حوار مع الشاعر والناقد عبدالجواد الخنيفي

اللّغة الشعريّة تنطوي على تشعّب المواقف والعواطف ..

اللّغة الشعريّة لها القدرة على النّفاذ إلى حقائق الحياة ..

 

الشاعر والناقد و الإعلامي عبدالجواد الخنيفي من الأقلام البارزة على الصعيد الوطني عامة وشمال المغرب خاصة. وقد خط مساره ونحت أسلوبه في الكتابة الأدبية والإعلامية  بصبر وأناة وهدوء الحكماء فاتحا أشرعته على أنسام الشرق والغرب، منصتا بدهشة وعمق  إلى نهر الحياة و حفيف  الكون، ملتزما بقضايا الإنسان ألاما وأمالا، واقعا وأفقا…

لغته المخضبة بحناء الشعر  المنتصرة لنبض الإنسان و سلافة الحياة رهيفة، رائقة، شفافة، أنيقة ، صادقة، عميقة كما البحر الذي في أحشائه الدر…

 إليكم  فيما يلي نص الحوار مع الشاعر والنقد والإعلامي عبدالجواد الخنيفي :

 

س: أصدرتم في سنة 2019 مؤلفكم النقدي الأول في الشعر الموسوم ب «غيمة ومرايا: الإنسان والكون في شعر عبد الكريم  الطبال»، وذلك بعد إصدار ثلاثة دواوين هي: «الخيط الأخير» و «زهرة الغريب» و «أبتسِمُ للغابة». هل اقتحامكم لمجال النقد هو امتداد للاشتغال على الشعر ممارسة و إبداعا أم أن المجالين يختلفان؟

ج: أعتقد أن الأقرب إلى روح النصّ الشعري في امتداداته الإبداعية والإنسانية .. وفي الإنصات إلى نسيجه اللغوي والجماليّ وانفعالاته ونبضاته، هو الشّاعر الذي على الأقل يمتلك أدوات أوليّة لتأويل النصّ ومحاولة فهم أسئلته وتطلّعاته . قد تختلف بطبيعة الحال الكتابة الإبداعية عن الكتابة النقدية ، لأنّ الأولى تبدع بشكل فسيح ورحب، منفتح على الدّهشة. والثّانية تُؤوّل وتجعل النصّ في المرآة وجها لوجه بين المبدع والمتلقّي وتكشف عن عوالمه وتستحثّ المتابع على تذوقه وفق مؤشرات جمالية. ولا أخفي أن الكتابة النقدية خاصة في المجال الشعري قد استهوتني منذ سنين بعيدة وأنا أتابع وأقرأ عشرات إن لم أقل المئات من المقالات النقدية المتخصّصة لنقّاد عرب وهم يتناولون تجارب مختلفة .. فضلا عن الدّرس الجامعي الذي شكّل صيرورة أخرى مهمّة بالنّسبة لي وأنا أتابع بطريقة مباشرة الدروس التي كان يقدّمها أستاذة أكفّاء وعلماء ، يعدّ بعضهم من الرّموز الأكاديمية .. وبعضهم الآخر يشتغل بالكتابة إبداعاً ونقداً.

س: يلاحظ هيمنة  لغة الشعر على المؤلف النقدي ابتداء من العنوان «غيمة ومرايا» هل هذا صحيح؟، وهل للغة الشعرية تأثير على صرامة لغة النقد وشكليتها أحيانا؟.

ج: الشعر امتداد للشّعر في شكله وفي أثره وفي تأويله. وما قيمة الأشياء إن لم تتراكم وتتكامل وتترك في النّفس جرساً وأثراً وأبعاداً تتخطّى المألوف؟. فاللغة الشّعرية لها قدرة النّفاذ إلى الأعمق والأبعد وإلى حقائق الحياة وإيقاعاتها ، إذ تنطوي على الحسّ الإنساني .. وعلى تشعّب المواقف والعواطف وتداخل الماضي بالحاضر .. و قد تمنح بشكل أو بآخر للغة النّقد توهّجاً جديداً ، مثلما تمنح ذلك للغة  الرّواية والقصّة القصيرة .

س: يهاب كثير من النقاد والدارسين الاشتغال على المتن الشعري ربما لصعوبته وإبهامه وخطورة تأويله بينما يفضلون الاشتغال على السرد القديم والحديث، على العكس، من ذلك، نجد شعراء اختاروا هذا المنحى النقدي كالراحل عبد الله راجع، ومحمد بنيس وآخرين، وأنتم ربما تسيرون على نهجهم ما تقييمكم الذاتي للتجربة التي خضتموها مع شعر الشاعر الشفشاوني العالمي عبد الكريم الطبال؟.

ج:  اختيار الاشتغال على النّقد الشعري ، من المجالات التي رافقتها ورافقتني  بحكم قراءاتي المختلفة لتجارب شعرية مغربية وعربية وعالمية ولنصوص نقدية طيلة محطّة امتدت لأكثر من 25 سنة ، وبالتالي تكوّنت لديّ على الأقل صورة واضحة في بعض جوانب هذه الطّريق التي تحتاج من بين ما تحتاج إليه ، الصّبر والنّفس الطويل والعدّة المعرفية وبعض النّباهة. وأنا حاولت جاهداً في أن أكون قد وفّقت ، لأنّه ببساطة مازلت أتعلّم وأستفيد من الآخر … كما أعتبر نفسي محظوظاً لأنني تعرّفت على الشاعر الكبير أستاذي عبد الكريم الطبال ، فامتدّت بنا السّنوات والفصول على تواصل إنساني وأخوي مستمر ، كنّا ولازلنا نناقش فيها قضايا الإبداع وتطلعات الكتابة وأسئلة الحياة .. بالإضافة إلى أنّني كنت أتابع بشغف كبير ما ينشره الشاعر من قصائد بالملاحق الثقافية وكذا قراءتي لمتنه الشعري منذ البدايات إلى الآن ، فضلا عن انتسابنا إلى نفس المحيط المكاني – شفشاون ، الشيء الذي جعلني أكوّن فكرة ليست بالهيّنة عن هذا الشاعر الكوني .

ومن ثمّ وقع اختياري في أطروحة الدكتوراة على الشاعر عبد الكريم الطبال بتشجيع من أساتذتي في كلية الآداب بتطوان ، وأخصّ بالذّكر الدكتور عبد اللطيف شهبون والدكتور أحمد هاشم الريسوني. حيث كانت التجربة طيلة أربع سنوات من العمل المتواصل، تنمو وتتكامل وتحاول أن تستجلي تجربة الكتابة والحياة لدى الشاعر الإنساني الفذّ عبد الكريم الطبال، وتسجّل أهم محطّاته الشعرية النابضة بالعمق وبإثارة مواضيع كونية وإنسانية وبانتمائها إلى عصرها الإبداعي .. وإلى ما هو قادم . لقد شكّل الشاعر تكاملا بين حياته وإبداعه ، فكان جبلا شامخا شموخ غرناطته الصغرى شفشاون.

 

س: المنهج النقدي أداة مهمة لتحديد خارطة طريق الناقد، ما الدافع لاختياركم المنهج الموضوعاتي لدراسة شعر عبد الكريم الطبال، وهل استفدتم أو استعملتم مناهج أخرى إلى جانب هذا المنهج في هذه الدراسة التي تكاد تشمل مجمل التجربة الشعرية للشاعر  من البدايات إلى الآن؟.

ج: بالفعل ، وهو أيضاً الأداة التي ترسم طريق أي باحث أو دارس أو ناقد ، ومن ثمّ فقد ساعدني هذا المنهج في مقاربة أهم الموضوعات الفنيّة والجمالية التي تسمُ التجربة الشعرية للشاعر عبد الكريم الطبال .. فضلا عن تقديم شبكة تضمّ أهم الموضوعات التي شغلت بال الشاعر، إذ قمت بدراسة أعماله الشعرية في جزأيها الأول والثاني بالدّرس والتحليل والمكاشفة ، واستبانة ملامحها والقبض على تراكماتها النصيّة والغوص في حقيقة أسئلتها وقضاياها بشكل مستفيض.

كما  استأنست في الدّراسة ببعض المناهج الأخرى ، وفق ما تسمح به من تلاقح وتكامل وتوحيد للتصوّرات الفكرية.

س: يلاحظ أن دراسات كثيرة تقتصر على تيمة واحدة أو ديوان واحد وأحيانا قصيدة واحدة لشاعر، بينما دراستكم تكاد تكون مسحا نقديا لتجربة الشاعر عبد الكريم الطبال وما أدراك ما عبد الكريم الطبال، ألم يكن في هذا مخاطرة أو مغامرة، أم أن الأمر يتعلق بتحد و رهان ذاتي داخلي عميق على اعتبار ما تتقاسمونه من مودة شعرية وروحية مع الشاعر وشعره؟.

ج: دائما أتطلّع إلى مغامرة الكشف والاكتشاف والتحدّي … واختيار هذه الدراسة حول الشاعر المغربي الكبير الأستاذ عبد الكريم الطبال ، يعود إلى رغبة عميقة في الكشف عن الدّور الريادي والفاعليّة الشعرية التي استطاعت أن تلعبه هذه التجربة في الحركة الثقافية المغربية بشكل عام ، من خلال سعيها الحثيث على خلق لغة متألّقة، منفتحة  ، ومتجدّدة على الأبعاد والدلالات الإنسانية ، وعلى المستوى الفنّي والجمالي وبالتالي تلمّس قضاياها اليوميّة .. وكذلك لكون تجربة الشاعر عبد الكريم الطبال لم توفّ حقّها من النّقد المتابعة ، عبر تناول أعماله الشعرية في جزأيها الأول والثاني بالدّرس والتحليل والمكاشفة.

س: من خلال استنتاجات دراستكم العميقة لشعر عبد الكريم الطبال؛  ما هو في تقديركم موقع  شفشاون في شعر عبد الكريم  الطبال موضوعا و لغة ورؤية؟.

ج: شفشاون حاضرة بالرّمز والإيحاء وبمساحات مباشرة في معظم قصائد الشاعر عبد الكريم الطبال،  فهو يستيقظ بين مفرداتها ، يلوّح لسرب طيور في الزّرقة ، يصافح عائلة من الأشجار ، يشرب موسيقاه من هدير نهرها ، يصافح لحية الجبل وضفائر الشّمس والعتمة القديمة .. هو المكان وابن المكان وطفل المكان أحياناً أخرى .. يبقى أكثر وسامة بين الحقب والأجيال واستباقياً واستنتاجياً واستثنائياً …

 

حاوره : عبد الحي مفتاح

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الفنان المغربي ياسين أحجام ..

س ـ نبدأ معك السي ياسين بالسؤال التقليدي، وهو كيف تقدم الفنان نفسك إلى القراء …

لقاء منير مع امحمد بنونة حفيد الأستاذ المرحوم محمد الخطيب..

سبق لنا أن أخبرنا قراءنا بإجراء هذا الحوار من أجل إنارة قضية شغلت الرأي العام …

حكاية امرأة مغربية : “فنانة الشعب” ثريا جبران

 ودّع المغرب مؤخراً ثريا جبران. فنانة كبيرة تركت بصماتها في تاريخ الفن المغربي، كما في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: