الرئيسية / فن و ثقافة / حوار مع الفنان التشكيلي المغربي فؤاد شردودي

حوار مع الفنان التشكيلي المغربي فؤاد شردودي

  • حاوره : عبد الإله المويسي

 

  • كيف تقدم الفنان فؤاد الشردودي لقراء واقعيين وافتراضيين تتسع مساحتهم على امتداد العالم؟

 

فؤاد شردودي ،شاعر تشكيلي مغربي ، بكل بساطة ، أنا واحد من الذين جندتهم الاستعارات لصالحها ، رأيت النور بمدينة سلا سنة 1978 ، و منذ طفولتي استغرقتني لحظات الشغب الإبداعي و محبة الكتاب ، في البداية كان الأمر عشقا و هواية بحيث كان معظم الوقت يتوزع بالإضافة إلى التحصيل المعرفي بين الرسم و الكتابة ، كبر الفتى ، وصار لديه تصور ما للعالم و للأثر الإبداعي و دوره في خلق حيوات متعددة بموازاة الحياة الخطية . قدمت معارض تشكيلية لأعمالي بالمغرب و بالعديد من الدول العربية و الأوروبية ، كما أصدرت خمس دواوين شعرية بالمغرب و فرنسا ، أقضي معظم وقتي في مرسمي بمدينة الرباط ، و أومن بأن المبدع الحقيقي هو الذي يثور على نفسه كل يوم  و لا يطمئن لما ينجز ، العمل الفني المنفلت و الهارب هو الذي يستحق بحثا و اجتهادا أكثر .

 

  • منذ أزيد من عشرين سنة وأنت تكتب الشعر وتمارس التصوير الصباغي. كيف تؤلف بين الكتابة والتصوير، وكيف استطعت أن تصنع لنفسك، وطنيا وعربيا، اسما مميزا في الحقلين معا؟

 

في الحقيقة لا شيء يمكن أن يقدمه المبدع لنفسه و للعالم أهم من عمل فني يحترم نفسه و شروطه ، أنا من طينة الفنانين الذين يشتغلون بشكل متواصل و لا يتركون في حياتهم مساحات كبيرة للصمت و للفراغ ، صحيح أن لحظات الضوء و التجلي المطلق أو ما عبر عنه باشلار بالزمن العمودي هي التي تقرع بابك دون أن تعلم ، لكني أعتقد أنها لا تأتي هكذا مجانا بل إنها تحب الفنان الملحاح الذي يهيئ لتلك اللحظة ظرفها و خصوصياتها ، ما أنجزته لحد الآن يعتبر تجربة صغيرة ، و لازلت أتعلم يوميا كيف أتجاوزها و أتمكن من كتابة نص أو إنجاز لوحة لهما القدرة على صنع زمن خاص ، بماهية خاصة . الكتابة و التشكيل لدي فعل ورد فعل في ان واحد ،اندفاع و دفاع ، سفر في المجهول و مغامرة في ما يشبه الغيب ، فيها الكثير من التلقائية التي لا تنطوي على خبث نظري ، ولا تتمرس خارجه ، إنها نزوع نحو الحال (حال المجاذيب ) نحو الإحساس بنقص ما ،باعتلال ما ، بحاجة ماسة إلى حرث هذه الأرض البيضاء المنتصبة أمام عيني ، بعمقها الذي يشبه العدم ، و بمشهدها المأهول بالصمت و الانفلات ، لذلك فالكتابة و الرسم ،إعلان واحد عن هوية واحدة ، عن هبوب رياح خفية تارة تكون رفيقة و صديقة  ، و تارة أخرى تجعلني أبعد كائن عن نفسي فلا أكاد أجدني إلا صدفة . كثيرا ما يلازمني سؤال واحد بصيغتين مختلفتين، لماذا أكتب ؟ ولماذا أرسم؟ و أظل غالبا أتحايل على اللغة بإعادة صياغة السؤال بالنظر إلى شرطه الزمني، فأقول: متى أكتب ؟ ومتى أرسم؟ أليس جديرا بالزمن المعرفي أن يجيب عن تساؤل يهدد الاطمئنان الظاهري الذي يولده الافتتان برعشة إبداعية زائلة؟ لعلي أجد نفسي مندفعة إلى الحاجة إلى الكتابة وإلى  التشكيل بالهروب إليهما بدون أن أوفر لقلقي المعرفي الباحث عن أرضية مطمئنة لما يلخصه التعبير الفني من أسئلة.

 

  • هذا السؤال سيجرني للحديث معك عن علاقة اهتم بها، لفترة طويلة، النقد المغربي المعاصر، وهي علاقة الشعر بالتشكيل. ما هي في نظرك حدود التواصل بينهما؟

 

الفعل الإبداعي وان تغيرت أساليبه و تعبيراته يظل واحدا في تكامله و تواشجه ،مترابطا يخضع في جوهره لشرط الزمن الإبداعي ، الخالق للجمال و للمتعة والمغايرة ,لذلك حين أتامل فعلي الكتابة والتشكيل ، يخطر ببالي هذا التناغم الموسيقي بين البصري و التخيلي لصياغة فنية تلعب فيها الجملة دورا محوريا مثلما تصير الكتلة اللونية خطابا استطيقيا مفتوحا على التأويل و المقاربة ,لذلك كنت دائما أنتصر لتداخل الفنون و لاستدعاء بعضها البعض ،أو ربما لاستفادة بعضها من البعض الأخر و خصوصا في ما يتعلق بالكتابة الإبداعية (شعرا أو سردا أو غير ذلك) و الإبداع البصري تشكيلا (رسما أو معمارا أو غير ذلك ) . ذلك أن آليات استيعاب وتلقي الشكل الجمالي تعيد صياغة الوعي البصري و تحفزه ، ليصير المتلقي شريكا في الإبداع ، وفي صنع الاختلالات الجميلة . داخل مخبري الذاتي هناك تجاذب جواني بين القصيدة و اللوحة ،تجاذب يجعلني لا أتقن تحديد الفاصل بينهما ، وأعتقد ان التجارب المماثلة التي تزاوج بين الكتابة و التشكيل تعيش الوضع ذاته ، إذ الروح نفسها بحمولاتها و قلقها و اندفاعها هي من تقود الرحلة ، و إن تغيرت وسيلة النقل.

 

  • أعمالك التصويرية الأولى كانت تميل أكثر إلى ما يمكن وصفه ب»  التشخيص المجرد«، إلا أنك بدأت تنحو، في السنوات القليلة الماضية، منحى التجريد المطلق. ما هي، في نظرك، مبررات هذا التحول الحاسم؟

 

خلف الأشكال و الخطوط و الكتل اللونية تكمن الأسئلة الكبرى في العمل الصباغي ، هذه الأسئلة التي تصاحب الفنان في انشغاله العميق و حواره المتعدد الأوجه مع عمله الخاص، و هي أيضا التي تجذبه مرغما إلى أن يصل إلى نقطة ما من اللارجوع ومن الاكتفاء أيضا  حتى في عملية التلقي ، تنتصب أمامك هذه الأسئلة مثل أبواب لابد لك من أن تلجها للنفاذ إلى روح العمل الصباغي و الإقامة في دواله ، و بذلك يأخذك العمل و يحملك إلى أفقه الخاص . حكايتي لا تختلف كثيرا عن عديد من التجارب في العالم التي لم تركن إلى أسلوب واحد ، و ذلك من منطلق البحث الدائم عن التغيير و التجريب ، و ربما تقود ذلك بالنسبة لي مرجعيتي الشعرية و الفكرية ، فالمنحى التجريدي المطلق الذي يميز أعمالي الأخيرة راجع إلى تصوري عن عتبات النص البصري ، إذ في نظري خلق الدلالة البعيدة في اللوحة و المختلفة  هو الذي يجعلها عملا مهما بالإضافة إلى التعامل خاص مع فضاء اللوحة ، فراغها و امتلاءها و مستويات التدخل فيها .

 

  • يذهب بعض نقاد الفن إلى مقاربة تجرب ك الصباغية باعتبارك تراهن على مفهوم «الكاو ،» بمعنى أنك تنطلق مما يعتبرونه «مشكلات لونية وشكلية » في بناء لوحتك. كيف تفسر للقارئ ذلك؟

 

طبعا تظل للناقد رؤيته الخاصة التي تقوم أساسا على قراءته وتأويله لدوال العمل الفني و اليات اشتغاله و كنت دائما أقول ‘ الاسئلة تتبع الفنان ، الأسئلة تقود الناقد ‘ . مفهوم ‘ الكاو ‘ يتجلى أحيانا في ما أقوم به من إنشاء و محو و تدمير داخل سلسلة التدخلات الصباغية ، و التي يقوم فيها اشتغالي خصوصا  في السنوات الأخيرة على تفجير الثنائيات داخل فضاء السند بحيث أغذي صراعات بين الكتل اللونية و تقاطعاتها حتى تصل إلى ذروتها فيصير الفراغ مشحونا بكمية هائلة من الامتلاء غير المعلن و ذلك من خلال شفافيات أحيانا و أحيانا أخرى من خلال استثمار اللطخة و الخط و الأثر ، كل هذا الاشتغال يحكمه إيقاع مهيمن داخل اللوحة ، و بالتالي فالصورة النهائية للعمل تأتي بعد خلق توازنات جمالية ما ، و الخروج من تلك المشكلات اللونية بنسق بصري منسجم أحيانا و مثير أحيانا أخرى بحيث يصير وازعا لطرح السؤال ، و لربما يتخلل هذا الاشتغال الكثير من اللعب المفكر فيه الذي يظهر على شكل أثر ما أو حادثة لونية ما ، وهو إلى حد ما أيضا، ما كان قد فسر به غادامير قراءته للعديد من الآثار الفنية ، حيث ‘ اللعبة و النص ( اللوحة )  ينتميان إلى نفس المنطق ‘ ، انا استغل كل الإمكانيات المتاحة صباغيا لذلك فالتجريد التعبيري يظل ملعبي المفضل بمعنى ما . في ذروة هذا الاشتغال أفكر في اللوحة كجزء مني أو ربما نصير معا جسدا واحدا .

 

عن admin

شاهد أيضاً

حوار مع الفنان المغربي إدريس الروخ

إدريس الروخ، مخرج “ديما جيران” و”صفي تشرب” و”دار الغزلان” وغير ذلك من الأعمال،  هوفنان مغربي …

حوار مع الفنان والشاعر فؤاد شردودي (الجزء الثاني)

5 – في مبادرة جمعت بيت الشعر في المغرب ومؤسسة الرعاية التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، …

حوار مع الإعلامية المغربية نادية لاركيط

نبدأ بالسؤال التقليدي وهو كيف تقدمين الإعلامية نادية لاركيط  إلى القراء المغاربة الواقعيين والقراء العرب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *