خارج الوطن علمت بفقدان اصدقاء كثيرين عزيزي عليك…ثريا جبران …عبدالعظيم الشناوي كيف عشت هذا الألم عن بعد؟

– أصبح خبر الموت والنعي خبرا عاديا، كل يوم أفتح التلفون لأقرأ على الوتساب والفيسبوك نعي صديق من أصدقاء الطفولة أو من الجيران أو من الأهل القريبين، أو نعي صديق ربطتني به مهنة الإعلام وهموم الثقافة والفن. من الفنانين رحل عنا المسرحي عبد العظيم الشناوي وتبعته الفنانة والوزيرة السابقة ثريا جبران، ثم الصديق الممثل والمخرج أنور الجندي، وهؤلاء كانوا من أصدقائي، ثم الممثل عبد الجبار الوزير الذي لم تسمح لي الظروف بلقائه، لكنه يعتبر من الفنانين الذين فتحت عيني على أعماله بصحبه رفيقه المرحوم محمد بلقاس.

ورحل صديقي الإعلامي محمود معروف مدير مكتب صحيفة “القدس العربي” بالرباط. وربطتني علاقات تزيد عن أربعة عقود منذ أن وصل إلى المغرب. كنت سأحزن أكثر كوني لم أتمكن من تشيع أصدقائي وحضور جنازاتهم، لكن كورونا ساوت بيني وبين من هم في المغرب، فلا تشييع ولا مراسم جنازات.

 

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الشاعر والناقد عبدالجواد الخنيفي

اللّغة الشعريّة تنطوي على تشعّب المواقف والعواطف .. اللّغة الشعريّة لها القدرة على النّفاذ إلى …

حوار مع الروائية الأردنية نبيهة عبد الرازق

س1 ـ كيف تقدمين الروائية نبيهة عبدالرازق إلى القارئ المغربي؟ اسمح لي أن اتقدم بالشكر …

نور الدين الصايل في حوار مع مجلة تيل كيل ..

“اختزال الفلسفة في الفكر الإسلامي.. إقصاء ممنهج لمادة الفلسفة في المغرب”   نور دين الصايل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: